جوليا بطرس.. الأغنية كسلاح أيدولوجي

 


“بحر صور غير.. وهواء صور غير.. وهواء الجنوب كله غير”. لا تبدو تلك الكلمات التي رددتها الفنانة اللبنانية، جوليا بطرس، في تموز (يوليو) العام 2018، على مسرح ميدان سباق السيارات التاريخي، في محيط قلعة مدينة صور الأثرية، جنوب لبنان، مجرد مزحة هادئة، تصنع بها خيوط حريرية مع جمهورها الذي تدفق بالآلاف لحضور حفلها الأول بالجنوب اللبناني، بعد انقطاع دام أكثر من عقدين، لكنها كانت تستدعي شحنة نفسية هائلة، وطاقة معنوية، لمضاعفة جرعتها الغنائية وتأثيراتها عليهم.

وعن عمد، وبمهارة شديدة، ظفرت بطرس بالحالة المعنوية الصاخبة، بكلمات مقتضبة لها طبيعتها السحرية التي تجيد صناعتها، وجذبت جمهورها بنعومة وخفة، بهدف تحريك ذائقتهم، وخدش حساسية فنية معينة، تخص حالتها الغنائية المميزة، ليصبح لها أثرها المدوي والتحريضي.

تزامن الحفل الذي حضره قرابة 13 ألفا مع حدثين مفتاحيين، يلقي كل منهما الضوء على الطبقة المستترة والخفية، التي يصعد من خلالها صوت بطرس، ويكتسب داخل مساحاتها الآمنة شرعيته الفنية، وتداول أغانيها، أولهما، ذكرى حرب تموز (يوليو) عام 2006، التي كانت بمثابة الفصل الثاني من المواجهة العسكرية بين حزب الله وإسرائيل، وثانيهما، نجاح الانتخابات التشريعية في لبنان، قبل الحفل بشهرين، وفوز الثنائي الشيعي “حزب الله وحركة أمل”، في مقابل تراجع تيار المستقبل، بقيادة سعد الحريري، بعد تعطيلها مدة تسع سنوات، بواسطة حزب الله، بغية فرض أجندته السياسية والإقليمية، وأبرزها دوره العسكري والميداني في سوريا.

ورغم المسافة الزمنية بين التاريخين والتحولات المحلية والإقليمية اللذين شهدهما لبنان والإقليم، إلا أن ذلك الأمر في حد ذاته، يفصح عن حدود صوتها ومهاراته الفنية التي تتقلص، على إثر اختيارها حبسه في حيز المضامين السياسية والأيدولوجية المباشرة.

إذ يؤدي صوتها الغنائي أدوارا وظيفية محددة، يفقد على أساسها صلاحيته وقيمه الجمالية، بعدما أمسى هذا الصوت يحيلك لجملة من المشاعر المستهلكة، والأفكار التقليدية، والانطباعات المباشرة، كما يستدعي معه جملة من الاعتبارات السياسية التي تهيمن على شخصيتها الفنية وتصادرها في ملمح واحد، بصورة متكررة، لطالما يجري إعادة توظيفها في أشكال تبدو باهتة وضعيفة، يترتب عليها إنتاج يتسم بالرداءة والضعف.

 

لذا، تحول صوتها وخطابها الفني إلى وسائط إكراه تمارس عبرها النفي والاستلاب لخصومها، وترويض فاعلية الآخرين والمعارضين المحتملين والمتخيلين، بهدف إحالتهم للتقاعد وضمان طواعيتهم وخضوعهم، بالإضافة إلى نفيهم من المجال العام. وبالتالي، نبذ أي مقاومة، ومنع عدوى الثورة، غير تلك التي تمر عبر قنواتها وتبشر بها.

عرجت بطرس في حفلها على ذكرى حرب “تموز” قبل أن تستكمل أغنياتها، فقالت: “تموز شهر الانتصار.. دوخ العالم.. صحيح أنه ذكرى لحرب، والحروب مأساة يذهب ضحيتها شهداء وضحايا، لكن تموزنا هو تموز الانتصار.. انتصارنا وانتصار لبنان، كل لبنان، شاء من شاء وأبى من أبى.. تحية مني إلى كل الأبطال الذي رووا أرض الجنوب ولبنان بدمائهم”.

ثمة ذاكرة انتقائية سعت الفنانة اللبنانية إلى إحيائها في الحفل الذي حضره الآلاف من جمهورها، فضلا عن رموز سياسية وفنية عديدة، ومن بينهم رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، وزوج الفنانة، وزير الدفاع، إيلياس بو صعب، حيث إن المدينة الساحلية، الواقعة على الضفة الشرقية للمتوسط، بين مدينتي صيدا اللبنانية وعكا في فلسطين، تحفل بتاريخ حضاري متنوع ومهم على مستوى البشر والعمران غير التي تريد حصرها داخله.

 

ويتجاوز تاريخ “صور” المربع الطائفي الضيق الذي صنعته الطبقة السياسية في لبنان بعد الحرب الأهلية، واتفاق الطائف، كما يتجاوز ذاكرة الحرب، التي تعرضت فيها مدن الجنوب اللبناني، معقل حزب الله، وحاضنته المجتمعية للعدوان الإسرائيلي، ناهيك عن شعارات “المقاومة” و”الممانعة” التي أضحت وغيرها من وسائل حزب الله القمعية، أدوات لعزل المعارضين لسياساته ونبذهم، سواء بواسطة العنف الرمزي أو المادي.

كانت أغنية “أحبائي” التي صدرت عام 2006، بعد انتهاء العدوان، بمثابة اللحظة القصوى في أغنياتها السياسية.. وقد اختارات اسم الأغنية ذاتها فأطلقته على مشروعها الغنائي وحفلاتها، في عدة عواصم عربية، وتبرعت بريعه إلى ضحايا الحرب.

كلمات الأغنية التي تبرز ذروة تعاطي صاحبة “لا بأحلامك” مع السياسة، وتشير بوضوح إلى موقعها الفني الملتزم، كانت إعادة صياغة فنية لأحد خطابات أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، الموجهة إلى جنوده على الحدود اللبنانية، ووصفتهم الأغنية بـ”رجال الله في الميدان”، حيث تمت استعارة ألفاظها وعباراتها المميزة من رسالته لعناصره المقاتلة، وقد تجاسر على أداء تلك المهمة، الشاعر اللبناني، غسان مطر، ولحنها شقيقها، زياد بطرس.

الحالة الأخيرة، تعري أكثر حيل الفن خطورة لتكريس حدث وصناعة قائد، وتحويله إلى ذات مفخخة، لها حمولة معنوية وتاريخية، تتعالى على النقد والمراجعة، كما تعصمها من المسائلة، بالإضافة إلى بناء أيدولوجيا والترويج لها، وهي غواية الفن الأبدية مع السياسة، بعد أن يتم نهب عناصره الجمالية وتصفية قيمة الخيال فيه، الذي من المفترض أن يحرر الإنسان من أشكال الاحتكار والتسليع والمصادرة، في سبيل أي أغراض نفعية وانتهازية، الأمر الذي يمكن التنقيب عن نماذج له في حقب وأزمنة متفاوتة، تحول فيها الفن إلى منصة للمعارك السياسية والحزبية والأيدولوجية.

تعود بدايات الفنانة اللبنانية مع الأغنية السياسية وخط “المقاومة” الذي طوعت فنها لصالحه، بينما التزمت بمبادئه وتبنت انحيازاته، إلى العام 1985، من خلال أغنيتها الشهيرة: “غابت شمس الحق”، حين شدت إلى الجنوب اللبناني الذي وقع وقتها تحت وطأة الحرب والاحتلال الإسرائيليين، إذ لم يتجاوز عمرها الــ17 ربيعا.

 

وعلى خلفية تنفيذ الجيش الإسرائيلي عدوان في منطقة الزراية بالجنوب اللبناني، غنت من كلمات الشاعر اللبناني، نبيل أبو عبدو، للمرة الأولى، بالعربية، أغنيتها الأخيرة، ذائعة الصيت، والتي منحتها شهرة فائقة وبطاقة مرور ذهبية، مازالت تحتفظ بها، رغم تآكل أطرافها، وفقدان إغراءاتها، وتلاشي زخمها، حيث سبقهتا أغنية وألبوم آخرين، بين عامي 1980 و1982 بالفرنسية، واللذين سجلتهما في استديو “إلياس رحباني”، والأخير ساهم بالتلحين والتأليف في ألبومها الأول بالفرنسية:”C’est la vie”

ومثلما بدا صوتها قويا يرتج في صمود وجسارة، وهي تؤدي كلمات أغنيتها العربية الأولى، وتتنقل بين ألحانها التي تراوحت بين الصخب والغضب والحماس وعدم المهادنة، بينما تصدح بعبارات مؤثرة مثل: “صدر الشرق انشق” و”كلهن يا جنوب باعوك الكلام” و”العدل مصلوب عم ينزف السلام”، كانت تقطع بنفس الدرجة مع تاريخها الفني الذي بدأته مع الرحبانية، وتجهض تطوره، لتحمل الأغنية كسلاح أيدولوجي لحساب “المقاومة”!

بين عامي 2015 و2019، تصاعدت موجة من الاحتجاجات في بيروت، ضد الطبقة السياسية اللبنانية، على خلفية تفاقم أزمة النفايات التي تراكمت في زوايا المدينة، وشوارعها، وعبر الطرقات، والتي ترمز إلى انسداد في الأفق السياسي، وتحجب خلفها فائض هائل من الفساد والفشل اللذين عبر عنهما المحتجون في هتافهم: “طلعت ريحتكم”.

وعليه، كانت الأرض تهتز تحت أقدام الفنانة اللبنانية، التي ظلت تغني إلى “ثوار الأرض”، وتحرضهم بأن “ثوروا عالطغيان، ثوروا عالحرمان”، بينما ظلت في أشهر أغانيها تهتف: “وين الملايين؟!”.

 

بيد أن “ثوار الأرض” حين استجابوا لها وتدفقوا في غضب، وفاضت بهم الساحات والميادين، ومن بينهم المحرومون والمنبوذون، وشتى الفئات المهمشة والمقهورة، لجهة استرداد حقوقهم المنهوبة وفضح النهب، والاستغلال السياسي والاجتماعي، نأت بنفسها عنهم، فرافق المحتجون أصوات غنائية أخرى، بينما تحولت أغنيات صاحبة: “أنا بتنفس حرية” إلى عبارات ساخرة، تتسع لها صور ورسومات الجرافيتي على الحوائط والجدران، بهدف فضح تناقضاتها الفجة وانتهازيتها.

لم تكن الموجة الاحتجاجية الأخيرة والمستمرة منذ تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي، سوى حالة غضب قصوى على وضع لبنان العام الذي يعيشه، منذ تاريخ الحرب الأهلية، ونجم عنه طيلة عقود فقدانه للسيادة، وخضوعه للاقطاع السياسي والطائفي، وقتل شبابه في حروب بالوكالة، كما الحال في سويا، بالإضافة إلى اقتصاده الذي يقارب على الإفلاس، ناهيك عن تعالي نبرة الطائفية والعنصرية، بالصورة التي يعبر عنها وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، حين يتعمد إهانة السوريين والفلسطينيين، والتحريض ضدهم، بوجه خاص، ووصفهم بعبارات مسيئة.

لكن الفنانة من أصول أرمينية والتي تنتمي إلى أسرة يعتنق والدها اللبناني مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي، بينما الأم الفلسطينية لاتفارقها مشاهد النكبة والتهجير والشتات الفلسطيني، تكاد تسقط عليها هذه الحالة المختلطة كغيمة ثقيلة، تجعلها داخل خريطة نفسية معقدة ومشوشة، خاصة وأنها تسكن بيت الوزير (إلياس بو صعب) الذي ينتمي للتيار الوطني الحر، وينتسب له رئيس الجمهورية، ميشيل عون، المتهم بالفساد ومطلوب عزله وحكومته.

والرئيس عون الذي وصفته صاحبة: “نحن الثورة والغضب” بأنه “بي (أب) الكل”، باللهجة اللبنانية المميزة، في محاولة لالتماس تعبير يجعله ممثلا لكل اللبنانيين على تنوع طوائفهم، ومرجعياتهم السياسية، كما غردت عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، بينما ظهرت في صورة حميمية معه، لم يخدش حسها “المقاوم” وحدسها “الممانع”، أنه الجنزال ذاته مهندس مجزرة تل الزعتر، والتي قضى فيها نحو ثلاثة آلاف فلسطيني بالمخيمات، بعد حصار دام استمر 52 يوم، عام 1976 وهو نفسه الجنرال العسكري الذي وقف يصافح قائد الجيش الإسرائيلي بعد نجاح اجتياح العاصمة اللبنانية، بيروت، في العام 1982.

الفنانة الحاصلة على وسام “الأرز الوطني”، في العام 2007، من الرئيس اللبناني، إميل لحود، صوت غنائي فذ، وحالة استثنائية، وقع تحت تأثيرها كثيرون، لكن رقعة السياسة حاصرتها واختزلت فنها.

ورغم محاولات متواضعة للحجل بين الفن والسياسة، ووضع أغنيات عاطفية بين الحين والآخر، بيد أنها كانت قد غرقت في التصنيف السياسي الطائفي، وتعمدت بمائه، حتى أصبح رصيدها مرهونا لدى فئة محددة، وفصيل سياسي بعينه، فبهت حضورها وتلاشت أمامه.

بمشاركة

رسوم

أحمد بيكا

إنفوجرافيك

محمود الطباخ

قصــة

كريم شفيق

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search