دراسات

حرب فرنسا على الإرهاب في الساحل والصحراء.. ذراع طولى لا تقطف ثمارًا

تبرز منطقة الساحل والصحراء كأحد الفضاءات الجيوسياسية المهمة بالنسبة للسياسة الفرنسية تجاه إفريقيا، نظرًا لجملة المصالح الاستراتيجية التي تعزز من النفوذ الفرنسي هناك، وأيضًا التهديدات الأمنية التي تشكل خطرًا واضحًا للأمن الأوروبي بشكل عام، وأمن فرنسا على وجه التحديد، لا سيما بسبب التقارب الجغرافي الذي يسمح بالهجرة غير الشرعية وعبور العناصر الإرهابية عبر البحر المتوسط إلى دول جنوب أوروبا. الأمر الذي دفع إلى انخراط فرنسي قوي في المنطقة منذ عام 2013، مُستغلةً حاجة دول الساحل إلى المساندة والدعم الخارجي في مواجهة التحديات التي تؤرقها، وعلى رأسها الإرهاب والتنمية.

ومع مرور ثماني سنوات على التدخل العسكري الفرنسي في المنطقة، تجد باريس نفسها أمام مفترق طرق بشأن جدوى حضورها العسكري في المنطقة، في ضوء فقر النتائج وعدم نجاحها في القضاء على الجماعات الإرهابية النشطة في دول الساحل.

لذلك، ترد الأنباء حول تخفيض مُرتقب للوجود العسكري الفرنسي في الساحل والصحراء، الأمر الذي يُعزِّز احتمالات تكالب قوى دولية وإقليمية لملء الفراغ الأمني في المنطقة، خاصةً أن التهديدات الأمنية لا تزال قائمة في الساحل وما يترتب عليها من تهديد للأمن الإنساني هناك.

أولًا: التحركات الفرنسية في منطقة الساحل

تأتي تحركات فرنسا في دول الساحل والصحراء مدفوعة بجملة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، تأتي على رأسها رغبة فرنسا في تعزيز نفوذها الدولي كقوة كبرى من خلال بوابة إفريقيا، بالإضافة إلى سعيها نحو تدعيم الاستقرار في منطقة غرب إفريقيا والساحل بهدف تأمين مصالحها الاقتصادية، المتمثلة في الاستفادة من الموارد الطبيعية للمنطقة (مثل اليورانيوم)، كما تسعى باريس إلى تعزيز دورها ونفوذها في نطاق الاتحاد الأوروبي باعتبارها حائط صد ضد موجات الهجرة غير الشرعية من إفريقيا، وكذلك الأمر بالنسبة لتزايد نشاطات الإرهاب في منطقة الساحل التي تمثل حاضنة للعديد من العناصر التي تُرهِب المجتمعات الأوروبية.

لذلك، سعت باريس إلى تعزيز حضورها العسكري في منطقة الساحل عبر عدد من المبادرات العسكرية تحت مظلة “الحرب على الإرهاب”.. كانت البداية مع عملية سيرفال التي انطلقت في يناير 2013 في شمال مالي بدعم أممي من مجلس الأمن الدولي، بعد استصدار القرار الأممي رقم 2085، وبناءً على طلب من الرئيس المالي السابق “موسى تراوري”، مما سمح للقوات الفرنسية بالتدخل العسكري من أجل استعادة حكومة مالي السيطرة على السلطة وتعطيل تقدم المتمردين نحو العاصمة “باماكو” والحيلولة دون إسقاط النظام الحاكم هناك.

ثم سرعان ما حلّت عملية برخان الفرنسية محل سيرفال في أغسطس 2014، بهدف توسيع الدعم لدول الساحل الخمس، وهي تضم حاليًا نحو 5100 جندي.

تجدر الإشارة إلى أن القوات الفرنسية تتمركز في منطقة الساحل في ثلاث قواعد رئيسية، هي العاصمة التشادية نجامينا التي تعتبر مركز القيادة الرئيسي، بالإضافة إلى مركزين آخرين، أحدهما في منطقة “غاو” بمالي، و“نيامي” بالنيجر.

وتوالت المبادرات الأمنية والعسكرية التي دعت إليها باريس ودعمتها خلال السنوات الأخيرة، حيث أطلقت كلا من فرنسا وألمانيا مبادرة من شأنها تأسيس “التحالف من أجل منطقة الساحل”، الذي انطلق في يوليو 2017، باعتباره آلية تنسيق بين الشركاء الدوليين البالغ عددهم 18 شريكًا بهدف تعزيز التعاون مع دول الساحل الخمس وتعزيز المساعدات الإنمائية لدول المنطقة، ودعم السلطات المحلية والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية وتنفيذ أكثر من 800 مشروعًا بقيمة 11.6 مليار يورو.

وفي أغسطس 2019 أيّدَ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنشاء الشراكة من أجل الأمن والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، والتي تستهدف تعزيز الجهود الأمنية في بلدان المنطقة، وزيادة التنسيق بين المجتمع الدولي والدول الإفريقية بالساحل.

وفي يناير 2020 أبدت فرنسا وبعض الحلفاء الأوروبيين نيتها تشكيل قوة عسكرية جديدة باسم “تاكوبا” تتكون من قوات خاصة إلى جانب جيوش دولتي مالي والنيجر بهدف مكافحة الإرهاب والجماعات الإرهابية في الساحل.

وقد أعلنت 10 دول أوروبية [1] إلى جانب ثلاث دول إفريقية في 27 مارس 2020 ببذل جهود لمكافحة الإرهاب [2]، وقد شرعت قوة تاكوبا في تقديم خدماتها في يوليو 2020 بعد نشر بعض القوات الخاصة الفرنسية والإستونية في المنطقة. [3]

ودعمت باريس تشكيل القوة المشتركة العابرة للحدود التي أعلن عنها رؤساء بوركينا فاسو ومالي وموريتانيا والنيجر وتشاد عام 2017 وأقرّها مجلس الأمن الدولي في يونيو من العام نفسه، وتبنى القرار أيضًا مجلس السلم والأمن الإفريقي.

وتتكون القوة المشتركة من 5000 عنصر بواقع سبع كتائب موزعة على ثلاثة أقاليم في الغرب والوسط والشرق في منطقة الساحل، فيما قدمت باريس الدعم السياسي في مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي لإنشاء بعثة الأمم المتحدة المتكاملة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي التي تستهدف دعم اتفاق السلام وحماية المدنيين ودعم الجهود المبذولة الرامية لإرساء السلام والاستقرار في البلاد، كذلك الأمر بالنسبة لبعثة الاتحاد الأوروبي العسكرية للإسهام في تدريب القوات المسلحة المالية، وبعثة الاتحاد الأوروبي للسياسة المشتركة للأمن والدفاع في النيجر، كما أعلنت باريس في إبريل 2019 عن شراكة “دينار” التي تهدف إلى مكافحة الاتجار بالبشر في منطقة الساحل الإفريقي.

وقد حققت العمليات العسكرية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة بعض الإنجازات، وهو ما كشفت عن بعضها وزيرة الجيوش الفرنسية في فبراير 2019 أمام لجنة الدفاع بمجلس الشيوخ الفرنسي خلال الفترة ما بين عامي 2016 و2019:

  • تشير الإحصاءات إلى أن فرنسا تنفق نحو 700 مليون يورو سنويًا على مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي.
  • شملت العمليات العسكرية الفرنسية في الساحل نحو 5700 جندي، بتكلفة 4.2 مليار يورو.
  • تمكنت القوات الفرنسية من قتل 1200 عنصر من العناصر الإرهابية، أبرزهم عبد المالك دروكدال، زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ويحيى أبو الهمام، الرجل الثاني في تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين المرتبط بتنظيم القاعدة، وأمادو كوفا، قائد كتيبة ماسينا في وسط مالي.
  • تحييد أكثر من 800 عنصر خلال الفترة من 2015 حتى عام 2018. [4]
  • ضبط كميات كبيرة من الأسلحة كل ثلاثة أشهر (2 طنّ من الأسلحة).
  • شن العديد من الغارات الجوية على مواقع التنظيمات الإرهابية في المنطقة خلال عام 2018.
  • دعم بعض جيوش المنطقة، مثل الجيش التشادي والجيش المالي، وذلك ضد التنظيمات الإرهابية من خلال التدريب والتأهيل لتلك القوات. [5]

وفي مؤشر للمساعي نحو تكثيف العمليات العسكرية ضد معاقل التنظيمات الإرهابية في المنطقة، بدأت فرنسا في 4 إبريل 2019 البدء في بناء قاعدة فرنسية جديدة في وسط مالي، وتعد القاعدة الأحدث في إطار عملية برخان الفرنسية التي تتخذ من تشاد مقرًا رئيسيًا لها.

وستركز القاعدة عملياتها على الشريط الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، لتكون القاعدة الرئيسية للعمليات في منطقة “جورما”، وهي الواقعة جنوب نهر النيجر وتمتد على أجزاء من مناطق غاو وتمبكتو وموبتي، وتشهد تهديدات إرهابية نشطة نظرًا لكونها ملاذا للتنظيمات الإرهابية التي تستغل الغابات للاحتماء بها على طول حدود بوركينا فاسو. [6]

ولم تغفل باريس المقاربة التنموية في الساحل والصحراء إلى جانب المقاربة الأمنية والعسكرية وأن يظل الاهتمام الأكبر بالأخيرة. فقد أعلن كريستوف بيجو، المبعوث الفرنسي إلى منطقة الساحل، أن فرنسا قد قدّمت 440 مليون يورو بنهاية عام 2019 لمنطقة الساحل من أصل 500 مليون يورو قد التزمت بها في 2018، وقد قدمت باقي الالتزام (60 مليون يورو) خلال عام 2020 بالفعل.

وتهدف فرنسا من وراء هذه المبالغ إلى تمويل مشروعات جديدة في المنطقة تصل إلى 40 مشروعًا يتم تنفيذها حتى عام 2021. [7]

واضطلعت البعثات الدبلوماسية الفرنسية لدى دول الساحل ودول الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية بجهود ملحوظة فيما يتعلق بتقديم الدعم المالي والبشري لدول المنطقة، ففي مؤتمر بروكسل في 2018 تم جمع نحو 414 مليون يورو لصالح القوة المشتركة التابعة لدول الساحل الخمس، كما تُموِّل فرنسا من خلال مركز الأزمات والمساندة، التابع لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية، 12 مشروعًا لتحقيق الاستقرار في المنطقة عبر عدد من المجالات مثل عمليات نزع الألغام وتعزيز المواطنة وتدريب الموظفين.

وتقدم الوكالة الفرنسية للتنمية وبعض الوكالات التنفيذية الأخرى الدعم لمشروعات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لخدمة المواطنين في دول الساحل، وذلك بشأن الخدمات الأساسية مثل المياه والطاقة والتعليم والخدمات الصحية والسعي نحو خلق بيئة مهيأة لهم [8]، كما وقّعت فرنسا عددا من اتفاقيات التعاون مع دول المنطقة بهدف تعزيز الاستثمارات والتعاون الاقتصادي بين الطرفين، مثل اتفاقية منحة مع موريتانيا في مايو 2019 بقيمة 11.85 مليون يورو.

ومع ذلك، ترغب باريس في إعادة تقويم استراتيجية القوات الفرنسية لمحاربة الإرهاب في الساحل، وهو ما عبّر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي طالب خلال انعقاد أعمال قمة الناتو في ديسمبر 2019 قادة دول غرب إفريقيا، بتوضيح موقفهم من العملية العسكرية الفرنسية في منطقة الساحل في ضوء موجات الرفض الشعبي للوجود الفرنسي والاتهامات الموجهة له بانتهاكات لحقوق الإنسان [9].

وقد جاءت قمة “باو” التي استضافتها فرنسا في يناير 2020، لتعكس أن قوة برخان لم تعد قادرة على احتواء التهديدات الإرهابية في الساحل والصحراء، ما دفع فرنسا إلى إرسال وفود عسكرية إضافية للحاق بالقوات الفرنسية في منطقة الساحل بلغ عددها نحو 820 منذ عام 2020، وإن كانت تلك التعزيزات لم تُحرز نتائج متقدمة في الحرب على الإرهاب. [10]

ثانيًا: الإخفاقات وطبيعة التحديات

برغم نجاح عملية سيرفال العسكرية التي أطلقتها فرنسا في 2013 في طرد العناصر الإرهابية من شمال مالي وتحجيم نشاطهم بشكل نسبي، فإن عملية برخان التي تلتها قد شهدت بعض الانتكاسات المتكررة منذ انطلاقها في أغسطس 2014:

  • خسرت القوات الفرنسية نحو 50 جنديًا منذ عام 2013.
  • أخفقت في تطهير المنطقة من العناصر الإرهابية، برغم مساندة قوات عسكرية تابعة للاتحاد الإفريقي ووصول دعم عسكري من دول أوروبية، ناهيك بالوجود العسكري الأمريكي عبر قواعد عسكرية جوية للطائرات دون طيار في النيجر.
  • تحوّلت منطقة الساحل إلى ساحة مفتوحة لمواجهة مباشرة بين الجنود الفرنسيين ومقاتلي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
  • أدى نشاط التنظيمات الإرهابية في بعض دول المنطقة مثل بوركينا فاسو ومالي والنيجر إلى ارتفاع معدل الوفيات بنسبة 62%، وفرار أكثر من مليون شخص من ديارهم خلال عام 2019 وفقًا لمنظمة الصليب الأحمر الدولية.
  • لقي أكثر من 4660 شخصًا مقتله خلال النصف الأول من عام 2020، وفقًا لبيانات موقع النزاع المسلح ومشروع بيانات الأحداث [11].
  • تزايد عدد الهجمات الإرهابية التي شهدتها دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ من 90 عملية في 2016 إلى 194 عملية في 2017، ثم تزايدت العمليات إلى 465 عملية خلال 2018. وتزايدت أعداد الضحايا جراء تلك الهجمات حتى وصل إلى 4000 قتيل خلال عام 2019. [12]

الأمر الذي شكّل ضغطًا حقيقيًا على باريس، ودفعها للبحث عن استراتيجية مغايرة لمواجهة الإرهاب في منطقة الساحل، خاصة بعدما أخفقت معظم المبادرات الأمنية في تحقيق تطلعات الشعوب الإفريقية في مجال مكافحة الإرهاب والحد من نشاط التنظيمات الإرهابية في المنطقة.

ومن ثَمَّ، تبرز العديد من التحديات التي تواجه الدور الفرنسي في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل والصحراء والتي ترتب عليها درجة من الإخفاق النسبي في القضاء على الإرهاب في الساحل خلال السنوات الماضية، للدرجة التي ربما تدفع باريس إلى إصدار قرار بتخفيض قواتها العسكرية في الساحل على غرار قرار الولايات المتحدة في ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في الوقت الذي تُصعِّد فيه التنظيمات الإرهابية من هجماتها في دول المنطقة، ما يُشكِّل تهديدًا واضحًا للأمن الإقليمي في المنطقة، لا سيما في دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، ومن ثَمَّ تهديد مصالح القوى الدولية في المنطقة، وفتح المجال أمام تمدد تلك التهديدات الإرهابية إلى مناطق جغرافية مجاورة مثل أوروبا.

وتتمثل أبرز تلك التحديات في:

  1. الممانعة الشعبية للوجود العسكري الفرنسي:

حيث يدفع التاريخ الاستعماري القديم لفرنسا في دول المنطقة نحو المزيد من شحن العداء الوطني والديني لدى شعوب المنطقة ضد القوى الأجنبية لا سيما فرنسا، وهو ما تستغله الجماعات الإرهابية في تجنيد المزيد من العناصر، فهناك قناعة لدى الكثيرين بأن لفرنسا مطامع عديدة في ثروات المنطقة، وأن سياستها تتسم بعدم الحيادية، وأنها تتدخل في الشؤون الداخلية لدول الساحل.

كما أن ثمة اعتقادا بأن فرنسا تدعم التنظيمات الإرهابية من أجل زعزعة استقرار دول المنطقة للضغط عليها واستغلال ضعفها لفرض سياستها.

وينظر البعض لقوة برخان الفرنسية على أنها قوة استعمارية، وهو ما أدى إلى نشوب العديد من التظاهرات ضدها في بعض دول المنطقة مثل مالي لعدة أشهر.

ففي مالي على سبيل المثال، هناك قطاع عريض لا يثق في قوة برخان الفرنسية، في مقابل نظرة إيجابية تجاه الجيش المالي، حيث يثق أربعة من كل خمسة ماليين في جنودهم للدفاع عن البلاد، وذلك وفق استطلاع رأي حديث شمل عينة قدرها 1200 شخص، كما أن هناك اتهامات لفرنسا بدعم “الطوارق” الانفصاليين من أجل تغيير الحدود ومن أجل هدف سعت إليه فرنسا منذ ستينيات القرن الماضي، وهو السيطرة على المناطق الغنية بالثروات في المنطقة. [13]

  1. ضعف التحالف الإقليمي لمحاربة الإرهاب:

تضاعف الإنفاق العسكري في العديد من دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة، تحت بند “مكافحة الإرهاب”، وذلك في الفترة من 2013 إلى 2018، حيث تضاعفت ميزانية مالي العسكرية من 132 مليون دولار إلى 495 مليون دولار، والنيجر من 91.6 مليون دولار إلى 230 مليون دولار، وبوركينا فاسو من 142 مليون دولار إلى 312 مليون دولار [14]، إلا أن دول المنطقة لا تُعتبر حليفًا قويًا يمكن الاعتماد عليها من قبل فرنسا، بسبب ضعف القدرات القتالية لمعظم جيوش المنطقة، ونشوب الخلافات في بعض الأحيان بين تلك الأطراف، مما يعرقل الجهود المبذولة في هذا الصدد.

  1. نشاط التنظيمات الإرهابية في المنطقة:

تحولت منطقة الساحل إلى ساحة تنافس بين التنظيمات الإرهابية، لا سيما القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، حيث يسعى التنظيمان وحلفاؤهما إلى إعادة السيطرة على شمال مالي، ومنها إلى منطقة الساحل الممتدة من موريتانيا غربًا إلى إقليم دارفور السوداني شرقًا، وتوجيه ضربات انتقامية إلى القوى الدولية الفاعلة في المنطقة.

وهناك العديد من العوامل التي تخدم أهداف هذه الجماعات، منها: ضعف جيوش دول الساحل، واتساع النطاق الجغرافي للمنطقة، ومعاناة سكانها من الفقر وانتشار التهريب والجريمة المنظمة [15]، حيث تحولت منطقة الحدود الثلاثة المشتركة بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى معقل جديد لتنظيم داعش بعد تراجعه في العراق وسوريا وليبيا خلال السنوات الأخيرة، إذ استغل حالة الفراغ الأمني في تلك المناطق ليُعزِّز نفوذه. ويسعى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إلى تأسيس إمارة له في منطقة الساحل من خلال خلق شبكة من التحالفات والعلاقات مع التنظيمات المحلية، مثل كتائب ماسينا وأنصار الدين، لكي يمتد نفوذه لما وراء نهر النيجر، فقد أشارت بعض التقارير الاستخباراتية الفرنسية إلى أن تنظيم القاعدة في منطقة الساحل بصدد التوسع في خليج غينيا، لا سيما في كوت ديفوار وبنين.

  1. ضعف التمويل والتراجع الأمريكي والتردد الأوروبي

تُشكِّل الأعباء المالية عائقًا على خزينة الدولة الفرنسية التي أضحت تبحث عن دعم دولي وأوروبي من أجل تقاسم أعباء الحرب على الإرهاب المادية واللوجستية، حيث يمثل عدم توافر الموارد المالية عائقًا حقيقيًا أمام جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر في منطقة الساحل والصحراء. [16]

لذلك، سعت فرنسا إلى استقطاب العديد من الدول الأوروبية للإسهام في مكافحة الإرهاب في الساحل، انطلاقًا من اعتقادها بأن أوروبا يجب ألا تدع منطقة الساحل تسقط في أيدي الجماعات الإرهابية [17]، إلا أن دول أوروبا تخشى من تداعيات التورط في مستنقع الساحل الذي يشهد أزمة أمنية معقدة، كما لم تستطع باريس إقناع واشنطن بالانخراط بشكل أكبر في الحرب على الإرهاب في الساحل خلال ولاية ترامب، وتقاسم أعباء الحرب المادية واللوجستية والعسكرية معًا، وهو ما دفع فرنسا إلى التوجه نحو شركائها الأوروبيين لتقديم الدعم المالي والعسكري لها في الساحل، وهو ما تمخض عنه الإعلان عن تشكيل قوة تاكوبا في يناير 2020، وإن لم تستجب سوى دول السويد والتشيك وإستونيا.

  1. الدور المناوئ لبعض القوى الدولية ضد فرنسا:

ندد ماكرون في يناير 2020 بالممارسات المُناهِضة للوجود الفرنسي، والتي تتورط فيها بعض القوى الأجنبية -التي لم يُسمها- لتحقيق أهدافها. وإن كانت بمثابة إشارة غير مباشرة لـ”روسيا”، التي تواجه اتهامات بتورط شبكات تابعة لها في الدعوة للتظاهرات المناهضة للحضور الفرنسي، ورفع بعض الشعارات المؤيدة لروسيا [18].

فـ”موسكو” تسعى لتعزيز نفوذها في المنطقة للمزيد من الانخراط هناك، من خلال إبرام اتفاقات التعاون العسكري مع بعض دول المنطقة مثل مالي في 2019، وتمركز بعض عناصر مجموعة فاغنر الروسية في باماكو لأهداف أمنية وعسكرية واستراتيجية. [19]

ثالثًا: مستقبل الدور الفرنسي في مواجهة الإرهاب

حتى الآن لم تستطع باريس تلبية التوقعات الإفريقية والدولية في مسألة الحرب على الإرهاب في الساحل، فلا تزال التنظيمات الإرهابية تُعزِّز من حضورها في المنطقة كموطن أساسي لها خاصة تنظيم داعش بعد خسارته العديد من مناطق نفوذه في الشرق الأوسط.. الأمر الذي يُصعِّب مهمة فرنسا خلال الفترة المقبلة في مواجهة تصاعد نشاط تلك التنظيمات، لا سيما أن استجابة الشركاء الدوليين غير كافية.

ومن ثَمَّ، تقف باريس عاجزة عن مواجهة الإرهاب وحدها في الساحل، وبالرغم من تهديدها بالتراجع وخفض أعداد قواتها في المنطقة، فإنه من غير الوارد أن تخسر فرنسا نفوذها القوي في غرب إفريقيا والساحل لصالح قوى أخرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا، لكنها تحاول ممارسة بعض الضغوط على الدول الأوروبية لضمان الحصول على دعم مادي ولوجستي في حربها هذه، وتقليل خسائرها المادية التي تكبدتها طوال السنوات الثماني الماضية.

وبشكل عام، تظل المقاربتان الأمنية والتنموية معضلة قائمة في سياسات القوى الدولية تجاه الحرب على الإرهاب في إفريقيا، فلا يزال هناك اعتماد كبير على المقاربة الأمنية على حساب العامل التنموي، الذي لم يحقق الأهداف المرجوة منه خلال السنوات الماضية.

وعليه، تظل الحاجة ضرورية للتوجه لتفعيل عوامل الدعم السياسي والمبادرات الاقتصادية والتنموية إلى جانب العامل الأمني والعسكري، بهدف معالجة الأسباب الجذرية لظاهرة الإرهاب في قارة إفريقيا ككل.

المراجع

1. هذه الدول هي بلجيكا، التشيك، الدنمارك، إستونيا، ألمانيا، هولندا، النرويج، البرتغال، السويد، المملكة المتحدة.

2. شيماء محيي الدين، الوجود العسكري الفرنسي ومكافحة الإرهاب في الساحل: ماذا بعد برخان؟، مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، 4 إبريل 2020، متاح على: https://pharostudies.com/?p=4146

3. أنشطة فرنسا في منطقة الساحل، الدبلوماسية الفرنسية، متاح على: https://www.diplomatie.gouv.fr/ar/politique-etrangere-de-la-france/securite-desarmement-et-non-proliferation/terrorisme-l-action-internationale-de-la-france/article/l-action-de-la-france-au-sahel

4. حصيلة التدخل العسكري الفرنسي في الساحل بعد 8 سنوات، مركز الصحراء للدراسات والاستشارات، متاح على: https://essahraa.net/node/22075

5. Olivier Fourt, Au Sahel, Barkhane veut maintenir la pression sur les groupes jihadistes, RFI, 28/02/2019, voire-la’: https://www.rfi.fr/fr/afrique/20190228-sahel-barkhane-maintient-pression-groupes-jihadistes

6.فرنسا تشيد قاعدة عسكرية جديدة بمالي، مركز الصحراء للدراسات والاستشارات، متاح على: https://essahraa.net/node/7276

7.مسؤول فرنسي: صرفنا 440 مليون يورو لمشاريع في الساحل، مركز الصحراء للدراسات والاستشارات، متاح على: https://essahraa.net/node/10968

8. أنشطة فرنسا في منطقة الساحل، مرجع سبق ذكره.

9. القوات الفرنسية في منطقة الساحل ضحية لحملة من الشائعات “الجنونية”، مركز الصحراء للدراسات والاستشارات، متاح على: https://essahraa.net/node/12906

10. L’enlisement français au Sahel, The Conversation, 19/1/2020: https://theconversation.com/lenlisement-francais-au-sahel-130111

11. فرار مليون شخص من منازلهم بسبب العنف بالساحل الإفريقي ونسبة الوفيات تصل إلى 62%، مركز الصحراء للدراسات والاستشارات، متاح على: https://essahraa.net/node/19689

12. شيماء محيي الدين، مرجع سبق ذكره.

13. Marc-Antoine Pérouse de Montclos, La France dans la tourmente au Sahel, Le Point Afrique, 14/01/2021, au: https://www.lepoint.fr/afrique/la-france-dans-la-tourmente-au-sahel-14-01-2021-2409625_3826.php

14. Jeune Afrique: الساحل: تحدي الجمع بين الاستعجالي والمستدام، مركز الصحراء للدراسات والاستشارات، متاح على: https://essahraa.net/node/8135

15. فرنسا تحشد حلفاءها لمواجهة أوحال الساحل الإفريقي، مركز الصحراء للدراسات والاستشارات، متاح على: https://essahraa.net/node/15080

16. Quatre ans après sa création : Le G5 Sahel toujours dans la panade !, Mali web, 8/2/2019, au: https://www.maliweb.net/armee/quatre-ans-apres-sa-creation-le-g5-sahel-toujours-dans-la-panade-2801394.html

17. Sahel: les chefs d’état-major français et britannique main dans la main, RFI, 23/03/2019, voire-la’: https://www.rfi.fr/fr/afrique/20190322-sahel-chefs-etat-major-francais-britannique-main-main-barkhane

18. الساحل الإفريقي… نهاية مرحلة الترحيب بفرنسا، مركز الصحراء للدراسات والاستشارات، متاح على: https://essahraa.net/node/12290

19. Sahel : Macron dénonce des « puissances étrangères » alimentant le discours antifrançais, AFB, 14/1/2020,

https://www.20minutes.fr/monde/2694315-20200114-sahel-macron-denonce-puissances-etrangeres-alimentant-discours-antifrancais

أحمد عسكر

باحث مختص في الشأن الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى