حاكم اللحظة الأخيرة

سوار الذهب.. أسئلة على هامش الزُّهد

تحل اليوم، الثامن عشر من أكتوبر/ تشرين الأول، الذكرى الثانية لوفاة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، في وقت تعصف فيه الاضطرابات بالسودان المتنازع عليه بين القوى السياسية المدنية وبين المجلس العسكري الذي يدير المرحلة الانتقالية في البلاد، ما يستدعي سيرة الرجل الذي اشتهر كأول عسكري عربي بالترفع والزهد في السلطة السياسية، مسلمًا مقاليدها إلى المدنيين في أعقاب المرحلة الانتقالية ما بعد الإطاحة بحكم جعفر النميري.

ظلت الواقعة محل حفاوة الإسلاميين في السودان وامتدادهم في البلدان العربية على مدار عقدين أو أكثر. غير أن عددًا من الأسئلة التي يمكن أن تُطرح على حافة الصعود المفاجئ للرجل، كفيلة بأن تعصف بالأسطورة التي ترسّخت على مدار سنوات.

صباح عاصف (1)

في صباح عاصف على غير عادة البلد الهادئ، وفي 19 يوليو/تموز عام 1971 كانت مدرعات قائد الانقلاب، الرائد هشام العطا، عضو مجلس قيادة الثورة الوطنية تحت حكم جعفر النميري، تحاصر حامية مدينة الأُبيِّض العسكرية، شمال كردفان، في محاولة للاستيلاء على السلطة.. بدا المشهد غريبًا حتى على أهل السودان نفسه، فالانقلاب على النميري لم يأتِ من خصومه الإسلاميين الذين يناوئونه من حين لآخر، وإنما أتى من “الماويين”، الشيوعيين أنصار ثورة النميري الاشتراكية في 29 مايو/أيار عام 1969م.

جعفر النميري وسط مجموعة من ضباط انقلاب مايو 1969

كان على رأس حامية الأبيض أحد القيادات العسكرية الوسطى من مواليد  المدينة نفسها، تخرج في الكلية الحربية عام 1955 واسمه عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب، ورفض القائد المعروف بانضباطه وتماهيه مع التقاليد العسكرية تسليم الكتيبة للانقلابيين، وبقي تحت الحصار بقواته لأيام عدة نجح الانقلاب خلالها لكنه فشل في النهاية، ليقدَّم مجموعة الضباط الذين خططوا للانقلاب إلى محاكمة عسكرية، قادها النميري بنفسه، ليحكم عليهم جميعًا بالإعدام رميًا بالرصاص، هكذا برز اسم “سوار الذهب” للمرة الأولى، وإذا كان من المفترض أن يتلقى الرجل تكريمًا وتصعيدًا يليق به، فإن المفارقة أن الرجل أُطيح به من الجيش لأسباب غير معروفة، ليضطر بعدها إلى مغادرة البلاد.. إلى أين؟

المشير سوار الذهب في شبابه
في دوحة الإخوان (2)

لا نعرف لماذا اختار سوار الذهب البلد الناشئ حينها، قطر، ليتوجه إليه، لكنه حظي بالتكريم المناسب في الدوحة إلى جوار أعلى رأس السلطة، شخص ما قدم سوار الذهب إلى الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، ليعمل مستشارًا للشؤون العسكرية.. من المرجح أن هذا الشخص كان المفكر السوداني والمنظِّر الإسلامي حسن الترابي.

الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني

في قطر أصبح سوار الذهب بمثابة قائد للجيش والشرطة معًا، ويُذكر أنه كان أول من فرز الأرقام العسكرية القطرية وحدد أرقامًا منفصلة للشرطة وأرقامًا أخرى للجيش، لتكون أول خطوة في فصل الجيش عن الشرطة، ويصبحا كيانين مستقلين، شرطة قطر والقوات المسلحة القطرية، وقد مكث سوار الذهب بالدوحة 3 سنوات، لا نعرف ما الذي جرى خلالها له سوى ما يتعلق بجهوده في بناء جهازي الجيش والشرطة القطريين حتى عاد عام 1985م إلى السودان في ظروف لا تقل ضراوة عن تلك التي غادر فيها بلاده، فالمؤمرات ومحاولات الانفصال والانتفاضات الشعبية تعصف بالنُّميري من كل اتجاه.

انتفاضة السكر المُر (3)

كان العام السابق لعودة سوار الذهب إلى السودان عام 1984، وهو العام الأسوأ في حكم جعفر النميري، فقد توالت الانتفاضات والإضرابات والعصيان المدني بمشاركة مختلف الفئات الشعبية، طلبة وأساتذة جامعات وأطباء ونقابيين وغيرهم، وكانت انطلاقة الانتفاضة بسبب رفع تسعيرة بعض البضائع، من بينها السكر، ولذلك سميت بانتفاضة السكر المُرّ، ورغم تراجع الحكومة عن رفع التسعيرة فإن قطار المظاهرات انطلق ولم يكن ثمة مجال للعودة.

الشعب السوداني يحتفل بسقوط جعفر نميري

بدأ النميري حكمه متحالفا مع اليساريين، بل إن انقلابه عام 1969 جاء بدعم من الحزب الشيوعي والقوميين العرب، لكنه -ربما تماشيًا مع موجة المد الإسلامي التي أطلقها السادات في مصر- غيّر اتجاه دفته صوب الإسلاميين بإيعاز من حسن الترابي، الذي شغل أكثر من حقيبة وزارية للنميري من بينها الداخلية والعدل –وهو يكنّ للرجل العداء- وأصدر النميري عام 1983 ما عُرف بـ”قوانين سبتمبر”، التي أضحى بموجبها إمامًا للمسلمين، بما يعادل “الرئيس المؤمن” -الأكثر واقعية- أنور السادات في مصر، وقد ألغت هذه القوانين المنظومة القانونية القديمة لتعلن تطبيق الشريعة الإسلامية التي فجرت قضية الجنوب، وأقرت الحدود بدلاً من قوانين العقوبات المعروفة.  من بين هذه الحدود كان “حدّ الردّة”، الذي أُعدم  بموجبه المفكر و(المعارض الجمهوري) محمود محمد طه، فضلاً عن التنصيص على قانون صندوق الزكاة، الذي كان أقرب للجباية الإجبارية على شعب فقير معدم.

المفكر والمنظر الإسلامي حسن الترابي

الطريف في الأمر أن الترابي، الذي كان مهندس تلك الإجراءات، يقر في شهادته أن بقاءه في السلطة برفقة اثنين آخرين من الوزراء الإسلاميين ضمن حكومة النميري لم يكن من باب الولاء، وإنما كان بغرض التمكن من ترتيب أمور ما بعد سقوط نميري، فهل تنجح خطة الترابي؟

على مدار أشهر النصف الثاني من عام 1984 بدأت مفاصل الدولة تعاني شللاً يتفاقم يومًا بعد يوم، وبدا أن حكم النميري يمضي نحو نهايته، وعلى أحدهم أن يستعد لتلقف السلطة.

في أثناء ذلك عاد سوار الذهب، المطرود، إلى السودان، لا ليواصل حياته كأي مواطن، بل ليشغل منصب رئيس هيئة أركان الجيش السوداني. لا شك أن هذه المصالحة تمت بوساطة شخص ما، هدف لأن يكون “سوار الذهب” في موقع تلقي السلطة في لحظة سقوط النميري، فهل ينجح في مسعاه؟

الإجابة نعم. إذ سرعان ما قرر نميري تولية وزير دفاع جديد في تلك المرحلة الخطرة، فالرجل المريض كان في حاجة إلى تأمين جبهته الداخلية بوزير دفاع موثوق، والمرشحون للمنصب من داخل المؤسسة اثنان، أحدهما اللواء تاج الدين عبدالله فضل، ورئيس الاستخبارات العسكرية اللواء عثمان عبد الله، وثالثهما العائد سوار الذهب.

كان سوار الذهب قد بلغ سن التقاعد القانونية، لكن النميري يقرر فجأة تجاوز المرشحين الأول والثاني، والتجديد لسوار الذهب لمدة عام حتى يشغل منصب وزير الدفاع، هكذا أقسم سوار الذهب يمين تولي وزارة الدفاع أمام جعفر النميري في مارس/آذار عام 1985، ولم يمض شهر واحد على توليه الوزارة حتى اندلعت الانتفاضة الكبرى التي أطاحت بالنميري في إبريل/نيسان عام 1985 .

كرة من نار (4)

لم يكن جعفر النميري ليعطي أوامره بقمع المتظاهرين، فقد كان يتلقى العلاج بأحد المستشفيات الأمريكية، كما لم يكن نائبه، عمر محمد الطيب، يملك السلطة لوقف حراك شعبي بهذا الحجم، ومن ثمّ فقد باتت الأنظار تتجه إلى وزير الدفاع والقائد العام للجيش السوداني، عبد الرحمن سوار الذهب.

وبحسب شهادة الفريق تاج الدين عبد الله فضل، كان المشير سوار الذهب رجلاً متدينًا طيب القلب، وكان يقول إن للنميري في عنقه بيعةً وقسَمَ ولاء،  ولا ينبغي له أن يخون القسَم، لكن لم يكن على سوار الذهب أن يقلق بهذا الشأن. كان الترابي، الذي زجّ به النميري إلى السجن أخيرًا، حاضرًا في اللحظات الخطرة كعادته ليحل عنق سوار الذهب من بيعة النميري.

هكذا ألقى الترابي بالسلطة في يد سوار الذهب، الذي انحاز لمطالب الشعب، ليقود المرحلة الانتقالية حتى تسليم السلطة لرئيس منتخب. وبينما كان سوار الذهب يستشعر السلطة في يده ككرة من لهب –على حد تعبيره- يرجو التخلص منها سريعًا، كانت القوى المدنية، ممثلة في الأحزاب، منهكة بعد سنوات من حكم النميري، وتطالب بمد الفترة الانتقالية 3 سنوات حتى تُعاد هيكلة وتأسيس حياة حزبية حقيقية، لكن هذا لم يكن رأي الترابي، الذي يستشعر جاهزيته وجماعته لتولي السلطة بعد انتهاء دور سوار الذهب، لكن كانت المفاجأة.

حكم الدروايش (5)
محمد احمد المحجوب والصادق المهدى

ظن الترابي أن شعبيته الشخصية، إلى جانب انتشار حركة الإخوان المسلمين، ستمكنانه من حسم المسألة بتولي السلطة سريعًا، بعد سنوات من الإعداد لهذه اللحظة الفارقة لكن كانت المفاجأة بحصد حزب الأمة غالبية الأصوات في الانتخابات التي أجريت في إبريل/نيسان 1986، ما أهّله لتشكيل الحكومة من حزب الأمة برئاسة رئيس الوزراء، الصادق المهدي، بالمشاركة مع حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي تلاه في عدد الأصوات، وهي نتيجة لم تكن تُرضي الترابي الذي كان يعتبر حزب الأمة، بقيادة صهره الصادق المهدي، مجموعة من الدراويش.

انتهى دور سوار الذهب ليتفرغ للعمل الخيري كما هو معروف عنه، مخلفًا وراءه عشرات الأسئلة عن المفارقات والمفاجآت التي لازمت رحلة صعوده المهنية، ودور الترابي في صياغتها، في حين واصل الأخير تغلغله في قوى الدولة والمجتمع وتمددت أفكاره في ثكنات الجيش ونجح في تشكيل حركة سرية من جماعة الإخوان المسلمين، كان على رأسها الضابط عمر البشير، حتى تمكن من استرداد ما ضيعته تدابير القدر من بين يديه قبل سنوات، ليسقط السودان بين براثن مزيج من السلطوية العسكرية والدينية تحت حكم عمر البشير.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

بلال مؤمن

كاتب مصري

مشاركة

بكار حميدة

رسوم

Start typing and press Enter to search