زوايامختارات

حائرةً بين العدو القريب والبعيد.. لماذا اتخذت “هيئة تحرير الشام” من المحلية مساراً؟

هيئة تحرير الشام، تُقدِّم نفسها اليوم على أنها مجموعة محلية مستقلة تمامًا عن تنظيم القاعدة، ولا يوجد لديها أي أجندة خارج سوريا…

بهذا التصريح خرج “محمد الجولاني” زعيم هيئة تحرير الشام في فبراير 2020، مُحاولاً تقديم صورة جديدة لتنظيمه، الذي كان حائراً بين مواجهة العدو القريب والعدو البعيد، باعتباره امتداداً لتنظيم القاعدة.

سارع الجولاني لتسويق هذه الصورة الجديدة علّه يستطيع البقاء والصمود في بيئة دولية وإقليمية ومحلية، اتفقت بعض عناصرها على مواجهته ضمن التنظيمات الأخرى، والبعض الآخر سعى إلى توظيفها لصالحه، إمّا سراً أو علانيةً.

الكاتبة “سيلفيا كارينزي” عبر دراستها المُعنونة بـ“تحول تنازلي؟ دراسة حالة هيئة تحرير الشام” المنشورة في دورية Perspectives on Terrorism قدمت لنا رؤية تفسيرية تعمقت خلالها بمسار الهيئة ومثيلاتها من التنظيمات الإرهابية، لتوضح طبيعة المحددات التي تدفع تلك التنظيمات لتبني استراتيجية اندماجية جديدة، كما هو حال هيئة تحرير الشام.

بين العالمية والمحلية

لم يعد لجوء التنظيمات الإرهابية إلى العالمية خياراً افتراضياً أو مساراً طبيعياً لحركة هذه الجماعات، بل على العكس، فالعنف السياسي العابر للحدود، اتجاه حديث نسبي، لم يظهر إلا في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، حيث دارت النقاشات داخل التنظيمات الإرهابية حول ما إذا كان ينبغي إعطاء الأولوية للعدو القريب أم العدو البعيد.

ظهرت بدايات هذا النقاش بكتاب “الفريضة الغائبة” لمحمد عبد السلام فرج، الإرهابي المصري المتهم باغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، والذي دعا من خلاله لإعطاء الأولوية للعدو القريب على نظيره البعيد، وكان القريب وقت دعوته إسرائيل وليس الولايات المتحدة أو الدول الغربية على حد تنظيره.

نالت الدعوة تأييد التنظيمات الإرهابية (الجهادية) منذ منتصف السبعينيات إلى أواخر التسعينيات، حتى ظهرت دعوات مضادة من قبل شريحة صغيرة من الإرهابيين، بقيادة أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، وخليفته أيمن الظواهري، اللذين دعيا لاتباع استراتيجية الاستهداف الدولي أو “العدو البعيد”، أي الولايات المتحدة، فطبقًا لهما، يجب إسقاط أمريكا أولاً، حتى يمكن إسقاط الحكومات بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فهي دُمى بيد أمريكا والدول الغربية.

تباينت ردود الفعل بشأن الاستهداف الدولي، ليس فقط داخل مجتمع الجهاديين الأوسع، ولكن حتى داخل تنظيم القاعدة نفسه، حيث رفضت قيادة تنظيم طالبان، التي تستضيف القاعدة في أفغانستان، توسيع نطاق عملياتها خشية التداعيات التي تجعل الحركة عُرضة للهجمات الدولية.

استمرت النقاشات على هذه الحال، حتى العقد الأول من القرن الـ21، حينما ظهرت عملية “تهجين أيديولوجي” بالمشهد الجهادي، لجأت خلالها التنظيمات الإرهابية لاستراتيجيات مختلطة تجمع بين العالمية والمحلية.

أثارت هذه العملية تساؤلاً رئيسياً بشأن العوامل أو المحددات التي تدفع التنظيمات الإرهابية لتبني استراتيجيات عالمية أو محلية.

محمد الجولاني زعيم هيئة تحرير الشام

الأيديولوجيا وحدها لا تكفي

ظهرت العديد من المؤلفات التي تناولت استراتيجيات الجماعات الإرهابية ومحدداتها، لكن معظمها دار حول الأيديولوجيا ودورها في تشكيل رؤية التنظيمات الإرهابية للعالم ولأعدائها.

مع ذلك، فالواقع يشير إلى أن الأيديولوجيا لا تكفي وحدها لتفسير خيارات الجماعات المسلحة، فحتى داخل الجماعة الواحدة التي تتبنى نفس الأيديولوجية، هناك اختلافات بشأن توجهات الجماعة نحو الاستهداف العالمي أو المحلي.

غالباً ما يتوقف اتجاه جماعة أو تنظيم معين نحو تبني استراتيجية عالمية، على قدراتها ورغبتها في الحفاظ على القاعدة المؤيدة لها، وكذلك السياق أو البيئة الأمنية التي تعمل بها. وعادةً ما تمر عملية التحول نحو العالمية بـ5 مراحل وهي:

  1. التنسيق: تعاون الجماعة أو التنظيم مع التنظيمات المختلفة في محيطها الجغرافي.
  2. الاتصال بالوكلاء: اتصال الجماعة أو التنظيم بكيانات أو فاعلين لم ترتبط معهم بعلاقات سابقة وذلك عبر وكلاء أو سماسرة.
  3. التنظير: عبر تجريد التنظيم لأفكاره ومبادئه، بحيث تصبح عامة يمكن تطبيقها على أي سياق أو واقع.
  4. تغيير المطالب: تمثل ذلك في المطالب التي ينادي بها التنظيم بجانب التحول في الأهداف.
  5. تغيير الحجم: يأتي نتيجة للخطوات السابقة، حيث يصبح التنظيم أكثر اتساعاً وامتداداً.

ومن أبرز الأمثلة على عملية التحول نحو العالمية هذه، حالة تنظيم القاعدة في التسعينيات، فبعدما انتهت مهام التنظيم في مواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، سعى التنظيم لاستهداف العدو البعيد، واختار اسمه تحت هذا التوجه ليكون “الجبهة العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين”، ونفذ بالفعل العديد من العمليات الإرهابية الدولية مثل تفجيرات دار السلام بتنزانيا، ونيروبي بكينيا، ما أدى لاستهدافه من قبل الولايات المتحدة، التي مارست ضغوطاً على الدول العربية لقمع فروع التنظيم وإلقاء القبض على عناصره، الأمر الذي دفع التنظيم لاستهداف تلك الدول بالتنسيق مع التنظيمات المختلفة، سواء في محيطه أو التي لم تربطه بها علاقات سابقة.

صاحب هذا الأمر حملة لتجريد الأفكار، بحيث تكون عامة يمكن تطبيقها على مختلف الدول ليس فقط الولايات المتحدة أو إسرائيل، مع تغيير في الأهداف نحو العدو البعيد، وتغيير بالحجم، حيث ازداد التنظيم قوة وتفرَّع في العديد من الدول.

هيئة تحرير الشام

لماذا تبنت هيئة تحرير الشام استراتيجية محلية؟

على عكس الاستراتيجية العالمية التي تبناها تنظيم القاعدة، اتجهت بعض التنظيمات الإرهابية لاستراتيجية محلية، ركزت على توسيع نفوذها بالمناطق الخاضعة لسيطرتها، وتكوين قاعدة مؤيدة لها، حتى وصل بها الحال إلى تقديم خدمات محلية بمناطقها، وكأنها دولة داخل الدولة.

منْ بين هذه التنظيمات، كانت هيئة تحرير الشام، أحد أبرز التنظيمات ذات التوجه المحلي، ظهرت الجماعة كفرع لتنظيم القاعدة في سوريا عام 2011، تحت اسم جبهة النصرة لأهل الشام، وتبنت منذ البداية، استراتيجية محلية حددت أبرز ملامحها بأول ظهور إعلامي لها في يناير 2012، حينما أعلنت عن أهدافها المتمثلة في القتال ضد نظام الرئيس بشار الأسد، وتجنبت الحديث عن أي دولة أجنبية.

تأثرت الهيئة/جبهة النصرة بسياسات تنظيم القاعدة آنذاك، والتي أولت اهتماماً للجانب المحلي، لكن ما حدث بعد ذلك أثبت أن الأمر لا يتعلق بتوجهات القاعدة، ونابع بالأساس من رؤية الجبهة الخاصة وتكيفها مع البيئة والظروف الموجودة بها، حتى أنه لا يتعلق بالأيديولوجية ومعتقدات الجماعة.

ظهر الأمر بشكل واضح في يوليو 2016، حينما انفصلت جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة، تحت اسم جبهة فتح الشام، وأعلنت صراحةً أنها لا تنوي استهداف “العدو البعيد” ما لم تتعرض للهجوم.

في البداية تم الترويج للانفصال عن القاعدة على أنها تمت بموافقة الأخيرة، لكن ما اتضح لاحقاً وجود اعتراضات من جانب القاعدة، وهي الاعتراضات التي تجاهلها زعيم الهيئة محمد الجولاني، واستمر في مساره الانفصالي.

البغدادي والظواهري

تجاهُل الهيئة لاعتراضات القاعدة، ليس بالأمر السهل، لكنه يشير إلى رؤيتها للمحلية على أنها أفضل الخيارات بالنسبة لها، فالأمر لا يتعلق بالأيديولوجيات أو المعتقدات بقدر ما يتعلق بهيكل الفرص والتهديدات المحيطة بالهيئة، وكذلك علاقاتها بالبيئة السياسية الموجودة بها.

واجهت جبهة النصرة، قبل أن تتحول إلى جبهة فتح الشام (2015-2016) تحديات سياسية وأمنية مثلت تهديداً لوجودها بالأساس، حيث استطاع الرئيس السوري بشار الأسد، بسط السيطرة واستعادة الأراضي التي فقدها، وازداد التدخل العسكري الروسي، حتى طال مناطق التنظيمات الإرهابية في حلب معقل هذه الجماعات، ما غيّر موازين القوة لصالح الأسد.

في الوقت ذاته، كانت الهيئة عُرضة لضربات التحالف الدولي ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة، الذي بدأ عملياته لاستهداف داعش منذ عام 2014، ووجّه أيضاً ضربات لأعضاء الجبهة مثل “محسن الفضلي”، أحد أكبر أعضائها، ما يعني أن الجبهة باتت في مرمى الأهداف الأمريكية، الأمر الذي دفعها للانفصال عن القاعدة، خشية التعرض لضربات دولية، والاكتفاء بكونها جبهة محلية.

بجانب التهديدات المحيطة بالجبهة، كانت هناك عوامل أخرى دفعتها نحو المحلية، في مقدمتها عمليات السمسرة/الوكلاء التي ارتبطت من خلالها الهيئة بالتنظيمات الإرهابية في محيطها، وكذلك عمليات “فك الارتباط” بين الهيئة وتنظيم القاعدة.

ورغم أن عملية السمسرة تلعب دوراً مهماً في اتجاه التنظيمات نحو استراتيجية عالمية، لكنها قد تُعزِّز أيضاً الاتجاه نحو المحلية، أمّا “فك الارتباط”، فعادةً ما يظهر كنتيجة عكسية للتنسيق بين التنظيمات الإرهابية، ويحدث حينما تحدث انشقاقات بينها.

وتجلى ذلك في عمليات التنسيق بين جبهة النصرة والتنظيمات الإرهابية منذ عام 2012، والتي تكللت بتشكيل تحالف جيش الفتح عام 2015، وكان بمثابة الخطوة الأولى في التحرك نحو الهدف السياسي للجبهة، المتمثل في إقامة دولة إسلامية في بلاد الشام.

كان من الممكن أن يساعد هذا التحالف في التغلب على حالة تفتت التنظيمات الارهابية في محيط الجبهة، وتعزيز قدراتها في مواجهة أعدائهم، وفي مقدمتهم النظام السوري، لكن ما حدث أن تفكك جيش الفتح، نتيجة للخلافات والانشقاقات، بين جبهة فتح الشام وأحرار الشام، الأمر الذي ردت عليه فتح الشام في يناير 2017 بتشكيل عسكري جديد ضم عدداً من أكبر الفصائل المسلحة تحت اسم “هيئة تحرير الشام”، حيث ضمت حركة نور الدين الزنكي، ولواء الحق، وجيش السنة، وجبهة أنصار الدين.

لا بأس من توظيف الأيديولوجيا

بعد إعلان تأسيس هيئة تحرير الشام رسمياً في 2017، سعت الهيئة لتعزيز نفوذها بإدلب، واصطدمت بالتنظيمات الإرهابية المحيطة، والتي نظرت لجهود الهيئة على أنها محاولات لبسط السيطرة عليهم. وتزامن هذا مع تحديات جديدة على الصعيد الدولي، حيث محادثات آستانا بين روسيا وتركيا وإيران، والاتفاق على إنشاء 4 مناطق لخفض التصعيد، فضلاً عن التقارير المتعلقة باحتمال تعرض الهيئة لهجوم من تركيا.

ولمواجهة هذه التهديدات، اتخذت الهيئة نهجاً براجماتياً، تجنبت من خلاله الصدام مع تركيا لتتفاوض معها في أكتوبر 2017، بشأن تدخلها العسكري في شمال غرب سوريا، في محاولة من الهيئة للحفاظ على مكتسباتها، وانتهت المحادثات بالاتفاق على نشر تركيا قواتها وإقامة نقاط مراقبة في إدلب بالتنسيق مع الهيئة، وهو أمر لم يكن من الممكن تصوره في السنوات السابقة، ولكن بدون التنسيق مع أنقرة كانت ستتعرض الهيئة للصدام المباشر مع روسيا والنظام السوري.

توضح قرارات الهيئة، بدايةً من الانفصال عن القاعدة وتهميش التنظيمات المؤيدة لهه، واعتماد استراتيجية محلية، ووصولاً إلى التنسيق مع تركيا، أنها لا تتعامل مع التهديدات المحيطة فقط، بل تسعى لمكاسب أكبر تتمثل في الحصول على اعتراف دولي.

تجلت هذه المساعي في التطورات اللاحقة، وتحديداً عام 2018، حينما سيطر الرئيس السوري على المزيد من الأراضي، وتم توقيع اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا الذي تضمن نفس بنود اتفاق آستانا بما في ذلك التزام أنقرة بالقضاء على الجماعات الإرهابية في المنطقة منزوعة السلاح وتسيير دوريات روسية-تركية مشتركة، الأمر الذي استجابت له الهيئة، بل عملت على إيجاد أساس أيديولوجي له.

تحرير الشام والتنسيق مع تركيا

أصدرت الهيئة في يونيو 2018 بياناً حول “الجهاد والسياسة الشرعية بين الثوابت والمتغيرات”، أكدت من خلاله أنه رغم وجود بعض المبادئ الثابتة (مثل الجهاد والشريعة كمرجع)، لكن الأمر يجب أن يتسم بالمرونة وتكييف الأحكام مع الواقع، بما يحقق مصالح الجماعة وأهدافها الكبرى، وأوضحت أن إقامة علاقات مع دول أخرى أمراً مشروعاً ما دام يحقق مصلحة الجهاد.

رغم المكاسب التي حققتها الهيئة عبر البراجماتية، لكنها وجدت نفسها في مواجهة تحديات جديدة تمثلت في انشقاقات عدة في صفوفها، من قِبل عدد من القيادات مثل “أبو مالك التلي” و”أبو صلاح الأوزبكي”، واتجاه بعض التنظيمات الرافضة لنهج الهيئة مثل حراس الدين وحراس الإسلام، إلى تشكيل جبهة مضادة تحت اسم “وحرّض المؤمنين”، وهي الجبهة التي تعاملت معها الهيئة عسكرياً، بجانب عمليات أخرى لاعتقال القيادات المنشقة.

أخيراً، فإن المسار التنازلي للهيئة نحو المحلية، يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بالأيديولوجية فقط، بل بالبيئة الأمنية والسياسية الموجودة بها، والفرص والتهديدات المحيطة بها، والتي قد تدفع هذه التنظيمات لتوظيف الأيديولوجية طبقاً لما تقتضي مصالحها وإضفاء الشرعية عليها، ما ظهر في مسار هيئة تحرير الشام، لمواجهة الضغوط والتحديات، محلياً ودولياً.

المصدر:

دينا حلمي

باحثة سياسية متخصصة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى