سياسة

حرب الكهرباء.. داعش يواصل خطة الاستنزاف الاقتصادي في العراق

شهدت غالبية المدن العراقية في بدايات من يوليو الحالي، انقطاعًا مفاجئًا في التيار الكهربي، نتيجة انهيار في شبكة الشركة الوطنية لـ الكهرباء عُدّ الأول من نوعه، منذ حرب الخليج الثانية التي اندلعت مطلع تسعينات القرن الماضي.

وبينما غرقت المدن العراقية في الظلام الدامس، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مسؤوليته عن استهداف أبراج الكهرباء، في بيانات إعلامية عدة نشرتها وكالة أعماق (ذراع التنظيم الدعائية)، موضحًا أن تلك الهجمات تتم ضمن حملة الاستنزاف الاقتصادي التي تستهدف الحكومة العراقية.

استنزاف داعشي شامل

لم يكن حديث داعش عن “حرب الكهرباء”، سوى تأكيد على استراتيجية الحرب الاستنزافية التي رأى التنظيم أن يتبعها منذ انهيار خلافته المكانية بسقوط قرية الباغوز السورية، في مارس 2019، فمنذ ذلك التاريخ أطلق التنظيم ما يسميه بـ”غزوات الاستنزاف المنسقة” التي تهدف لإنهاك خصومه لأطول فترة ممكنة، عن طريق اتباع أساليب حرب العصابات التي تقوم على مبدأ الكر والفر.

تفجير أبراج الكهرباء في العراق

وفي أبريل من نفس العام، خرج أبوبكر البغدادي، الذي كان يشغل وقتها منصب أمير التنظيم الإرهابي، في لقاء مرئي بعنوان “في ضيافة أمير المؤمنين“، ليدعو جنود وأنصار التنظيم في كل مكان لشن حرب استنزافية طويلة تستهلك المقدرات العسكرية والمالية واللوجستية لأعداء “الخلافة الداعشية”.

إقرأ أيضًا: مشروع الخلافة الداعشي: ما لم يمت لا يُبعث

ووجدت توجيهات “البغدادي” مكانًا للتطبيق داخل الساحة العراقية التي تضم آلاف من مقاتلي داعش الذين يتحركون بحرية، على حد وصف فلاديمير فورونكوف، مسؤول مكافحة الإرهاب التابع للأمم المتحدة، لكن خلايا التنظيم في العراق، ركزت بشكل لافت خلال العام الجاري، على استهداف منشآت الطاقة التابعة للحكومة العراقية، وشن هجمات متكررة ضد أبراج ومحطات الكهرباء في مختلف المناطق العراقية.

هجمات متواصلة

وتركزت الهجمات الداعشية في المناطق التي تنشط فيها خلايا التنظيم، وخاصة في محافظات المثلث السني (ديالى، وصلاح الدين، ونينوى، وكركوك، وشمال بغداد) بجانب مناطق في إقليم كردستان الخاضع للحكم الذاتي.

أبوبكر البغدادي

ويكشف تحليل إحصاءات العمليات الإرهابية المنشورة بصحيفة النبأ الأسبوعية الداعشية أن العراق هي ساحة العمليات المركزية لخلايا ومقاتلي التنظيم، إذ تُسجل مناطق العراق وحدها- في أغلب الأحيان- أكثر من نصف الهجمات الإرهابية التي يشنها التنظيم في أنحاء العالم.

قد يهمك: المُراقب عن “أسبوع الجماعات”: داعش يحارب أبراج الكهرباء.. وأزمة مالية للإخوان

ويعتمد التنظيم على استهداف مناطق الرخوة الأمنية، وضرب الهياكل الاقتصادية العراقية لزيادة الضغط على حكومة مصطفى الكاظمي حتى تنهار، وهو ما ذكرته صحيفة النبأ في أكثر من مناسبة.

واحتفى المتحدث الحالي باسم تنظيم داعش أبوحمزة القرشي، في كلمته الصوتية المنشورة أواخر الشهر الماضي، بالهجمات التي يشنها مقاتلو التنظيم في العراق، معتبرًا أنها حيَّرت الحكومة العراقية وأبقت القوات الحكومية مستنفرة طوال الوقت.

تكتيك الاستنفار المجهد

ومن الواضح أن التنظيم يطبق تكتيك الاستنفار المجهد ضمن حربه الاستنزافية، والذي يعني  إجبار العدو على الاستنفار طوال الوقت في جميع الأماكن والجبهات، عن طريق إشغاله بالعمليات الإرهابية، مع تغيير تواترها من حيث الزمن والشدة لإبقاء العدو في حالة صدمة وتشتيته لكي يصبح غير قادر على توقع مكان وزمان الهجمات المقبلة.

مقاتل من تنظيم داعش

للمزيد: تقارير الاستجواب التكتيكي.. هل تكشف النقاب عن زعيم داعش الغامض؟

ووفقًا لدراسة سابقة للواء الركن المتقاعد عماد علو، الخبير العسكري العراقي، فإن الاستنفار المجهد يعتمد على تقسيم مقاتلي داعش إلى خلايا ومفارز أمنية قليلة العدد، وتتوزع هذه المفارز داخل مناطق سيطرة الأعداء، وعلى خطوط الامداد والطرق الرئيسية، وتعمل وفق أسلوب حرب العصابات بحيث تُنفذ عمليات اغتيال وخطف وزرع عبوات ناسفة وسيارات مفخخة، إضافةً لاستهداف المواقع الاقتصادية والمحاصيل الزراعية وموارد الطاقة. 

عمليات منسقة

وفي سياق متصل، أشارت صحيفة النبأ الداعشية في عددها الأخير (294) إلى أن الهجمات الأخيرة التي استهدفت قطاع الكهرباء العراقي تمت ضمن ما يُسمى بـ”الغزوة الاقتصادية المنسقة” التي كلف زعيم التنظيم الحالي “أبوإبراهيم الهاشمي” مقاتلي التنظيم بتنفيذها.

قوات الأمن العراقية

ونقلت الصحيفة الداعشية عن مصدر وصفته بـ”المسؤول العسكري” أن هجمات التنظيم الأخيرة شملت استهداف قطاع الكهرباء بما يشمله من خطوط نقل التيار والمولدات والمحولات وغيرها، بجانب توسيع دائرة الاستهداف لتشمل قطاع النفط بما يشمله من مصافي وآبار نفطية ومحطات الغاز ومشاريع المياه الرئيسية في البلاد.

وأوضح القيادي الداعشي أنه جرى اختيار توقيت الهجمات الأخيرة لتتزامن مع موجة الحر الشديدة التي تمر بها العراق، لتعطيل المصالح الرسمية والاقتصادية في العراق، لمضاعفة العبء الملقى على كاهل حكومة “الكاظمي”.

محاولات حكومية لاحتواء الأزمة

وعلى الجهة الأخرى، قال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إن الاستهداف المتكرر لأبراج الطاقة الكهربائية في عدد من المحافظات، يؤثر في ساعات تزويد المناطق بالطاقة ويفاقم معاناة المواطنين، موجهًا قيادات العمليات المشتركة والأجهزة الأمنية والاستخبارية بالعمل على وقف الاستهدافات وحماية أبراج الطاقة وملاحقة الجماعات الإرهابية.

وعقب تصريحات “الكاظمي”، أعلنت قيادة العمليات المشتركة تخصيص قوات عسكرية مشتركة لتأمين خطوط نقل الطاقة الكهربائية التي تعرضت للاستهداف في الفترة الماضية.

مصطفى الكاظمي

وأضاف اللواء تحسين الخفاجي، المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة أنه جرى تشكيل غرفة عمليات ما بين القوات الأمنية ووزارة الكهرباء، مهمتها وضع الخطط لمراقبة وتأمين أبراج الطاقة وملاحقة من يقوم باستهداف الأبراج، مبينًا أن القوات المشتركة تضم مقاتلين من قوات الجيش والشرطة والحشد الشعبي والحشد العشائري.

توظيف الدرونز

ومن جانبها، أكدت وزارة الداخلية العراقية أن لديها خطط لتوظيف الطائرات المسيرة “الدرونز” في حماية خطوط نقل الطاقة في جميع مناطق العراق.

وقال المتحدث باسم الوزارة، اللواء خالد المحنا في تصريحات صحفية إن الوزارة تسعى لاستخدام الدرونز في حماية خطوط الكهرباء، ملمحًا إلى أن هناك تفاوض يتم حاليًا مع شركة صينية لتزويد العراق بالطائرات المسيرة التي يحتاجها، لغرض حماية الحدود وتأمين خطوط الكهرباء.

وعلى نفس المنوال، طرح خبراء عراقيون في مجال الطاقة فكرة الاستعانة بشركات متخصصة لتأمين خطوط الكهرباء مع توظيف الكاميرات الحرارية التي تستخدمها القوات الأمنية في البلاد، موضحين أن تكلفة استخدامها أرخص مقارنة باستخدام القوات العسكرية في عمليات التأمين.

أحمد معروف

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى