ثقافة وفن

جويدو مورسيلي.. روائي تنبأ بـ”أجواء كورونا” في السبعينيات

في أجواء ما بعد كارثة يستكشف الكاتب الإيطالي جويدو مورسيلي في روايته “التلاشي” Dissipatio H G الحدود الفاصلة بين العزلة الهانئة والوحدة الشديدة، في رواية تحكي عن “حدث”، قوى خفية محَت الشوارع بغير ضجة أو وداع.

عامل الناشرون روايته الأخيرة كسابقاتها: الرفض، وبعد ذلك بوقتٍ قليل في 1973 أطلق مورسيلي رصاصة على رأسه ومات تاركًا خلفه خطابات الرفض على مكتبه بجوار رسالة كتب فيها: “لا أحمل أي ضغينة”.. كانت لفتة تناسب إحدى شخصيات رواياته، تجرد مثير للسخرية يدحضه ألم واضح ودفين.

كان مورسيلي في الستين من عمره، أمضى عقدين في شبه عزلة تامة في مزرعة صغيرة بلومباردي، قرب الحدود الإيطالية السويسرية، قبل أن يعود إلى بيت والديه في فاريزي لينهي حياته.

اهتم بالزراعة، وصنع النبيذ وكتب كتبًا لم تحصل على فرص نشر جيدة.

جويدو مورسيلي

الوباء في الأدب 

رواية مورسيلي الأخيرة تحكي قصة حدث كارثي يختفي على إثره البشر فجأة تاركين رجلًا واحدًا فحسب، كشاهد وحيد على العالم.

قامت فردريكا راندال بترجمة الكتاب المعنون بـ”التلاشي” أو Dissipatio H G إلى الإنجليزية.

تبدأ القصة بمحاولة انتحار فاشلة، يعيش الراوي الوحيد، الذي لا اسم له، في مكان مُنعزل محاط بالحقول والجليد، وعشية عيد ميلاده الأربعين يمشي إلى كهف بنية إلقاء نفسه في بئر تؤدي إلى بحيرة سفلية، “لأن مساوئ العيش فاقت إيجابياته، أيعد هذا دافعًا مبتذلًا؟ لست متأكدًا”.

عندما جلس على حافة البئر لم يصبه اليأس قدر ما أصابه التشتُّت، ثمة خطبٌ ما، يغشاه الهدوء والصفاء وابتهاج شديد يمنعه من مواصلة الأمر، يحمل كشّاف إضاءة ينقره ويطفئه بينما “تتدلى قدماه في الظلام”، يرشف من البراندي، الذي أحضره معه، ويفكر أن النوع الإسباني أفضل من الفرنسي، وعلى الرغم من ذلك لا يحصل على التقدير الملائم.

قبل أن يغادر الكهف ارتطم رأسه بصخرة ليسمع جلجلة رعد، إنها أولى عواصف الموسم.

في بيته، حين استلقى على الفراش بكامل ملابسه ممتعضًا من تغيير الخطط في الدقيقة الأخيرة، فكر في حل أسهل والتقط مسدسًا، قرَّب “كحلاء العينين” (اسم لمسدسه) من فمه وضغط الزناد، مرتين، لم تنطلق الرصاصة فخلد إلى النوم.

في الصباح التالي رأى سيارة مقلوبة على الطريق فذهب إليها بنيّة المساعدة، واعتبرها بداية جديدة ربما، أو كما يقول “يعود إلى الحياة”، وحين بلغ جدولا فاضت مياهه عاد إلى المنزل بدلًا من محاولة اجتيازه، بعد أن شرب القهوة وغيّر ملابسه، سار إلى أقرب قرية ليبلغ الشرطة بالحادث، لكن مركز الشرطة كان خاليًا، وكذلك الجراجات والفنادق.

ما بدا لوهلة أنه إجازة وطنية أخذ منحى أكثر اضطرابًا، ينتقل الراوي من قرية إلى أخرى دون أن يلتقي شخصٍا واحد، يعثر على عدة سيارات ما زالت تعمل فيقود واحدة إلى أقرب مدينة وتُدعى “كرايسوبوليس”، على أمل أن يعثر على تفسير لهذا الاختفاء الجماعي الذي أغلقت المدينة معه واجهاتها الأنيقة.

مكتب الروائي الإيطالي جويدو مورسيلي

الأزمة بعيون شخصية واحدة

ولد مورسيلي في بولونيا عام 1912 ونشأ في أسرة ميسورة الحال في ميلان، كان والده مديرًا تنفيذيًا في شركة أدوية، وعضوًا بحزب موسوليني الفاشي.

في العاشرة من عمره أصيبت أمه بالإنفلونزا الإسبانية وماتت بعدها بعامين.

أمضى فترة نضجه الأولى مُكرهًا على استرضاء طموحات والده له بشأن عمله ثم خيّبها، درس القانون وبعد قضاء مدة في الجيش التحق لفترة قصيرة بوظيفة في شركة كيماويات.. بعد موت إحدى شقيقاته بدأ مورسيلي تسلم مصروف من والده وكرّس حياته للكتابة.

نشر كتابين ومقالا طويلا وحوارا فلسفيا، لكن قوبلت كل محاولاته لكتابة الأدب بالرفض.. في عام 1974 بعد انتحاره بفترة وجيزة، كشف الناشر المرموق “أديلفي إديزيوني” (مدير دار نشر في ميلانو) عن روايته “روما دون البابا” والتي كُتبت عام 1966، وهي قصة سريالية عن بابا خيالي يغادر الفاتيكان ليعيش على أطراف روما، حيث يلعب التنس ويتناول المهلوسات.

حصدت الرواية أراءً مُشجِّعة، ونُشرت المزيد من رواياته في السبعينات والثمانينات، لتترسخ مكانة مورسيلي بعد موته كواحد من أفضل كتاب إيطاليا ما بعد الحرب.

ظل مورسيلي يتقافز من لون أدبي إلى آخر حتى استقر إلى أدب ما بعد الكارثة، أدب “الأبوكاليبس”.. كانت النتائج مثيرة لكنها تباينت، نُشرت Divertimento 1889  في الثمانينات لكن أفضل روايات مورسيلي هي بعنوان “الشيوعي” والتي نشرتها NYRB (newyork review of books) في 2017، وهي سرد لرحلة الشيوعي الإيطالي “والتر فريانيني” الذي يحارب فرانكو في إسبانيا ثم يعيش فترة في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى إيطاليا وينضم إلى البرلمان.

رغم فرضية “التلاشي” الخيالية، فإنها تعد على الأغلب سيرة ذاتية لمورسيلي، الراوي العليم المُدرك لذاته حد العصبية، الصحفي السابق الذي ترك العالم خلفه ليكتب في عزلة هو بالضرورة الأنا الخاصة بمورسيلي.

يزعم الراوي أنه استلهم عنوان الرواية Dissipatio H G من نص قديم للفيلسوف السوري يامبليخوس، وهي تشير إلى إمكانية تبخر الناس ببساطة في الهواء.

يوضح الراوي أن يامبيخلوس كان أقل تنبؤًا بالكارثة من باقي الأنبياء.

يمشي الراوي في شوارع كريسوبوليس ويرى دجاجة تتبختر وحشدا من قطط يتزواجون على درجات بنك، يفكر: “لم ينبض العالم بهذا القدر من الحياة منذ انقرض جنس معين من ذوات القدمين”.

لم يحب الراوي المدينة قط، جلس على مقعد في القرية القريبة من خلوته، أرهف السمع إلى الأصوات التي تغلف الصمت العام، أنبوب صرف يقطر، وميض إشارة مرور.

ثمة إشارات بأن حدثا ما مذهلا قد وقع، ربما مع العاصفة التي هبت عندما كان الراوي في الكهف، لكنه سرعان ما تجاهل بحثه حول حقيقة ما حدث وراح يصف المناظر الطبيعية وتأملات إميل دوركايم وباسكال وهيجل وآخرين، قبل أن ينطلق باحثًا عن منجمين، مفترضًا أن وجوده في الكهف ربما حماه مما أطلق عليه “الحدث”.

لوحة للروائية ماري شيلي

كيف يمكن للبشر الاستفادة من “الحدث”؟

رغبة الراوي في التسلية تطغى على سعيه للفهم، ويمكن استشعار ذلك بسهولة، فأيًا ما تسبب في اختفاء البشر فإنه ما زال غامضًا.

لا أعوّل كثيرًا على العلوم، ولا الخيال العلمي، ولا أثق في سيناريوهات الإبادات الجماعية للأشعة القاتلة، أو أوبئة تنشرها في الأرض كائنات شريرة صغيرة من كوكب الزهرة، أو غبار نووي جراء سقوط قنبلة هيدروجينية بعيدة، لذا فهمتُ مباشرة أن “الحدث” لم تحفزه العوامل المألوفة.

عادة ما تميل القصص، التي تتناول قُرب فناء البشرية، إلى تهويل عملية التعفن، مصحوبة بعِبرٍ رنَّانة عن هشاشة الحضارة الإنسانية، وكيف يمكن للشعور المجتمعي أن يتحطم عندما يُصاب الناس باليأس.

رواية “الرجل الأخير” لماري شيلي، التي نُشرت عام 1826، وهي من أول روايات “الأبوكاليبس” (ما بعد الكارثة)، تروي كيف فشلت البشرية في مواجهة وباء عالمي، نتج عنه أزمة على شاكلة ما تحدث عنه الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز.. أزمة لم ينجُ منها سوى البطل الرئيسي.

يبدو مسار السرد الآن مألوفًا.. يتخلى مورسيلي عن دراما النزوح البشري، مختصرًا الفرضية الرئيسية في هذا اللون الأدبي إلى جوهرها وتوابعها، فبطله الرئيسي لا يقدّر العلاقات الاجتماعية كثيرًا، بل هو شخص منعزل يواظب على التباعد الاجتماعي منذ وقتٍ طويل، واقترب من فناء الذات.

وفقًا لرؤى الراوي ومورسيلي بشأن المجتمع المعاصر ومحاولاته لإزالة أي خلاف أرضي، يمكن للمرء أن يقرأ هذا الشكل من نهاية العالم كأمنية جماعية وقد تحققت، أحد الأسئلة التي يبدو أنها دارت في رأس مورسيلي هو: إلى أي حد كان البشر أحياء قبل ما حدث؟

يندهش الراوي، الذي لا يملك إلا التجول والمشاهدة، بشكل مفاجئ، مما خلّفه البشر وراءهم، أو على الأقل من إصراره العنيد على البقاء رغم غياب البشر. وبالرغم من تشخيصه الذاتي لنفسه بالرهاب الاجتماعي، فإنه يبدأ في الشعور بتعاطف شديد لزميله الإنسان، “انتظرتها أن تأتي وتصعقني”.. هكذا وصف أيًا ما كان تسبب في اختفاء البشر.

“اقض عليَّ، طالما كنتُ أرى دوري قادمًا لا محالة، لقد تمت إدانتي، فخلف جدراني غمر سائل الموت كل شيء وغطستُ فيه أيضًا، كجرس يغطس في قاع البحر، سينسل هذا السائل من الجدران بطبيعة الحال.. لم يكن قلقي محمومًا بل كان واعيًا وحاضرًا كما كنت أنا أيضًا حاضرا”.

الطبيعة تستعيد مكانتها في رواية مورسيلي وفي حياتنا المعاصرة

رحلة البحث عن معنى

لكن انفجار اليقظة يفسح مجالًا للكسل واليأس، يهمل الراوي نفسه فلا يحلق كثيرًا، ويترك حوض المطبخ مسدودًا، ولا يغير ملاءات الفراش، أصبح مولعًا بالحلوى فيقيم ولائم من الشيكولاته والمعجنات، ويترك يوميات بالكاد كان قد شرع في كتابتها.

فجأة حدثت ظاهرة غير مرئية أخلت شوارع المدن والقرى بلا جلبة أو تمهيد، تاركة البطل الرئيسي في متاهة وجودية، إن التشابه الواضح بين الحياة أثناء وباء كورونا وفي رواية dissipatio HG صارخ لدرجة أن بعض الفقرات تبدو نسخة من الواقع جرى تحويلها بشكل طفيف إلى عمل خيالي.

عادة ما يكون أدب “الأبوكاليبس” إما تنبؤًا بالكوارث أو تطمينًا على نحو مفارق. برزت كل مرحلة من مراحل الحجر الصحي في تلك الرواية القصيرة، من شعور الابتهاج الوجيز الذي تبع استعادة الطبيعة لمكانتها القديمة، إلى اندفاعنا المبهم لتدوين الملاحظات، وغياب جدوى التزيّن.

يميل مورسيلي إلى الإحباط مقاومًا الدراما كلما استطاع، وكان هذا الحس هو ما جعل صدى روايته الأخيرة رنانًا في أحداث بعينها وقعت العام الماضي.

إن نبرة عالم ما بعد الكارثة في الرواية لا تعبر عن يأس متواصل، بل عن تناقض سوداوي، فالرغبة زائلة والحالات العقلية عابرة لا يعول عليها:

“ما يعتبره الآخرون محيطا من السلبية هو رعب مطلق، بإمكاني أن أسبح فيه على متن قارب ورقي”.. يواصل الراوي: “قارب مصنوع من أفكار عادية وعامة وأحيانًا مثيرة للسخرية”.

في مطابقته بين كوكب اختفى سكانه وشخصية رئيسية ملَّت العالم، لا يبدو أن مورسيلي مهتمًا بفحص الصدمات الاجتماعية قدر اهتمامه باستكشاف الحدود الواهنة بين العزلة الهانئة والوحدة الشديدة.

ومع تطور الرواية تزداد شهادة الراوي عن بيئته اضطرابًا، فالعالم، الذي بدا للوهلة الأولى، شقة غادرها أصحابها في إجازة، أصبح مقبرة واسعة ومفتوحة.

يهلوس الراوي: صوت طبيب نفسي مات منذ زمنٍ بعيد يُدعى “كاربينسكي”، والذي عالجه ذات مرة من حالة عصبية، فيمضي باحثُا عن هذا الرجل، متعلقًا بالذكرى العاطفية الوحيدة التي تربطه بإنسان آخر، وفي الوقت الذي يشمله الخوف يقول:

“كأني أحمق علقت على نحو مأسواي في مادة سوداء باردة كذبابة تجمدت في الثلج، أين عساي أذهب؟ أين أختبئ؟ لكنني أعرف أنني لا أستطيع الذهاب إلى أي مكان، فالخوف ثابت ويُحدِّق بي”.

ورغم ذلك يعود الراوي في وقت ما إلى خلوته، وإذ يدخل المستودع يجد بقرة تمضغ نسخًا من إحدى كتبه، يثير مشهد كلماته: “سأستعيدها غدًا إن أستطعت حلبها، أصبح لأفكاري قيمة أخيرًا!”.. النبرة الساخرة من أبرز سمات كتب مورسيلي لكن بلمحة انفعالية على الدوام.

وحده من تمرّس الوحدة فنيًا وجسديًا وعاطفيًا، هو من يمكنه كتابة رواية بهذه الواقعية الشديدة عن كارثة العزل، نازعًا إلى بداياتها الماكرة وانقطاعها، ومزجها العجيب بين القلق والضجر، في النهاية كان لهذه التجربة ثمن.

مصدر: نيويوركر

كريم كيلاني

كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى