سياسة

حرق وثائق تونس.. مَنْ يُدير “اللعبة”؟

في الثامن والعشرين من يوليو الماضي، وسط ما يشهده المجال السياسي في تونس، حذَّر الرئيس التونسي قيس سعيد، من مغبة اتلاف مستندات ووثائق تتعلق بالأموال العامة المنهوبة من الدولة، داعيًا المتورطين إلى الجنوح للصلح بدلًا من مواجهة السجن.

لم يمر سوى يوم واحد على تصريحات “سعيد”، حتى سارع الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد)، إلى دعوة جميع الهياكل النقابية في المحافظات والمؤسسات إلى تأمين سلامة مؤسّساتهم، ومنع أي تلاعب بأرشيفها ووثائقها وممتلكاتها، وقطع الطريق أمام من يبيّت لتونس شرًا.

دعوة الاتحاد العام للشغل، تلاها بيانًا شديد اللهجة أصدرته مؤسسة الأرشيف، التابعة لرئاسة الحكومة، تُحذر فيه من محاولات التلاعب والسعي لاتلاف الوثائق والمستندات؛ كونه “لا يزيل آثار الفساد”، وأكدت في الوقت نفسه أن تقنيات تقفي الأثر قادرة على إثبات أي عملية للتلاعب، باعتبار أن مُعاملات “الداخلية” تخضع إلى شبكة مترابطة غير مُنفصلة.

المؤسسة ذاتها، أعلنت أنها بدأت في جمع البيانات والمعلومات المُتعلقة بإتلاف وثائق رسمية، مُناشدة جميع موظفي الدولة إلى حماية الوثائق الإدارية من الإتلاف أو الإخفاء، وسط انتشار تقارير عن محاولات إتلاف وثائق تُدين وجوه حزبية وسياسية بالفساد.

وكان الرئيس التونسي قد أقال رئيس الحكومة هشام المشيشي، في الخامس والعشرين من يوليو، وجمَّد اختصاصات البرلمان الذي يرأسه راشد الغنوشي زعيم حركة “النهضة” لمدة 30 يومًا، ورفعَ الحصانة عن النواب، وترأس النيابة العامة، وذلك عقب اجتماعه بقيادات أمنية وعسكرية، على خلفية احتجاجات شعبية في محافظات عديدة طالبت بإسقاط المنظومة الحاكمة بكاملها، واتهم المتظاهرون الحكومة والأحزاب السياسية بالفشل جراء تفشي جائحة كورونا، والتسبب بأزمات سياسية واقتصادية تضرب تونس.

بيان مؤسسة الأرشيف الوطني التونسي

تُهمة تُلاحق السياسيين

أثارت هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي (اُغتيل الأول بالرصاص أمام منزله في 6 فبراير 2013، والثاني في 25 يوليو من العام نفسه)، جدلًا واسعًا بإعلانها في أكتوبر عام 2018، وجود مساعٍ لقيادات أمنية وسياسية مُقربة من حركة النهضة بهدف العبث بوثائق موجودة فيما يُسمى بـ “الغرفة السوداء” بوزارة الداخلية، والتي تحتوي على وثائق مُهمة حول ما يُعرف بـ”التنظيم السري” لحركة النهضة بعد الثورة.

حَمَّلت الهيئة في بلاغها، وزير الداخلية، كامل المسؤولية في حالة المساس بمحتويات “الغرفة السوداء” دون إذن قضائي، وحذرته من إتلاف أي وثيقة منها بالملاحقة القضائية داخل تونس وخارجها باعتباره مشاركًا في الجريمة الأصلية.

الهيئة أشارت إلى أن محتويات “الغرفة السوداء” خضعت خلال عام 2015 إلى عملية جرد، وأن أي اتلاف لوثائقها يُعد جريمة يُعاقب عليها القانون، كما أدانت سعي حزب حركة النهضة إلى الضغط على بعض القيادات الأمنية السابقة والحالية بهدف ثنيهم عن الإدلاء بشهادتهم متى طُلب منهم ذلك قضائيًا.

وفق تقارير صحفية تونسية، يرجع تحكم أعضاء الإخوان في مواقع النفوذ من وزارات ومؤسسات إلى عام 2011، حيث كانت “النهضة” الطرف الرئيسي في المجلس التأسيسي، وكان من المفروض كتابة الدستور في غضون سنة فقط غير أنها مددته في فترة حكم الترويكا (النهضة، والمؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات)، لـ3 سنوات تمكنت من خلالها تنصيب الموالين لها في كل مفاصل الدولة وفي كل المؤسسات خاصة بعد تشغيل أصحاب العفو التشريعي.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يُتهم فيها شخصيات من “النهضة” بالسعي لاتلاف وثائق رسمية تخص الدولة.

يشير تقرير صادر عن المُنظمة التونسية للأمن والمواطن (مُنظمة غير ربحية)، سلمته إلى مجلس النواب التونسي في نوفمبر عام 2017، إلى ضلوع “مُصطفى خذر” المُقرب من حركة النهضة في سرقة وثائق إدارية ورسمية تخص الوضع الأمني للبلد، وتسليمها إلى أحد العناصر المُتشددة.

ويقضي “خذر” عقوبة السجن 8 سنوات لاتهامه في قضايا يتعلق بعضها بإخفاء واتلاف وثائق تمس أمن الدولة، بعدما أبلغت عنه سيدة في ديسمبر عام 2013، واتهمته بإخفاء آلة كبيرة الحجم داخل عقار منعها من دخوله، واثبتت التحريات ضلوعه في صنع تلك الآلة المُثبت بها محرك ميكانيكي يستعملها لإتلاف الوثائق مع صديق له يدعى عبد العزيز الدغزني.

وبحسب رضا الرداوي، عضو هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي، فإن “الدغزني” وهو صهر راشد الغنوشي “زوج ابنة أخيه سميرة الغنوشي”، ضالع في اتلاف وثائق تُدين حركة “النهضة”.

النهضىة
اتهامات لحركة النهضة بالسعي لإتلاف الوثائق التونسية

وسيلة للهروب من العقاب

واجهت بلدية العامرة التابعة لولاية صفاقس (تضم في مجلسها 24 عضوًا منهم 14 من حركة النهضة)، اتهامات بتعمد حرق أرشيف ووثائق تخص البلدية، في الـ 28 من يوليو الماضي، بعدما تم القبض على شخص يحرق وثائق بالقرب من المكان.

رئيس البلدية المنتمي لحركة النهضة شكري لشطر، خرج ببيان يقول فيه إن المعلومات المُنتشرة الهدف منها “بث الفتنة”، لكنه قال في الوقت نفسه إن المحتويات والوثائق التي تم حرقها واتلافها قرب مستودع البلدية هي “مسودات عادية” من مشمولات كاتب عام البلدية وغير مختومة من قبل رئيس البلدية.

تلك الأجواء المُلبدة بالاتهامات حول “اتلاف وحرق الوثائق” دفعت وزارة العدل، في نفس اليوم الذي أصدر فيه قيس سعيد تحذيراته بشأن وثائق الدولة (28 يوليو 2021)، التأكيد أنها حريصة كل الحرص على حفظ جميع الوثائق والملفات طبقًا لمقتضيات القانون؛ وذلك بعد انتشار معلومات تُفيد بالعثور على علب أرشيف لوثائق تابعة للوزارة مُلقاة على مقربة من مقره.

وشهد نهاية العام الماضي وتحديدًا في 23 ديسمبر 2020، جدلًا واسعًا داخل الحكومة بعدما وجه القيادي بالتيار الديمقراطي والنائب عن الكتلة الديمقراطية بالبرلمان نعمان العش، استغاثة عاجلةً بشأن ما وصفه بـ “جريمة” يتم ارتكابها في الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات التابعة لوزارة الشؤون المحلية والبيئة.

وقال “العش”، إن عمليات إتلاف تحصل لوثائق هامة تمثل قرائن جدية على جرائم وتجاوزات مرتبطة بملفات بيئية قد تكون لها علاقة أيضًا بملف توريد النفايات ويتورط فيها مسؤولين كبار، داعيًا النيابة العمومية إلى سرعة التحرك.

جاءت استغاثة “الغش” بعد يوم واحد من توجيه رئيس الحكومة هشام المشيشي، خلال اجتماع مع رؤساء الهياكل الرقابية العليا للدولة بقصر الحكومة بالقصبة، إلى الانطلاق في مهمة تدقيق شاملة ومعمقة لوزارة البيئة والشؤون المحلية وللمنشآت والمؤسسات التابعة لقطاع البيئة، وذلك بعد إجراء مسح لكافة التقارير الرقابية السابقة التي شملت القطاع خلال السنوات الأخيرة؛ للوقوف على مدى الالتزام بملاحظاتها وبتوصياتها.

اللقاء الحكومي الذي عُقد في إطار ما وصفه المسؤولون بالدولة في بيانهم بـ “المقاربة الموضوعية الشاملة لمعالجة ملفات الفساد وسوء التصرّف في بعض القطاعات الحيوية بالبلاد”، نُظمَ بعد أسبوع من إقالة فيصل بالضيافي، المدير العام للوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، في أعقاب ما عُرف بـ “فضيحة النفايات الإيطالية”، تلاه بعدة أيام قرار آخر بإقالة وزير البيئة التونسي.

وفي بيان اتسم بالوضوح والشفافية، أكدت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس، ثبوت عمليات اتلاف غير قانونية للأرشيف وبيع وثائق غير معدة للإتلاف دون احترام مدد حفظ الأرشيف الوسيط المنصوص عليه بجدول مدد الاستيفاء الخاص بكل مؤسسة حسب ما يقتضيه القانون رقم 95 المؤرخ في 2 أغسطس 1988.

وأشارت الهيئة إلى صدور أحكام قضائية بإدانة مسؤولين إداريين بالسجن في سنتي 2014 و2015 بسبب الاتلاف اللاقانوني للأرشيف في بعض الوزارات والإدارات.

الرئيس التونسي قيس سعيد حذر من المساس بالوثائق

2011.. عام اتلاف الوثائق

أكوام من الوثائق الخاصة بوزارة الداخلية التونسية تم التخلص منها عبر الإتلاف والحرق، وتحولت الفضاءات الخارجية للوزارة إلى محارق كبرى لوثائق تُعد بمثابة إدانة للعاملين في الوزارة خلال فترة حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وفق روايات شهود عيان للثورة التونسية عام 2011.

الروايات السابقة أكدها عبد الفتاح عمر، رئيس لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد في تونس، خلال تصريحاته (فبراير 2011)، بأن الشواهد الكثيرة التي توفرت لدى اللجنة تؤكد حدوث فساد كبير في إدارة الدولة في عهد زين العابدين، كما أشار إلى “اتلاف وثائق مُهمة” لعدد من المنشآت العمومية، وهو ما يُثير المسؤولية الجنائية لمرتكبيها.

اللجنة نفسها، أكدت في تقريرها حول الثورة التونسية وما تلاها من أحداث، تعمد اتلاف وثائق تخص الوكالة التونسية للاتصال الخارجي بإذن من مديرها المالي والإداري السابق (م.د.و) الذي وجه المدير العام بإتلاف جميع الوثائق التي تتعلق بالتعاملات والمحاسبات المالية مخالفًا الفصل 160 من المجلة الجنائية التونسية.

وخلال جلسة استماع بالبرلمان التونسي عام 2018، كشف كاتب نقابة الأمن الجمهوري التونسي محمد علي الرزقي، أن عام 2012 شهد إتلاف جميع الوثائق التي كانت بحوزة وزارة الداخلية التونسية والمُتعلقة بدخول أجانب إلى تونس.

تزامنت تصريحات “الرزقي” مع شهادته عن وجود أنفاق بين تونس وليبيا تم تجهيزيها لدخول وخروج الإرهابيين إلى بؤر التوتر، إذ قال إن نحو 400 جاسوس دخلوا التراب التونسي، خاصة خلال فترة حكم الترويكا، إضافة إلى 72 داعية دخلوا البلاد بينهم 9 صادرة في شأنهم قرارات منع دخول تونس منذ عهد الرئيس الأسبق بورقيبة.

و “يُعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها مائتان وأربعون دينارًا كل من يحرق أو يتلف بأي كيفية كانت دفاتر أو مسودات أو وثائق أصلية للسلطة العمومية أو رسومًا أو سندات أو أوراقًا تجارية متضمنة أو موجبة لالتزام أو تفويت أو إبراء”، وفق ما ينص عليه (الفصل 160) من المجلة الجنائية التونسية.

اقرأ أيضا: رحلة تحولات “النهضة التونسية”.. بين المصلحة السياسية وتأقلم الدعوة

محمود الطباخ

صحفي مصري، مُهتم بصحافة البيانات ومتخصص في قضايا الإسلام السياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى