دراسات وتحليلات

جيوبوليتيك غاز شرق المتوسط: بين الفرص الاقتصادية ومخاطر الصراع الدولي

على مدى العقدين الماضيين، تركت سلسلة من اكتشافات الـ غاز الطبيعي الكبرى في شرق البحر المتوسط تأثيرًا عميقًا على العلاقات الدولية في المنطقة. والأهم من ذلك، تشير الأدلة الجيولوجية إلى أنَّ هذه الاكتشافات ليست سوى بداية طفرةٍ هيدروكربونية على مستوى المتوسط قد تُغيِّر بشكل كبير الجغرافيا السياسية للمنطقة.

لقد تشكَّلَ البحر المتوسط منذ قرابة 30 مليون عام، حين اصطدمت الصفيحة القارية الإفريقية بالصفيحة الأوراسية. وما تزال الصفيحتان تصطدمان، لهذا تتعرض المنطقة للنشاط الزلزالي والبركاني.

من الناحية الفنية، فالمتوسط هو خليج الأطلسي، ويربطهما مضيق جبل طارق البالغ عرضه ثمانية أميال. إنَّ للمضيق، بالإضافة إلى كونه ممرًا للشحن، وظيفةٌ أخرى هامة: إذ يسمح بتدفق مياه الأطلسي إلى البحر المتوسط.

حقول غاز مصرية في البحر المتوسط
حقول غاز مصرية في البحر المتوسط

يُسفِر التبخُر عن فقدان حوالي ستة أقدام من مياه البحر المتوسط سنويًا. لكن التدفقات الواردة من البحر الأسود والأنهار المحيطة بالمتوسط، إلى جانب الهطولات المطرية، تعوِّض حوالي قدمين من هذه المياه المفقودة. أمّا الباقي فتعوِّضهُ التدفقات الواردة من مياه الأطلسي. ولولا هذه التدفقات الواردة، لجَفَّ جل المتوسط في غضون ألف عام تقريبًا، وهي فترةٌ طويلة بالمعايير التاريخية البشرية، لكنها أقل من لحظة بمعيار الزمن الجيولوجي.

نتجَ عن التصادم المستمر بين الصفيحتين الإفريقية والأوراسية إغلاقُ مضيق جبل طارق من وقتٍ لآخر، ما أسفر عن دورةِ تفريغ وملء. ويُعتقَدُ أنَّ المتوسط قد جفَّ عشرات المرات عبر تاريخه، ليُملأ مجددًا حين تعود إليه مياه الأطلسي. وترجِعُ آخر مرة أُعيد فيها ملء البحر إلى قرابة خمسة ملايين عام.

تتوّلد عن هذه القوى التكتونية جيولوجيا معقدة على امتداد ثمانية أحواض فرعية مختلفة، تضم صخورًا رسوبية متحولة من الحجر الرملي والجيري والصخر الزيتي [سجّيل –المترجم] والصخور الكربونية الرسوبية وطبقاتٍ سميكة من البخار. وتخلق هذه مجتمعةً بيئةً مثالية لاستضافة مكامن النفط والغاز.

الهيدروكربونات في شرق المتوسط

بالرغم من أنَّ جميع البلدان الشمال أفريقية المحيطة بالشاطئ الجنوبي للمتوسط مُنتِجةٌ للهيدروكربون، إلّا أنَّ منطقة المتوسط لم يُستَكشف منها سوى القليل جدًا. وتتراوح تقديرات إمكانات المنطقة الهيدروكربونية بين احتياطياتٍ بحجم بحر الشمال إلى ما يصل الـ 50 مليون برميل من النفط، وما يزيد على 500 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. ويضاهي الرقم الأخير احتياطيات الولايات المتحدة القارية تقريبًا.

وإلى يومنا هذا، انحصرت الاكتشافات الكبرى في دلتا النيل وحوض شرق المتوسط. ويشمل الحوض على منطقةٍ واسعة شمال الدلتا وشرقها، إلى حدود الجزء الجنوبي من قبرص ويمتد إلى الشاطئ الشرقي للمتوسط. ووفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، تحوي هاتان المنطقتان -فقط- على احتياطيات غازٍ تُقدَّر بـ 345 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي وما يزيد عن مليارَي برميلٍ من النفط.

فتحَ اكتشافُ حقل نوا (1999) وحقل ماري-بي (2000) –كلاهما متواضع نسبيًا في الحجم– البابَ أمام سلسلةٍ من اكتشافات الغاز الكبرى:

حقل تمار وتمار جنوب غرب (إسرائيل/2009/11 تريليون قدم مكعب).
حقل ليفياثان (إسرائيل/2010/21.5 تريليون قدم مكعب).
حقل أفروديت (قبرص/2018/4.5 تريليون قدم مكعب).
حقل ظُهر (مصر/2015/30 تريليون قدم مكعب).
حقل كاليبسو (قبرص/2018/6-8 تريليون قدم مكعب).
حقل جلوكوز (قبرص/2019/ 5-8 تريليون قدم مكعب).

تحوي هذه الحقول الستة مجتمعةً على 80 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. وبالنظر إلى أنَّ حوض شرق المتوسط لم يجرِ بعد استكشافه بالكامل، وأنَّ هناك سبعة أحواض غيره في المتوسط لم تحظَ بعد باهتمام استكشافي يوازي حوض الشرق، فإنَّ رقم 500 تريليون قدم مكعب من الغاز قد يبدو شديد التحفظ.

عُثِرَ على الاكتشافات الإسرائيلية والقبرصية في نوعٍ من رواسب الحجر الرملي المنتشرة في أرجاء المتوسط. بينما الاكتشاف المصري كان في الصخور الكربونية المماثلة لتشكيلات الحيد البحري الكربوني المحتضنة للعديد من حقول النفط الليبية. كما تنتشر بكثرة في المتوسط رواسب متراصة من الحجر الجيري والصخر الزيتي، على غرار الصخر المصدري الذي طوَّرته اقتصاديًا شركات التكسير الأمريكية، والتي يمكن أن تكون مخزنًا محتملًا آخر للهيدروكربونات.

علاوة على ما سبق، يشير التحليل الكيميائي للغاز المُكتَشَف -في حوض شرق المتوسط على الأقل- إلى أنَّه من الممكن وجود مكامن أعمق لكل من الغاز الحيوي وغير الحيوي. لكن عمليًا، لم تجرِ أي عمليات حفر بحرية في منطقة المتوسط. وباختصار، قد تفوق الإمكانات الهيدروكربونية في عرض البحر حتى أكثر التقديرات تفاؤلًا.

جيوبوليتيك شرق المتوسط والغاز الطبيعي

فعليًا، لقد أحدث اكتشاف مكامن الغاز الكبرى في شرق المتوسط تأثيرًا جيوبوليتيكيًا واسع النطاق. وفي حال تواصلت هذه الاكتشافات، وتأكدت الإمكانات الهيدروكربونية للمنطقة، فستكون العواقب أكثر دراماتيكية.

حقل ليفياثان الإسرائيلي
حقل ليفياثان الإسرائيلي

لقد نقلَ اكتشاف حقلَي ليفياثان وتمار إسرائيلَ من مستوردٍ صافٍ للغاز إلى مُصدِّرٍ صافٍ له. وبالمثل، سيجعل حقل ظُهر -بعد تطويره بالكامل- مصرَ مُصدِّرًا صافيًا للغاز. كما أفضت اكتشافات حوض شرق المتوسط إلى علاقة عملٍ وثقة وانتعاشٍ ملحوظٍ في علاقات إسرائيل مع اليونان وقبرص. فمن الناحية التاريخية، وقفَت هاتان الدولتان في الغالب إلى جانب السلطة الفلسطينية وغالبًا ما كان لهما خلافات مع الحكومات الإسرائيلية.

بالنسبة لإسرائيل، فإنَّ تصدير الغاز إلى الجيران ومشاركتها المحتملة في التنقيب عن الغاز في أماكن أخرى من المتوسط قد يمنحها نفوذًا دبلوماسيًا كبيرًا، ويؤدي إلى تحسين علاقاتها مع العديد من جيرانها في المتوسط، فضلًا عن وصول الصادرات إلى الأسواق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

قد تنعش اكتشافات الغاز الكبرى في الأجزاء السورية واللبنانية من حوض شرق المتوسط هذه الدول الفاشلة، أو قد يؤدي احتمال تحقيق مكاسب هائلة من النفط والغاز إلى تحفيز العنف الطائفي هناك.

تمتلك مصر بعض القدرة على تصدير الغاز الطبيعي المُسال، وتقوم قبرص ببناء منشآت إضافية لتصدير الغاز الطبيعي المسال. لكن خطوط الأنابيب هي أرخص وأفضل وسيلة للربط مع البنية التحتية الحالية للغاز الطبيعي في أوروبا. وإذْ يستهلك الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 16.6 تريليون قدم مكعب من الغاز سنويًا، فإنَّه الوجهة المنطقية لصادرات الغاز الطبيعي في المنطقة.

في الوقت الحالي، يحصل الاتحاد الأوروبي على 40٪ من غازه من روسيا، و30٪ من مصادر محلية، و25٪ من النرويج/بحر الشمال. أمّا المتبقي فمن واردات الغاز الطبيعي المسال وشمال إفريقيا. ومع الانخفاض السريع في إنتاج كل من بحر الشمال والغاز المحلي، كانت روسيا مستعدة لزيادة حصتها في واردات الغاز الأوروبية.

في عام 2019، نظمت قبرص ومصر وفرنسا واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية منتدى غاز شرق المتوسط “EMGF”. وهذا المنتدى هو منظمة حكومية-دولية مقرها القاهرة مكلفة بزيادة صادرات الغاز الطبيعي من المنطقة. كما تأخذ المنظمة زمام المبادرة في صياغة توافقٍ بشأن أيُّ خطوطِ الأنابيب إلى أوروبا هي الأنسب لاحتياجاتها. من جهتهما، تحظى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بصفة مراقبٍ في المنتدى.

اتفاق-منتدى-غاز-شرق-المتوسط
اتفاق منتدى غاز شرق المتوسط

كان لإيطاليا دورٌ مهم، لكنه غير مباشر بشكلٍ عام، في تطوير احتياطي الغاز في المتوسط. فـ “إيني”، شركة الطاقة الإيطالية الحكومية، هي مُشغِّل حقل “ظُهر” المصري. ومن المرجح أن تتدفق معظم صادرات غاز المتوسط عبر إيطاليا لترتبط مع بقية شبكة الغاز في أوروبا. شاركت إيطاليا أيضًا على نطاق واسع في التنقيب عن الهيدروكربونات في شمال إفريقيا، لا سيما قبالة الشواطئ الليبية –منطقةٌ تعرفها شركة إيني جيدًا وبالكاد قد مُسَّت إمكاناتها الهيدروكربونية.

موقع تركيا من غاز شرق المتوسط

يبرز في منتدى غاز شرق المتوسط غيابُ دولتين، قد تتأثرا بشدة نتيجة تطوير غاز المتوسط هما تركيا وروسيا.

لقد تضاعف استهلاك تركيا من الغاز ثلاث مرات خلال العقدين الماضيين ولم يزل. لكن مصادرها المحلية لا تؤمِّن سوى 1٪ تقريبًا من احتياجاتها. في حين يأتي نصف غازها تقريبًا من روسيا، و18٪ من إيران، و11٪ من أذربيجان، والباقي من مصادر مختلفة.

من السهل نسبيًا زيادة حجم واردات أنقرة من الغاز الروسي، لكنها تخشى أيضًا من تزايد اعتمادها على موسكو لتلبية احتياجاتها الطاقية. ثمَّة احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي في آسيا الوسطى وإيران والعراق، لكن الاستفادة منها يتطلب على الأرجح خطوط أنابيب إضافية. ويمثّل طريق (بحر قزوين–أذربيجان–جورجيا) الطريق الأكثر موثوقية من الناحية السياسية، لكنه يتطلب عبور التضاريس الشديدة الوعورة.

علاوة على ذلك، ترى تركيا أن بوسعها اكتساب نفوذ دبلوماسي واقتصادي كبير عبر القيام بدور مركزٍ رئيسي للطاقة “energy hub” بين أوروبا وروسيا وآسيا الوسطى. إذ ثمَّة أكثر من ستة خطوط أنابيب تنقل الغاز من روسيا وآسيا الوسطى إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا.

لقد اقترحت أنقرة إنشاء خط أنابيب (إسرائيلي–تركي) لنقل الغاز من حوض شرق المتوسط إلى تركيا. وبالنظر لطلبها المتزايد على الطاقة وقربها، تعد تركيا سوقًا منطقيًا لغاز شرق المتوسط. لكن لم تؤيد الفكرة أيٌّ من إسرائيل أو مصر أو قبرص، وهي ثلاث دول تُقيم معها أنقرة علاقات دبلوماسية إشكالية. وبدلًا من ذلك، اقترحوا خط أنابيب إيست-ميد “East-Med” لإيصال الغاز إلى اليونان وربطه هناك بإيطاليا وبقية شبكة الغاز الأوروبية عبر خطِ أنابيب ترانس–أدرياتيك “Trans-Adriatic Pipeline”.

لقد أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوجان عن قلقه من أنّه في حال تدفقت كميات كبيرة من غاز المتوسط إلى أوروبا، فقد يُهمَّش دور تركيا كمركز رئيسي للطاقة. لهذا أصرَّ على أنَّه سيكون من المستحيل تطوير احتياطيات غاز شرق المتوسط تطويرًا كاملًا دون المشاركة التركية.

فتركيا ليست من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار؛ لذا لا تعترفُ بالمناطق الاقتصادية الخالصة للدول البحرية حسبما حددتها هذه الاتفاقية. علاوة على هذا، لا تعترف أنقرة بشرعية جمهورية قبرص أو مطالباتها بالمياه الإقليمية المحيطة بها. بالإضافة إلى ذلك، تعتقد الحكومة التركية أن الجزر، مثل الجزر اليونانية في بحر إيجه، لا ينبغي أن توسمَ مناطقَ اقتصادية خالصة، وأن مُطالبات الدول البحرية الأكبر يجب أن تكون لها الأسبقية على مطالبات الجزر الصغيرة.

فضلًا عمّا سبق، فقد طرحت أنقرة في السنوات الأخيرة مفهوم الوطن الأزرق (Mavi Vatan) مرارًا وتكرارًا. هذا المصطلح هو اختصارٌ لادعاء أنقرة بأن معاهدة سيفر لعام 1920، والتي أنهت القتال بين الإمبراطورية العثمانية وقوات الحلفاء، قد جردت تركيا بصورة غير مشروعة من العديد من جزرها التاريخية وممتلكاتها البحرية في بحر إيجه وشرق المتوسط. ستُقيّض استعادة تلك الممتلكات وضع 178 ألف ميل مربع إضافي من البحر المتوسط تحت السيطرة التركية.

لقد انتهجت تركيا سياسةً خارجية عدائية في شرق المتوسط. وأرسلت سفنَ حفرٍ برفقة سفن بحرية تركية إلى مياهٍ تطالب بها قبرص، وأرسلتها في إحدى المرات للتنقيب في بلوكات كانت الحكومة القبرصية قد أجَّرَتها بالفعل لشركات النفط الأجنبية.

وفي نوفمبر 2019، توصلت إلى اتفاقٍ مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، المتمركزة في طرابلس، ستزود بموجبه هذه الحكومة بالجنود والأسلحة مقابل فرص الاستثمار في قطاع النفط الليبي. كجزء من هذا الاتفاق، اتفقت أنقرة وحكومة الوفاق الوطني على ترسيم المياه الإقليمية بين البلدين على خطٍ قُطري يمتد من درنة إلى الحدود المصرية في شرق ليبيا، ثم إلى الركن الجنوبي الغربي للأناضول من مرماريس إلى أنطاليا بين ليبيا وتركيا. لكن هذه المنطقة تخترق المنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان حسبما نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

من جهتها، أدانت عشرات الدول المتوسطية الاتفاق، كذا أدانته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. بينما رفض البرلمان الليبي في طرابلس المصادقة عليه. وفي 27 يناير 2021، أبطلت محكمة استئناف البيضاء اتفاق حكومة الوفاق الوطني بشأن المناطق البحرية. بيد أنَّ الحكومة التركية واصلت الإصرار على أن الاتفاقية ترسيمٌ صحيح للمياه المسيطَر عليها تركيًا.

 السفينة التركية Oruc Reis المخصصة لأبحاث المعادن والاستكشاف، والتي رست في ميناء حيدر باشا، في 23 أغسطس 2019.
السفينة التركية Oruc Reis المخصصة لأبحاث المعادن والاستكشاف، والتي رست في ميناء حيدر باشا، في 23 أغسطس 2019.

لقد أدت عدوانية تركيا تجاه جيرانها في البحر المتوسط إلى تدهور علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، لا سيما مع فرنسا، وتُهَدِّد بمزيد من العزلة الدبلوماسية لأنقرة.

لا ريب في أن تطوير حقول الغاز في حوض شرق المتوسط سيكون أسهل بالتعاون التركي. لكن إسرائيل وقبرص ومصر تمانع محاولة تركيا التعامل لوحدها مع تطوير تلك الحقول. فقد ألمحت تركيا إلى أنها ستمنع مد خط أنابيب إيست-ميد، وقد ترسل قوات عسكرية للقيام بذلك. لكن المواجهة لن تؤدي إلا إلى مزيد من عزلها ومن المحتمل أن تفضي إلى مواجهة مع الاتحاد الأوروبي، وربما مع الولايات المتحدة.

روسيا و”أمن إمدادات الطاقة”

حتى الآن، اضطلعت روسيا بدورٍ ثانوي في تطوير حقول الغاز في حوض شرق المتوسط. وقد عرضت شركات الطاقة الحكومية الروسية المساعدة في تمويل تطوير حقول الغاز القبرصية، لكنها بخلاف ذلك لم تضطلع بدورٍ واضح.

بالرغم من أهمية اكتشافات الغاز في البحر المتوسط، فإنها تتضاءل أمام استهلاك الغاز في الاتحاد الأوروبي والصادرات الروسية. إذْ يستهلك الاتحاد الأوروبي حوالي 16 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا، يأتي حوالي 40٪ منها من روسيا. هكذا، تمثل حقول الغاز في حوض شرق المتوسط إمدادًا لمدة خمس سنوات للاتحاد الأوروبي وإمدادًا لمدة 12 عامًا من الواردات الروسية.

اقرأ أيضًا: توترات أوروبا–تركيا في “شرق المتوسط”.. مسارات الحل المحتملة

ترى روسيا بأن وارداتها من الغاز إلى الاتحاد الأوروبي سترتفع مع تراجع إنتاج حقول بحر الشمال وإنتاج الغاز من الحقول البرية في أوروبا. لكن يتمثل التحدي الرئيسي للخطط الروسية في أنْ تنمو صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، سواء من الولايات المتحدة أو الخليج العربي، أو حدوث زيادة كبرى في غاز حوض المتوسط. وإذا كان للأحواض الرسوبية الأخرى في البحر المتوسط جيولوجيا مماثلة لحوض شرق المتوسط، فستكون المنطقة على أعتاب طفرة غاز طبيعي طويلة الأمد.

وقد أعرب الاتحاد الأوروبي عن مخاوفه في سياسته بشأن “أمن إمدادات الطاقة”، حيث يُنوِّع مصادر الطاقة لئلا يصبح مُعتمدًا على الغاز الروسي. بذا، ستحد هذه السياسة من نمو صادرات الغاز الروسية ومن المحتمل أيضًا أن تضع حدًا للتسعير، بصرف النظر عمّا يحدث مع طفرة غاز المتوسط.

اصطفافات وتحالفات جديدة

من جهةٍ أخرى، ثمَّة قضايا سياسية يجب التغلب عليها. فمعظم الشريط الجنوبي للبحر المتوسط غير مستقرة سياسيًا. فما تزال ليبيا في حالة حرب أهلية. ويمكن أن تنزلق تونس والجزائر إلى واحدة أيضًا. كما لم تُرَسَّم العديد من الحدود البحرية بالكامل، لا سيما المياه حول ليبيا وأجزاء من ساحل البلقان في البحر الأدرياتيكي.

بينما تفرض فرنسا وإسبانيا حاليًا حظرًا على تطوير الهيدروكربونات البحرية في البحر المتوسط، وإنْ كانت احتمالية العثور على مكامن غازٍ كبرى قد تؤدي إلى إبطال ذلك. ومن المحتمل أن تؤدي سياسة تركيا الخارجية والطاقية في شرق المتوسط إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وقد تؤدي إلى مواجهة مع واحد أو أكثر من جيرانها البحريين.

الورقتان الأساسيتان الأخريان في المنطقة هما الولايات المتحدة والصين، وكلاهما أدى دورًا ثانويًا حتى الآن. في ظل إدارة ترامب، دفعت الولايات المتحدة الاتحاد الأوروبي لأخذ الغاز الطبيعي المسال الأمريكي بدلاً من الروسي. وبالنظر لسياستها المناخية، فمن غير المرجح أن تدفع إدارة بايدن بشدة صادرات الغاز الطبيعي المسال. لقد دعمت الولايات المتحدة تطوير الموارد الهيدروكربونية في شرق المتوسط، معتبرة ذلك وسيلة لتعزيز مكانة كل من إسرائيل ومصر اقتصاديًا، وهما حليفان أمريكيان مهمان في المنطقة، وإنْ كان غاز المتوسط سينافس صادرات الغاز الأمريكية.

لم تشارك الصين مباشرةً في تطوير موارد غاز المتوسط. إنَّ احتياطيات الغاز في آسيا الوسطى والشرق الأوسط أقرب إلى الصين وسهلة الوصول والنقل. ومن خلال مبادرة الحزام والطريق، استثمرت الشركات الحكومية الصينية بكثافة في مشاريع البنية التحتية في منطقة البحر المتوسط. وتشمل هذه المشاريع مجموعة واسعة من الاستثمارات في مرافق الموانئ والمواقع الصناعية في جميع أنحاء المتوسط.

على وجه الخصوص، حصلَت مجموعة شنجهاي إنترناشونال بورت “Shanghai International Port Group” على عقدٍ مدته 25 عامًا لإدارة ميناء حيفا، بينما تبني شركة “تشاينا هاربور إنجينيرينج” “China Harbour Engineering” محطةً مينائية جديدة في إسدود [في الأراضي المحتلة –المترجم]. كذلك استحوذت شركة كوسكو “COSCO” الصينية للشحن البحري على حصة 51٪ في شركة نواتوم بورت هولدينج “Noatum Port Holdings” المالكة بدورها، من بين أمور أخرى، لمحطات الحاويات في بلباو وفالنسيا بإسبانيا. كما استحوذت على 67٪ من الحصص في ميناء بيريوس اليوناني، واستثمرت، جنبًا إلى جنب مع شركة تشينجداو بورت إنترناشونال “Qingdao Port International”، في محطة حاويات فادو ليغور في إيطاليا. بينما استحوذت شركو أورآسيا أوشِن جَيت “Euro-Asia Oceangate” على حصة 64.5٪ في محطة كومبورت في أمبارلي، عند مصب مضيق البوسفور على البحر الأسود. وتمثل هذه الاستثمارات مجتمعة إنفاقًا يقارب ثلاث مليارات يورو.

من المرجح أن ينتقل غاز المتوسط إلى الأسواق الأوروبية عبر خطوط الأنابيب، لكن تطوير موارد الغاز على مستوى البحر المتوسط في المنطقة سيكون بمثابة ازدهار لمنشآت الموانئ والمواقع الصناعية. وتتراوح تكلفة تطوير ستة حقول غاز رئيسية في حوض شرق المتوسط بين 20 و25 مليار دولار. يمكن أن يؤدي ازدهار الغاز على مستوى البحر المتوسط إلى ما يزيد عن 100 مليار دولار من الاستثمارات الجديدة ذات الصلة بالطاقة في المنطقة.

اقرأ أيضًا: قصة صراع شرق المتوسط: من تصعيد تركيا إلى تكتيكات التهدئة

إنَّ طفرة الغاز في البحر المتوسط حقيقية. لكن ما لم يتضح بعد هو ما إذا ستكون الأحواض الرسوبية الأخرى في المنطقة بغزارة الإنتاج ذاتها لحوض شرق المتوسط. لو صحَّ هذا، يمكن أن يغدو البحر المتوسط موردًا رئيسيًا للغاز الطبيعي إلى أوروبا على حساب صادرات الغاز الروسية، وبدرجة أقل، على حساب خطط أمريكا لتصدير الغاز الطبيعي المسال.

من شأن هذا التطوير أن يغدق على بلدان البحر المتوسط الأصغر مثل قبرص ومالطا وألبانيا وكرواتيا مكاسب هائلة. كما يمكن أن يسهِّل إعادة بناء الدول الفاشلة مثل لبنان وسوريا. كما سيؤدي إلى اصطفافات وتحالفات جديدة، لكن من المحتمل أيضًا أن يؤدي إلى نشوب صراع بين تلك البلدان المحظوظة بامتلاك حصة في ثروة الغاز وتلك المحرومة منها.

على هذا النحو، فالثروات الهيدروكربونية سيف ذو حدين يمكن أن يخلق المزيد من الصراع الاجتماعي في الدول ذات الحكم الضعيف، وخاصةً تلك الواقعة على طول طوق منطقة شمال إفريقيا.

من جهتها، تُشكل تركيا تحديًا خاصًا. إذْ في حالة أنقرة، حثَّ اكتشاف الغاز على تزايد سياسةٍ خارجية انتقامية كانت قائمة بالفعل، وقد تؤدي إلى موقف تصادمي أكبر بينها وبين وجيرانها البحريين.

وخلاصة القول، ستخلق طفرة غاز المتوسط العديد من الفرص الاقتصادية، بيد أنَّها ستخلق أيضًا مخاطر جديدة تطال استقرار المنطقة.

  • مقال (مُترجَم) كتبه: “جوزيف ف. ميكالِف”، كاتب وخبير في الشئون العسكرية والدولية لشبكة “سي إن إن” و”فوكس نيوز”.
المصدر: (اضغط هنا)

علاء بريك

كاتب ومترجم سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى