ثقافة وفنمختارات

حتى بلوغ Onlyfans.. في البدء كان الشريط: هكذا غيرت التكنولوجيا صناعة البورنو

في الفيلم الوثائقي hot girls wanted لجيل باير ورونا جرادوس، المعروض على “نتفليكس”، تستعرض المخرجتان الآليات المتبعة لاجتذاب الفتيات للعمل في صناعة الترفيه الإباحي من خلال رؤية تجارب حقيقية لفتيات عملن سابقاً في صناعة البورنوجرافيا وأخريات ما زلن يعشن تجربة الدخول في الصناعة، كما يسلط الفيلم الضوء على معاناة هؤلاء الفتيات وطرق استغلالهن جنسياً.

فعن طريق وكلاء لشركات الإنتاج الإباحي، ومن خلال شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع الإعلانات كـ”كريجزليست” وغيرها وإعلانات توظيف “عارضات” بمبالغ مالية، من غير الممكن أن تتقاضاها فتاة صغيرة ذات مستوى تعليمي متواضع، يتم استدراج الفتيات حال بلوغهن السن القانونية.

فيلم مطلوب بنات ساخنة

حلم الشهرة والسفر بعيدا عن القرية أو المدينة الصغيرة، الثراء السريع والهروب من رقابة الأهل، كل تلك الأمور تدفع الفتيات لخوض التجربة، نسبة قليلة منهن تتمكن من أن تصبح نجمة إباحية وتحافظ على نجاحها، الأخريات يخرجن من الصناعة سريعا بعد تقديم بضع مقاطع إباحية بمقابل مادي في متوسط ألفي دولار للفيلم الواحد، بعد ذلك تبدأ سلسلة التضحيات بدءا من  قبول أنواع فانتازية وخطيرة صحيا في المحتوى الجنسي المصور، وهو علامة على نهاية المشوار المهني في الترفيه الإباحي، وتستمر سلسلة التنازل تدريجيا، تستدين لأن العمل لا يغطي تكلفة الحياة الجديدة، لتخضع في النهاية تحت رحمة “قوّاد” وتنخرط في العمل كبائعة هوى.

شريط الفيديو

بردية تورينو الإباحية

لا تخلو حضارة من اهتمام بالجنس وبالمواد الإباحية، فقط يختلف الوسيط باختلاف الإمكانات التكنولوجية المتاحة، ربما بردية تورينو الإباحية، التي اكتُشفت مطلع القرن التاسع عشر في دير المدينة بطيبة، والموجودة في المتحف المصري بتورينو-إيطاليا حاليا، وتصور رجلا مع نساء مختلفات في أوضاع جنسية مختلفة، هي أقدم مادة إباحية عُثر عليها حتى الآن، ويرجع تاريخها لحقبة الرعامسة، نحو عام 1150 قبل الميلاد.. أغلب الظن أنها كانت ملكا لأحد الأثرياء أو “كتالوج” في منزل للبغاء.

في العصر الحديث، بعد ظهور السينما بسنوات قليلة، أو الصور المتحركة كما أطلق عليها في البداية، تم إنتاج أول مادة إباحية مرئية عبر هذا الوسيط الجديد.

في عام 1896 أُنتجت أول مادة إباحية في فرنسا مدتها سبع دقائق، عُثر على الدقيقتين المتبقيتين منه في الأرشيف الوطني الفرنسي عام 1996.

كانت ستينيات القرن العشرين هي ذروة صالات السينما التي تعرض محتوى إباحيا جنسيا، رغم ذلك، لم تكن صناعة البورنوجرافيا قد استقلت عن صناعة السينما واتخذت ملامحها، حتى اختراع جهاز الفيديو المنزلي وانتشاره في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، حيث يمكن بيع آلاف النسخ من الفيلم الواحد على طول البلاد دون الحاجة إلى انتظار صالة عرض سينمائية شاغرة تقبل بعرض نسخة واحدة من الفيلم.

بعد اختراع الـ”دي في دي” أواخر التسعينيات وانتشار أجهزة الكمبيوتر الشخصي وإمكانية تخزين محتوى أكبر من المواد على قُرص صُلب، وانتشار خدمات الدفع نظير المشاهدة على الكابلات التليفزيونية راجت وانتشرت صناعة البورنوجرافيا، حتى ظهر الإنترنت.

إنترنت إكسبلورر

الإنترنت.. عصر جديد للبورنوجرافيا

في بداية ظهور الإنترنت وانتشاره السريع لم يكن أي من رجال الصناعة يتوقع أن يغير الإنترنت شكل الحياة وأنماط الاستخدام وآليات الاقتصاد الرأسمالي الصناعي التقليدي والمستقر من عشرات، وربما مئات، السنين.. لم يلاحظ، إلا القلة، أننا نعيش لحظة تاريخية، لحظة ولادة وتشكل ثورة جديدة.. ثورة تكنولوجية.

في السنوات الأولى من عمر الإنترنت، مكَّن منتجو المواد الإباحية المصورة من الوصول إلى عدد أكبر من المستهلكين، عن طريق شبكة المعلومات الدولية الممتدة باتساع العالم، دون تكلفة أقراص صلبة أو تكلفة لوجيستية.. كانت الصناعة في ذروة رواجها حتى ظهر “يوتيوب”.

مع ظهور يوتيوب وانتشار فكرة البث على الإنترنت “Online Streaming” وليس فقط رفع وتحميل المواد من خلال الإنترنت، ظهرت الكثير من الشركات الصغيرة التي استخدمت نفس التقنية لنشر المحتوى الإباحي في مواقع شبيهة باليوتيوب في فكرته، لكن مخصصة للمحتوى الإباحي فقط.

لم يكن أصحاب تلك المواقع الإلكترونية في حاجة لإنتاج محتواهم الخاص، بل سرقة محتوى شركات البورنوجرافيا التقليدية وبثه على الإنترنت.

امتازت تلك الفترة بغياب التشريعات والقوانين المنظمة لعمل الإنترنت ولحداثة العهد به وفرادة ما يخلقه من إشكاليات جديدة يعيشها السوق الأمريكية للمرة الأولى.

لم تكن صناعة البورنوجرافيا فقط المتأثرة سلبيا بتلك التكنولوجيات الجديدة والحديثة، عاشت صناعة الإنتاج الفني الموسيقي نفس الخسائر، فمع ظهور خدمة نابستر الإلكترونية، والتي أتاحت الملفات الموسيقية بشكل مجاني بتقنية سُميت تقنية “الند للند” -عملية تبادل الملفات والبيانات بين جهازين شخصيين على شبكة الإنترنت- تعرضت نابستر للمساءلة القانونية من قبل شركات الإنتاج الموسيقي التي استخدمت نفوذها الهائل على دوائر صنع القرار، الأمر الذي لم يتمكن منه منتجو الترفيه الإباحي.

ظهرت في النهاية شركات كبرى احتكرت أغلب المواقع الإلكترونية التي تقدم محتوى الترفيه الإباحي بتقنية البث المباشر عبر الإنترنت.. تلك المواقع ابتكرت نموذج عمل جديدا، فمن خلال الاعتماد في الإنتاج على شركات متناهية الصغر أو وسطاء إنتاج بتكلفة إنتاج متواضعة وعبر استخدام هواة بصورة متجددة كبطلات في تلك الأفلام، حققت تلك الشركات المحتكرة أغلب الأرباح ولم يبق للوسطاء وصناع المحتوى سوى فتات المكسب.

أونلي فانز

ما هي OnlyFans؟

فيلم “مطلوب بنات ساخنة”، أُنتج عام 2015، فيما تأسست منصة “أونلي فانز” عام 2016، فكيف غيرت المنصة شكل صناعة الترفيه الإباحي إلى الأبد؟

“أونلي فانز” هي منصة تواصل اجتماعي، كفيسبوك وتويتر وانستجرام، لكنها تتميز بسمتين رئيسيتين: الأولى أنها على عكس تلك المنصات، لا تضع قيودا على المحتوى، والسمة الثانية هي إمكانية تقديم الخدمة مقابل اشتراك مادي.

يقوم المشترك، إذا كان صانع محتوى، بتقديم محتواه من صور وفيديوهات أيا كان مضمونها، مع غلبة المحتوى الجنسي، ويقوم المتابعون، حال رغبتهم في مشاهدة المحتوى المقدم منه، بدفع رسوم عضوية شهرية تتراوح بين 5 و50 دولارا لكل صانع محتوى.

تتيح المنصة تقديم خدمات خاصة مقابل “هبة مالية” يقدمها المتابع لمقدم المحتوى، كأن يطلب صورا أو فيديوهات في أوضاع خاصة أو في ظروف معينة، بناء على ذوق أو مزاج طالب الخدمة/المتابع.

تتقاضى المنصة 20% على كل معاملة مالية، ويتحصل مقدم المحتوى على 80% كصافي أرباح.

بحسب influencer marketing hub، بلغ عدد مشتركي الموقع/المنصة 30 مليون مشترك و450 ألف صانع محتوى، كما دفعت الشركة 600 مليون دولار أرباحا لصناع المحتوى حتى الآن.

كسب المال من صناعة المحتوى الإباحي

الصغار يربحون الجائزة

اعتمدت “أونلي فانز” في نموذجها التجاري على عاملين جديدين في عالم الترفيه الإباحي: الأول هو رغبة المشاهد في الفانتازيا (إرضاء الخيالات الجنسية)، لا العُري، والفانتازيا متعددة ومتنوعة بعدد البشر ولا يمكن حصرها في قوائم وتصنيفات كما تفعل مواقع البث الإباحي على الإنترنت في أفلامها.

أما العامل الثاني فهو قدرة الإنترنت الباهرة على تحقيق تواصل مباشر، دون وسطاء ولا شركات بين مقدم المحتوى ومستهلكه، إذ اكتفت المنصة بتقديم نفسها بصورة مجانية لصناع المحتوى، ولا تتكسب من بيع بيانات العملاء ولا من الإعلانات كيوتيوب وفيسبوك مثلا، بل بدورها كوسيط له الحصة الصغرى من الأرباح، فيما يبقى لصانع المحتوى القادر على التواصل المباشر مع المستهلك، وتلبية تصوراته الفانتازية، نصيب الأسد.

الأمر المغاير في استعراض Onlyfans وصناعة الترفيه الإباحي كنموذج هو قدرة التكنولوجيات الحديثة على قلب التراتبية الاقتصادية الهرمية، وكسر امتصاص أصحاب الأعمال لأغلب الأرباح المتولدة من العملية الإنتاجية.. ربما يمتد هذا الأثر لأنشطة اقتصادية أخرى ويولد علاقة جديدة بين العامل وصاحب رأس المال.

محمد هلال

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى