حداثة بلاد “الواق واق” وخرافة أوطان العرب

محمد السيد الطناوي

Mohamed.altanawy1@gmail.com

في زمن حُكم فيه العالم كله بنحو مئتي حاكم، تسلَطَ على ذلك البلد الصغير قرابة مئتين وخمسين إقطاعيًّا، كل منهم يستقل بإقطاعيته، ليستمر هذا الوضع حتى منتصف القرن التاسع عشر. اعتمد أهل البلد الصغير على الزراعة والصيد وشيء من التجارة. عرفهم الصينيون في العصور الغابرة باسم “واكو واكو”، فحرف أجدادنا المسمى إلى “الواق الواق”، ناسجين حول تلك البلاد الأساطير والحكايات، وكما ألهبت خيال العرب المسلمين قديمًا ألهمت طموحهم إلى الحداثة اليوم، لكن الاسم تغير فصارت تعرف باليابان. 

قاد اليابان على امتداد قرون حكومة مركزية وإمبراطور مقدس ثم أخذت المركزية تضعف وسلطة الإمبراطور تتهاوى، واستبدل بها في مطلع القرن الثالث عشر منصبًا أطلق عليه اليابانيون “شوكون”، تقلبت بعدها البلد الآسيوي بين الوحدة والانحلال لتتعاظم سلطة أمراء الأقاليم على حساب الشوكون. 

وعن طريق التجارة اتصلت الجزر اليابانية منذ القرن السادس عشر بالبرتغاليين والهولنديين والإنجليز والإسبان ثم الأمريكان، لكن اتساع حركة التجارة وما صاحبها من موجات تبشيرية ومحاولات غربية للتدخل في السياسة الداخلية إلى جانب احتلال عدد من الدول المجاورة، دفع اليابان نحو خيار العزلة الطوعية (1833) ففُرضت رقابة شديدة على التجارة الخارجية، ومُنعت الإرساليات الأجنبية من دخول البلاد، وقُمِعت حركات التمرد المسيحية بعنف بعدما تديَّن عدد كبير من اليابانيين بها. 

استقرت الأوضاع لفترة قصيرة، ومع حلول العشرية السادسة اندلع الصراع مجددًا بين تيار حاز السلطة وتقارب ثانية مع الغرب بعقد معاهدات تجارية جديدة، وتيار محافظ رفض هذا التقارب بصيغته التي رأى فيها إهدارًا للسيادة الوطنية.

استطاع التيار المحافظ  فرض كلمته بعدما قاد تمردًا واسعًا، تحت شعار “الطاعة للإمبراطور والطرد للأجانب”، ليجبر المتمردون “الشوكون” الأخير على التنازل عن جميع سلطاته للإمبراطور، وفي ما عرف بحقبة استعراش “ميجي”، أُقِرت إجراءات إصلاحية واسعة، فأُلغِي منصب “الشوكون” ووُضِع دستور جديد، وتثبيتًا للحراك أعلنت “الشنتو” دينًا رسميًّا للبلاد. 

طبيعة الديانة اليابانية التي لا يُعرف مؤسس لها جعل هذا الإعلان ضروري لتوحيد اليابان تحت سلطة الإمبراطور، فهو وفق تصور الشنتو سليل الآلهة، وبجانب تقديسها للإمبراطور لا تُعنَى “الشنتو” بغير اتصال الإنسان بالكامي وهو “المبدأ الكلي الأقدس المحيط بظواهر الكون”، فلا تحتوي على شرائع أو وصايا، رغم أبعاد ثقافية واجتماعية أفرزتها منظومتها القيمية، لهذا نزعت الديانة اليابانية إلى التوجيه الأخلاقي لا إلى إملاء الوصايا الدينية.

وإلى جانب الشنتو، كان لبوذية الزن حضور كبير حتى منتصف القرن التاسع عشر، ولا يختلف مذهب الزن كثيرًا في طبيعته عن “الشنتو”، فهو ممارسة للتأمل بغرض بلوغ الروح حالة التنوير. وبعد إعلان الإمبراطور ميجي “الشنتو” ديانة رسمية، تراجع تأثير الزن بعض الشيء، وإن لم تفضل الدولة الديانة الأولى على الثانية، وعرفت “الشنتو” بأنها ليست أكثر من “مجموعة من القواعد الأخلاقية القومية القائمة على الفضائل اليابانية”.

في ظل هذه الرؤية استطاع الإمبراطور “ميجي” النهوض باليابان بدعم من المحافظين، مواجهًا التحدي الغربي، بمزيد من التقارب مع الغرب لكن وفق إستراتيجية موضوعة، فقصد اليابانيون إلى قاعدة الحداثة لا إلى منتجها فقط، فأرسلت الحكومة بعثات للغرب، إلى أمريكا وألمانيا تحديدًا، بغرض التعرف على مختلف العلوم والمناهج والفلسفات، وبعد عودة المبتعثين لم يجدوا أي ممانعة من المجتمع الياباني في التعاطي مع الأفكار الجديدة، على العكس أقبل اليابانيون عليها في حماسة، واستطاعت الحكومة من خلال استقدام خبراء أجانب تأهيل اليابانيين في المجالات كافة لتستغني بعد ذلك عن هؤلاء الخبراء.

على عكس سردية التنوير الغربية، فإن من قاد حراك الحداثة في اليابان هو التيار المحافظ، وكان من أوائل قرارته عند استلامه السلطة إعلان الديانة القديمة “الشنتو” ديانة رسمية للبلاد، في تعارض مع أحد أهم محددات الحداثة، كما فصلها مارتن هيدجر، وهو “الانسلاخ عن المقدس”، والسؤال: 

كيف شجعت “الشنتو” هذه الروح الجديدة أو على الأقل لم تحل الديانة اليابانية دون سريانها في حين أعاقت الديانات التوحيدية (المسيحية والإسلام) تدافع الحداثة، وهو ما وقع في أوروبا مع بدايات عصر النهضة، حيث لم يُحصِّل الغرب حداثته إلا بعد “الانسلاخ” عن المسيحية، ولم يقع في بلداننا بعدما عجز التنويريون عن صياغة معادلة تتجاوز بمجتمعاتنا معوقات الحداثة، ومن بينها الدين!

بمكن العبور إلى الإجابة من خلال مفهوم لفرانسوا ليوتار هو “السرديات الكبرى” التي يعرفها الفيلسوف الفرنسي بأنها “نمط من الخطابات يصر على تصورات شمولية للمجتمع والثقافة والتاريخ والكون”، وفي حين تتمثل ديانتان مثل المسيحية والإسلام هذا النمط لا تُعرف “الشنتو” نفسها بهذا التعريف، فالديانة اليابانية ليست معنية مثلهما بفهم العالم أو تقديم تفسير له كذلك لا تملك قاعدة تشريعية وفلسفة وآراء كلامية ترسم حدودًا واضحة وصارمة لتصوراتها عن الله والكون والمجتمع وكيفية تنظيمه وهذا بالتبعية يسبغ الدين بـ”طبيعة سلطوية وإقصائية تمارس التهميش ضد كل أنواع الخطابات الأخرى الممكنة”.

بمعنى آخر لم تحز الشنتوية تراثًا معرفيًّا ضخمًا شكل الوعي الجمعي للمجتمع، فصار هذا التراث محركًا لحياة أفراده وموجّهًا لسلوكهم وضابطًا لحركة سير مجتمعهم، فقد اقتصر مجال “الشنتو” على القواعد الخلقية إلى جانب الطقوس، وفي كل هذا “إقرار بتعدد فكري لا يجعل الهوية مجمدة في مركز أو أصل” بتعبير المغربي عبد الكبير الخطيبي.

بذلك منحت تلك الطبيعة “الشنتو” مرونة واسعة جنبتها جمودًا ينكر “إمكانية قيام أي نوع من أنوع المعرفة أو الحقيقة خارجها لتقاوم كل محاولة للتغيير أو النقد أو المراجعة، فتقف وفق هذا خارج الزمن”، وهي هيئة أبعد ما تكون عن الشنتو (يتبدى هذا جليًّا في مظهر اليابانيين المعاصرين الذين يجد غالبهم صعوبة في تحديد بأي الديانتين “البوذية والشنتو” يؤمن، ليزوروا أضرحة “الشنتو” ويتعبدوا في معابد الزن).

تلك النقطة تحديدًا ولأهميتها يمكن استعراضها بمجهر معار من الباحثة الأمريكية إيفلين بيرج فيتز متمثلاً في دراستها “النموذج والفرد في السيرة الذاتية خلال القرون الوسطى”، رأت فيتز أن هذه العصور، التي هيمنت عليها الكنيسة معرفيًّا، أصّلت لمفهوم التمايز في مقابل الاختلاف، والمعنى أن الفرد -كذلك المجتمع-  بالعصور الوسطى رأى ذاته أفضل وأعلى مرتبة وأهم وأحسن لا مختلفًا فقط عن الآخر، وهو ما تغذيه عميقًا الديانات التوحيدية عمومًا لا المسيحية فقط، على اعتبار أن أصحاب تلك الديانات هم “أبناء الرب” و”شعب الله المختار” و”خير أمة”…

في التمايز ينغلق المجتمع على ذاته، يتوحد معها، متمركزًا في سماته وخصائصه، منفصلاً عن غيره، أما في الاختلاف فتنفتح الذات على الآخر وإن تباعدت عنها، فالتباعد لا يعني الانفصال. في التمايز تقاوم الذات التغيير معرضة عن أي نقد، أما في الاختلاف فتزداد قابليتها للتعاطي مع التغيير، وفي حين تنتظم الأشياء بشكل أفقي في الاختلاف، تتدرج بخط رأسي في التمايز، لهذا يكون هناك دائمًا الأفضل والأحسن والأعلى مرتبة.

وفي تجربة الحداثة باليابان لم يحل شعورًا بالتمايز دون الانفتاح على الغرب، فالتيار المحافظ الذي ثار ضد سلطة “الشوكون” بسبب إبرام معاهدات مجحفة مع الأجانب (معاهدة الصداقة مع الولايات المتحدة 1854، تلاها اتفاقيات مشابهة مع عدد من الدول الأوروبية) رافعًا شعار “المجد للإمبراطور والطرد للأجانب”، لم يمانع سياسات الـ”مييجي” في إرسال البعثات إلى الغرب وفي تغيير النظام التعليمي على النمط الغربي بل واستقدام مزيد من الخبراء الأجانب الذين “لاقوا كل الترحيب من اليابانيين.. فبدلوا صورة الغربي البشع وزال نهائيًّا شعار اطردوا الأجانب”، كما تحمس قادة الإصلاح إلى الأفكار الليبرالية لتعالج المشكلات الطبقية بالمجتمع، وسعوا لتأسيس الدولة وفق النظرية الغربية في الفصل بين السلطات.

كل هذا لم يمنع الياباني من الاحتفاظ بشعور الاختلاف (عن الغربي) متمسكًا بقيمه وتقاليده، لكن في ذات الوقت لم تثقله ديانة أو ثقافة تفرض عليه نظرة دونية إلى الآخر وتعاملاً (فوقيًّا) يغذي الشعور بالتمايز ويشجع على “الانغلاق العقائدي” وينفي الحرية في التعاطي مع ثقافات الغير.

أقدم المجتمع الياباني على المنتوجات الفكرية الغربية من غير حاجة إلى تسخير أجيال من المفكرين اليابانيين جهدهم في سبيل إعادة قراءة وتحليل خطاب “الشنتو” أو تفكيكه، فلم تملك اليابان سردية كبرى تتسلط على المجتمع مهمشة جميع الخطابات الأخرى، ومدعية قدرة على تأويل كل حدث يقع داخل المجتمع والتاريخ في تعارض مع بنيتها الواقعة خارج المجتمع والتاريخ، وإن كان المفهوم لا ينفي لكون تلك السرديات قد منحت الإنسان في مبتدئها فاعلية وحيوية ومعنى لكن مع تقادم الزمن استحالت الفاعلية إلى عجز والحيوية إلى تصلب والمعنى إلى ثقل، وهي صورة ترتسم بوضوح في بلاد العرب، في حين تتسامى عنها بلاد “الواق واق” التي ما زالت تلهم خيال أهلنا إلا أنه في هذه المرة من خلال حكايات الحداثة لا الخرافة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram