جيوش الظل

كيف يشن الغرب حربًا ويُبقي جنوده في الوطن؟!

في الفترة التي تسبق الانتخابات الأمريكية التي ستجري في نوفمبر المقبل، ستكون إحدى الدعايات الفرعية لحملة “ترامب” الانتخابية هي نجاحه المزعوم في “إعادة أبنائنا إلى الوطن”. بالفعل سوف تكون هناك عملية انسحاب ضرورية للقوات الأمريكية من أفغانستان، بالإضافة إلى عمليات انسحاب أكثر تواضعًا في العراق، على الرغم من أن ذلك سيؤدي -في النهاية- إلى تخفيض عدد القوات من 5200 إلى 3500 عنصر.

ستتضمن بعض التغييرات في الانسحاب من العراق عمليات لإعادة انتشار القوات في دول مجاورة، لكن الانسحاب من أفغانستان سيؤدي بالتأكيد إلى تخفيض عام في عدد القوات، رغم قلة البيانات المتاحة حول الآلاف من أفراد الأمن الخاص الذين يعملون هناك بموجب عقود حكومية مختلفة.

ترامب

ورغم أن هذه الدعايات لن تَلقى اهتمامًا كثيرًا في الأسابيع المحتدمة والصاخبة السابقة على الانتخابات؛ فإن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد أصدر تقريرًا مهمًّا بالتزامن مع حديث “ترامب” عن النجاح في استعادة القوات.

وبحسب التقرير الذي نشرته صحيفة Military Times، قال رئيس مكتب مكافحة الإرهاب بالأمم المتحدة “فلاديمير فورونكوف”، لمجلس الأمن، إن هناك أكثر من 10000 مقاتل من عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي لا يزالون نشطين في سوريا والعراق “على هيئة خلايا صغيرة ناشطة بين الدول”، مع وجود عناصر أخرى في منطقة الساحل الإفريقي.

ربما ساعدت القيود المفروضة على التنقل في بعض أراضي سوريا والعراق بسبب جائحة “كوفيد 19” في الحد من تهديدات تنظيم “داعش”، ومع ذلك يقول “فلاديمير فورونكوف” أيضًا: هناك توجه لمواصلة الهجمات بواسطة الأفراد الملهمين من التنظيم عبر الإنترنت، الذين يعملون من تلقاء أنفسهم أو من خلال مجموعات صغيرة، ويُمكن أن تُغذّيهم جهود البروباجندا الانتهازية التي يقوم بها تنظيم “داعش” خلال أزمة “كوفيد 19”.

وأضاف أن تنظيم “داعش” الإرهابي وجماعات أخرى تسعى إلى “تصدير اضطرابات بعيدة المدى والآثار السلبية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للجائحة”.

عناصر تنظيم داعش

وبالإضافة إلى العراق وسوريا، وسّع تنظيم “داعش” الإرهابي شبكة أنصاره عبر منطقة الساحل الإفريقي، إذ يبلغ عددها الآن نحو 3500 عنصر، خاصة في منطقة الحدود الثلاثية المشتركة بين بوركينافاسو ومالي والنيجر، كما تمتد أنشطتها إلى الجنوب الإفريقي، إذ أشار “فورونكوف” إلى “الهجمات المقلقة التي تشنها ولاية وسط إفريقيا التابعة للتنظيم الإرهابي على الكونغو وموزمبيق، بما في ذلك المداهمات الكبيرة والاستيلاء على القرى لفترات وجيزة”.

حروب الظل

للوهلة الأولى، ليس من المنطقي سياسيًّا، من وجهة النظر الأمنية الغربية، أن يتم سحب القوات الأمريكية بينما ينهض “داعش” وغيره من الجماعات العسكرية المتطرفة من جديد، ورغم ذلك، فإن ما يتم تجاهله هنا هو أن ما يسمى بالحرب على الإرهاب قد تحولت تدريجيًّا على مدى العقدين الماضيين من مكافحة حالة التمرد المفتوح لعشرات الآلاف من القوات في العراق وأفغانستان وغيرهما من الدول إلى سلسلة من حروب الظل، ونادرًا ما يتم الحديث عن هذه الحروب، كما أنها لا تخضع أبدًا للشفافية السياسية أو المساءلة البرلمانية، فحتى هذه اللحظة لا يزال أعضاء البرلمان يطرحون أسئلة حول دور القوات الجوية الخاصة “SAS”، في المملكة المتحدة، فلا يحصلون إلا على إجابات مقتضبة.

جنود أمريكيين في أفغانستان

ومن قبيل المصادفة، سلّط تقرير نشرته مؤخرًا المجموعة الاستقصائية Declassified UK الضوء على مثال واحد لطريقة عمل تلك الحروب، بالعودة إلى شهر أغسطس من عام 1998، بينما كان تنظيم “القاعدة” يطور قدراته، تعرضت البعثات الدبلوماسية الأمريكية في كلٍ من كينيا وتنزانيا لهجمات كان لها أثر مدمر، ففي العاصمة الكينية (نيروبي) تم تفجير السفارة الأمريكية ما أدى إلى انهيار برج مجاور للسفارة يضم مدرسة لتعليم اللغات، فيما قتل في التفجير أكثر من مائة كيني.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، كانت هذه دعوة للتنبُّه أصبحت أكثر إلحاحًا بسبب عدم الاستقرار في الصومال المجاور، وشهدت السنوات التالية صعود حركة الشباب التي بايعت تنظيم “داعش” عام 2012.

كانت إحدى الاستجابات الأمريكية الرئيسية هي تدشين مشروع كبير لوكالة الاستخبارات المركزية على مدى سنوات لمساعدة الحكومة الكينية على تأسيس قوات سرية لمكافحة التمرد. وهي ما صارت تعرف بفرقة الاستجابة السريعة التابعة للشرطة الكينية، والتي تأسست في عام 2004، وكانت إحدى مهامها الرئيسية هي مساعدة الولايات المتحدة على “تسليم” المشتبه بهم من التكفيريين.

في تلك الفترة، كانت السياسة الخارجية الكينية تقوم على مبدأ الحفاظ على موقف الحياد في النزاعات الإقليمية، ولكن قلق وكالة الاستخبارات المركزية كان يكمن في عدم الاستقرار المحتمل الذي ربما يسببه متطرفون داخل البلاد.

وبحسب المجموعة الاستقصائية Declassified UK، فإن جهاز الاستخبارات الوطني الكيني، بصلاته الوثيقة مع جهاز الاستخبارات البريطاني MI6، كان حريصًا على تطوير التعاون في مجال مكافحة الإرهاب: “كانت الفرقة التي أصبحت فيما بعد تعرف بفرقة الاستجابة السريعة، (RRT)، إحدى ثمرات هذا التعاون، وكان جزء أساسي من البرنامج السري لوكالة الاستخبارات المركزية هو تدريب وإدارة القوات المحلية شبه العسكرية في العديد من نقاط الصراع حول العالم، من أفغانستان إلى جورجيا، وقد بدأت تلك الفرقة بـ18 ضابطًا فقط، أطلق عليهم اسم “الفرقة 18″، تم اختيارهم من قبل الشرطة والاستخبارات الكينية لتلقي تدريب نخبوي في الولايات المتحدة الأمريكية”.

رسميًّا، تعتبر فرقة الاستجابة السريعة جزءًا من دائرة قوات الشرطة شبه العسكرية في كينيا، وإن كانت مستقلة إلى حد كبير، ومن وحدة الخدمات العامة، ولها قاعدة في مدينة رويرو، على بعد 20 كم شمال شرق العاصمة نيروبي، كما تربطها صلات وثيقة بوكالة الاستخبارات المركزية على نحو ملحوظ: “لقد تدرب العديد من أفرادها في الولايات المتحدة، في الأكاديمية البحرية في أنابوليس وربما في منشآت تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، وفي معسكر “المزرعة”، التابع لوزارة الدفاع في كامب بيري بالقرب من ويليامزبرغ.

عناصر فرقة RTT الكينية

ومنذ إنشائها، أصبحت فرقة الاستجابة السريعة RRT حلقة وصل رئيسية في العمليات الأمنية الأمريكية في شرق إفريقيا، وبعد أن تجاوزت مهامها المبكرة في جمع المعلومات الاستخباراتية وتسليم المشتبه بهم، تقوم الفرقة الآن بتنفيذ مجموعة أكبر من المهام، معظمها مهمات سرية.

ما يهمنا -إذن- في السياق الأوسع من التصريحات عن انسحاب القوات الأمريكية، والذي يتفاخر به “ترامب” كثيرًا، هو أنها تتحدث عن عنصر واحد فقط في الوجه المتغير للحرب، إذا ما أضفنا طائرات الدرونز المسلحة، والقوات الخاصة، والمنظمات العسكرية المخصخصة، والميليشيات المحلية، وغيرها من عناصر الحرب.

لذلك، سواء تساءلنا عما إذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها سوف يتخلّون بحماقة عن حذرهم عن طريق سحب قواتهم النظامية من أفغانستان والعراق وأماكن أخرى أم لا، بإمكاننا أن نتأكد من أن الحروب ستستمر، سواء في تلك البلدان (في كينيا، وبوركينافاسو، ونيجيريا)، أو في أماكن أخرى، وكل ما في الأمر أننا لسنا بحاجة حقًّا إلى معرفة الكيفية التي تنفذ بها الحكومة ذلك، ويجب علينا بدلًا من ذلك أن نكون مقتنعين بأن حكوماتنا تحافظ على سلامتنا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search