سياسةمختارات

حديد ونار.. وأذرع طوال.. روافع الدولة العميقة في إيران

يشير مفهوم “الدولة العميقة” إلى هياكل...

 

يشير مفهوم “الدولة العميقة” إلى هياكل صنع القرار الموازية المُصممة لتنفيذ أجندة مستقلة عن أجندة الحكومة المنتخبة، كدولة داخل الدولة، تتكون من شبكات تعمل في الخفاء. وفي الشرق الأوسط، كان النموذج التركي هو النموذج التقليدي الذي يُشار إليه عند الحديث عن “الدولة العميقة”، حيث الشبكات السرية التي لعبت دورًا مؤثرًا في عدد من الانقلابات، وتهدف إلى الحفاظ على الطابع العلماني والأتاتوركي للجمهورية التركية. لكن لا تزال الدولة الإيرانية العميقة غير مدروسة إلى حد كبير.

في هذا السياق تأتي الورقة البحثية التي نشرتها “مؤسسة هوفر” للكاتبين سانام فاكيل وحسين راسام، عن “الدولة الإيرانية العميقة”، في محاولة لفهم التركيبة المعقدة لها، ورسم خرائط لمراكز القوة المرئية وغير المرئية في الجمهورية الإسلامية، وتعقُّب تطور هذه الدولة، ودور وقوة المؤسسات المرتبطة بها. وسيساعدنا تحديد أهداف وغايات الدولة العميقة على فهم السياسة الإيرانية الخارجية والداخلية، وسياسات التحول في الجمهورية الإسلامية، وكذلك قضية خلافة المرشد الأعلى.

المرشد الأعلى للثورة الإيرانية

ماهية ومكونات الدولة الإيرانية العميقة

تتكون الدولة الإيرانية العميقة من بنية فوقية أمنية واستخباراتية واقتصادية معقدة، هدفها الحفاظ على الطبيعة “الثورية” للجمهورية الإيرانية الإسلامية وأمنها. وتتجاوز هذه الدولة التحليلات التقليدية التي حصرتها في الحرس الثوري الإيراني، فهي تشمل أيضًا مكتب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وأجهزة المخابرات والأمن، والقضاء، والبيروقراطية الدينية، وكيانات اقتصادية شبه خاصة.

ويعتبر تحديد موارد الدولة العميقة أمرًا ضروريًّا لفهم اتساع نفوذها وتحديات تفكيكها، فالدولة العميقة لا تحتكر القوة فحسب، إنما تحتكر أيضًا الثروة التي تعد بالغة الأهمية لشبكات المحسوبية، والتوظيف، والولاء.

تخشى الدولة العميقة تكرار تجربة انهيار الاتحاد السوفييتي في إيران، ولذلك تبدي دومًا استعدادها لاستخدام العنف ضد الاحتجاجات، بدءًا من الاحتجاجات الطلابية عام 1999، مرورًا باحتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، واحتجاجات عامي 2017-2018، وصولاً إلى احتجاجات 2019. فالدولة العميقة في إيران ترى أن بقاء النظام الإيراني بهويته ومواقفه الأيدولوجية هدفها الأسمى، وتدافع عنه بالضغط والترهيب والقوة.

إيران من الداخل

ومن أبرز مكونات الدولة الإيرانية العميقة:

  • مكتب المرشد الأعلى

بينما اعتمد الخميني على مجموعة صغيرة جدًّا من المسؤولين لإدارة مكتبه، أشرك خامنئي شبكة ضخمة من مئات الممثلين والموظفين في كل المؤسسات ويرفعون تقاريرهم مباشرة إليه.

وقد نَمَت تحت إشراف خامنئي المؤسسات الموازية التي يقودها المقربون منه، في القطاعات الأمنية والاستخباراتية والقتالية والاقتصادية والدينية والسياسة الخارجية، حتى أصبحت أكثر قوة من الهيئات التنفيذية والتشريعية المنتخبة.

وتتجلى هذه السلطة في موافقة مكتب خامنئي على تعيين سفراء لإيران في دول مثل سوريا والعراق وأفغانستان، وكذلك موافقته على وزراء الخارجية والاستخبارات والداخلية والدفاع قبل حصولهم على موافقة البرلمان.

  • جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني

لم يكن القصد من تشكيل جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني عام 2009 أن تحل محل مديرية استخبارات الحرس دائمًا. إلا أن خامنئي، بمرور الوقت، اختار تمكين المنظمة، وإعطاءها سلطة أكبر، حتى تحولت مؤخرًا إلى جهاز استخبارات كامل يعمل بالتوازي مع وزارة المخابرات. بل إن للجهاز سلطة تفوق سلطة وزارة المخابرات، ويعمل تحت إشراف خامنئي. ويمتلك الجهاز مركزًا للتعامل مع “الجريمة المنظمة”، بما في ذلك الجرائم الإلكترونية والإرهاب والتجسس وغسل الأموال والهجوم الثقافي وإهانة المقدسات الإسلامية وقيم الثورة الإسلامية.

  • القضاء

يلعب القضاء دورًا حاسمًا في حماية الدولة من خلال مقاضاة المعارضة باسم “الأمن القومي”. وتضطلع المحاكم الثورية بالقضايا المتعلقة بالأمن القومي. وتشمل القضايا الاستخباراتية، ومحاكمات الفساد، وتهريب المخدرات، والإرهاب، وقضايا إهانة آية الله الخميني والمرشد الأعلى خامنئي. وتعتبر هذه المحاكم هي المسؤولة عن عمليات إعدام المعارضين للنظام الإيراني في العقد الأول من عمر الجمهورية الإسلامية.

وإلى جانب هذه المحاكم، توجد محاكم عسكرية وإدارية ومحكمة خاصة لرجال الدين، وقد استُخدِمَت المحاكم الدينية للتحكم في نشاط رجال الدين، وإدانة منْ ينتقدون النظام أو المرشد الأعلى.

الرئيس الإيراني حسن روحاني

تاريخ الدولة العميقة في إيران

تُجادِل الورقة بأن “روح الله الخميني” عمل على إقامة التوازن بين الإسلاميين واليساريين بإعطاء كل مجموعة حصة من السلطة. إلا أنه كان توازنًا هشًّا لم يُنهِ التوتر بين الفصيلين. وفي حقبة ما بعد الخميني، تحرك “الثوار” داخليًّا وخارجيًّا بالتدريج نحو البراجماتية، في حين سعى “التقليديون” –المتحالفون مع “المتشددين” المقربين من المرشد- للحفاظ على المبادئ الثورية التقليدية للجمهورية الإسلامية، وفضّلوا سياسة خارجية “عدوانية” وسياسة داخلية مستمدة من الشريعة الإسلامية.

ومع تولي علي خامنئي، اتسع نفوذ مكتب المرشد في جميع جوانب الحياة الحكومية، وظهرت دائرة من الموالين من الجيش والأمن والاستخبارات والمنظمات الاقتصادية والمالية. ولمواجهة ضعف مؤهلاته الدينية، سعى خامنئي بحذر لتعزيز موقعه من خلال بناء شبكة من الموالين يدعمون حكمه، وعمل على إخضاع الحوزة الدينية المستقلة في “قُم” تحت سلطته المالية، وبذلك يُجرِد آيات الله من استقلالهم الذي كان يعتزون به في السابق، في حين يستفيد مؤيدو النظام من السخاء المادي.

ويعتبر صعود الدولة العميقة سمة الجمهورية الثانية التي ظهرت بعد وفاة الخميني. وارتبط هذا الصعود بتضاؤل ​​دور الحكومة المنتخبة منذ رئاسة محمد خاتمي (1997-2005) حتى الآن. وأصبحت السلطة الحقيقية مركزة في مكتب المرشد الأعلى وكيانات الدولة العميقة التي تقع خارج إشراف الحكومة. فقد بدأت قوات الأمن الأكثر ارتباطًا بالحرس الثوري الإيراني في لعب دور أقوى في السياسة، وأُنِشئ مجلس تشخيص مصلحة النظام، وجهاز استخبارات موازٍ، ومجلس إستراتيجي للعلاقات الخارجية.

سعى الحرس الثوري بعد الحرب لإعادة تحديد دوره في الدولة، بعدما امتلكوا القوة العاملة التي مكنتهم من قيادة عمليات إعادة الإعمار، وأصبحت شركة “خاتم الأنبياء” التابعة له قوة اقتصادية كبرى في مجال المقاولات والهندسة. كما استغل الحرس سلطته الأمنية لبسط سيطرته، فقد منع عام 2004 شركة تركية من بناء مطار الإمام الخميني الدولي لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وبدوافع مماثلة استولى –عبر ائتلاف تجاري- على شركة الاتصالات الإيرانية عام 2009. وقد سمح حصوله على العقود دون عطاءات في أثناء رئاسة أحمدي نجاد، بأن يستفيد من العقوبات الدولية المفروضة على إيران. وبطبيعة الحال أدى التمكين الاقتصادي إلى نفوذ سياسي أكبر.

وفي ظل رئاسة أحمدي نجاد (2005-2013) تسلّل أعضاء الحرس الثوري الإيراني إلى مختلف جوانب الحكومة. فقد عُيِّن 12 عضوًا سابقًا في الحرس الثوري في حكومة أحمدي نجاد، ودخل عدد من الحرس البرلمان وحصلوا على مناصب حاكمة.

وقد حاول الرئيس روحاني منذ توليه السلطة عام 2013 تقليص النفوذ الاقتصادي للدولة العميقة. وفي أثناء حملة إعادة انتخابه عام 2017 وجه اتهامًا مباشرًا للكيانات المرتبطة بالدولة العميقة -بما في ذلك القضاء والحرس الثوري- بالفساد وسوء الإدارة، وحملهم مسؤولية عرقلة جهوده الإصلاحية الداخلية.

الحرس الثوري الإسلامي الإيراني

الأذرع الاقتصادية للدولة العميقة

يستعرض هذا الجزء من الورقة بإيجاز بعض المؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة العميقة، والتي سيطرت على جزء كبير من الاقتصاد الإيراني، ومنها:

  • الحرس الثوري الإسلامي: يقوم بالجزء الأكبر من أنشطته الاقتصادية من خلال المؤسسة التعاونية للحرس الثوري الإيراني وشركة خاتم الأنبياء للإنشاءات. فقد تأسست الأولى عام 1986 كمؤسسة غير ربحية يديرها مجلس أمناء يعينه المرشد الأعلى. وتعمل المؤسسة الآن في مجالات الإسكان والاتصالات وصناعة السيارات والخدمات المصرفية، وكذلك في القطاعات المالية والزراعية والصناعية والتعدين والغذاء. وتأسست شركة خاتم الأنبياء للإعمار عام 1989 بمرسوم من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية. وسرعان ما توسعت من إعادة الإعمار بعد الحرب إلى الصناعات البتروكيماوية، وصناعات التعدين، والزراعة، وإنتاج الآلات والمعدات الثقيلة، والاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، وسوق العقارات.
  • الباسيج: تمارس قوات الباسيج التابعة للحرس الثوري أنشطتها الاقتصادية من خلال مؤسسة الباسيج التعاونية ومنظمة الباسيج الإنشائية. فقد تأسست الأولى في عام 1996 كمنظمة غير ربحية تهدف إلى دعم أعضاء وقيادات الباسيج، والتعاون معهم في مجالات الثقافة والفنون والعلوم والتعليم والإسكان والقروض، وتوفير السلع الاستهلاكية والرعاية الصحية، وتكوين التعاونيات. أما منظمة الباسيج الإنشائية فقد تأسست عام 2000 بهدف تعبئة الشباب لأنشطة التنمية في المناطق المحرومة. وامتدت أنشطتها إلى الإسكان والصناعة والزراعة.
  • مؤسسة قوة إنفاذ القانون التعاونية (LEF): تعد الذراع الاقتصادية لقوة إنفاذ القانون، وبدأت أنشطتها عام 1996 بهدف تحسين مستويات المعيشة ورفاهية الموظفين، عبر أنشطتها في التنمية والبناء والخدمات والتكنولوجيا والتمويل والاستثمار.
  • المنظمة الاقتصادية الرضوية: تأسست عام 1997 بهدف تأمين موارد مالية دائمة للأنشطة الثقافية والاجتماعية للعتبة الرضوية. وقد توسعت أنشطتها الاقتصادية، وتنشط الآن في مختلف قطاعات الأعمال مثل صناعة الأدوية، وإنتاج الغذاء، وإنتاج السجاد، وتطوير صناعة البناء، والزراعة وتربية الحيوانات، وقطاع النفط والغاز، وتكنولوجيا المعلومات، والتمويل والاستثمار.
  • مؤسسة شؤون الشهداء والمحاربين القدامى: تأسست مؤسسة شؤون الشهداء عام 1979. ثم تحولت إلى الاسم الحالي بعد اندماجها في منظمة قدامى المحاربين الثوريين الإسلامية وهيئة شؤون المحاربين القدامى. وتنفذ أنشطتها الاقتصادية عبر صندوق ادخار الشهيد، ومنظمة كوثر الاقتصادية، وداي بنك. وتدير الحكومة المنظمة تحت إشراف المرشد الأعلى.
  • لجنة إغاثة الإمام الخميني: تأسست عام 1979 بهدف الإشراف على أنشطة الإغاثة المقدمة للفقراء، لكنها دخلت مؤخرًا المجال الاقتصادي، وانتقلت أنشطتها الاقتصادية تدريجيًّا إلى ما وراء هدفها الأصلي المتمثل في القضاء على الفقر. ويعين المرشد الأعلى مجلس أمناء اللجنة.

إجمالاً، أصبحت الدولة الإيرانية العميقة سمة رئيسة للجمهورية الإسلامية، وتحولت إلى شبكة من النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني ​​الذي اخترق المؤسسات الرسمية وغير الرسمية. ولأن شبكتها قد بُنيت على مدى عقود عديدة، فمن المرجح أن تستمر الدولة العميقة بعد خامنئي.

لكن يظل السؤال الرئيس: كيف ستتطور الدولة العميقة عقب وفاة خامنئي؟ فمع عدم وجود حزب مركزي يجمع الدولة، سيكون النموذج الروسي -وليس الصيني- هو الأكثر قابلية للتطبيق. وعلى الرغم من تمسك الدولة العميقة بالإيديولوجية الدينية، من المتوقع أن تُظهِر المرونة الأيديولوجية بعد رحيل خامنئي، من أجل التكيف مع الظروف الشعبية والديموغرافية المتغيرة.

 

المصدر
Sanam Vakil & Hossein Rassam, "The Iranian Deep State", Hoover Institution

عبد المجيد أبو العلا

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى