دراسات وتحليلات

حركة طالبان.. رحلة القتال والحكم من “قندهار” إلى “مفاوضات الدوحة”

من الثورية إلى الاعتراف ثم الحظر والإرهاب وأخيرًا المفاوضات.. تُلخِّص هذه الكلمات رحلة حركة طالبان في أفغانستان، بدايةً من تشكلها من رحم الفوضى، التي أعقبت سقوط الجمهورية الأفغانية عام 1992، لتنجح بعدها بأربع سنوات في إعلان دولة الإمارة الإسلامية، لكن لم يمر كثيرًا حتى أعلنت الولايات المتحدة الحرب عليها، واحتلت أفغانستان عام 2001 وصنّفت طالبان كحركة إرهابية.

مع اشتداد القتال طوال عشرين عامًا وإعادة تفكير الحركة في نهجها، اضطرت واشنطن للدخول في مفاوضات مع الحركة، التي ربما نجدها السنوات المقبلة في سدة الحكم أو على الأقل شريكًا فاعلًا في دولة لم تعرف سوى حربًا تلو الأخرى منذ عقود.

في هذا الصدد، يحاول “توماس روتينج” عبر دراسته “هل تغيرت طالبان؟”، المنشورة بمركز مكافحة الإرهاب Combating Terrorism Center، الإجابة عن التساؤل الخاص بما إذا كانت حركة طالبان قد تغيرت فعليًا أم لا، من خلال استعراض مسار الحركة والتغيرات في ممارستها في أفغانستان على مدار العقدين الماضيين، في محاولة لاستشراف سياساتها المستقبلية بالداخل الأفغاني.

حركة طالبان
وفد طالبان في موسكو، مايو 2019

طالبان: حركة العصر الحجري

عام 1992، سقطت الجمهورية الأفغانية المدعومة من الاتحاد السوفييتي.. عانت أفغانستان من الفوضى وعدم الاستقرار، حتى ظهرت حركة طالبان عام 1994، في ولاية “قندهار”، لتسيطر على أجزاء كبيرة من الدولة، وتصل إلى العاصمة “كابول” عام 1996، مُعلنةً قيام “الإمارة الإسلامية” في أفغانستان.

أعلنت الحركة أنها تسعى لضبط الأمن وتطبيق الشريعة الإسلامية، وفي سبيل ذلك، اتخذت عدد من السياسات المتشددة، من قبيل: منع النساء من الدراسة أو العمل، وفرض البرقع، ومنع الموسيقى، وإعدام أجهزة التليفزيون وشرائط الكاسيت، ونشر الشرطة الدينية التي تولت مهام إغلاق المقاهي والمطاعم وقت الصلاة، وحشد الناس في المساجد، فضلًا عن تنفيذ مجموعة من الإعدامات العلنية.

امتد الأمر كذلك إلى المنظمات غير الحكومية، إذ أجبرتها الحركة على فصل الرجال عن النساء في مكاتب العمل، كما حاولت فرض السيطرة على منظمات المعونة الأجنبية، عبر نقل أماكن إقامتهم إلى السكن الجامعي المغلق للطالبات في جامعة كابول.

بالطبع، لاقت هذه السياسات رفضا كبيرا من سكان أفغانستان، خاصةً في كابول وقندهار، وكذلك الدول الغربية التي أطلقت على الحركة في الكثير من الأحيان “حركة العصر الحجري”. وحتى داخل الحركة، كانت هناك حركة مقاومة سرية بين مسئولي الحركة؛ حيث رفض البعض مثل هذه السياسات، وحاول البعض الآخر حماية المنازل والمدارس التي تديرها المنظمات غير الحكومية، كما وجهوا -في أحيانًا عدة- تحذيرات سرية إلى القائمين على إدارة هذه المنظمات، من خطط الحركة لاستهداف مكاتبهم.

استمر الأمر كذلك حتى عام 2001، حيث انهار حكم طالبان مع الغزو الأمريكي لأفغانستان، وانسحب مقاتلوها إلى الأراضي الباكستانية لتتخذ منها ملاذًا آمنًا وتُعيد تنظيم أوضاعها، وهو ما حدث بالفعل، حيث شنت حرب عصابات ضد القوات الأمريكية، ومهّدت لعودة الحركة عسكريًا، كما أضفت الشرعية على أعمالها مستغلة الفساد المستشري في أفغانستان.

استغلت طالبان أيضًا عمليات الاضطهاد الجماعي لمجتمعات “البشتون” من قبل القوات الحكومية الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة، على خلفية مواقفهم المؤيدة لطالبان، الأمر الذي أعاق محاولات الحكومة لإنشاء إدارة فعّالة في المناطق الخاضعة لسيطرة طالبان، ودفع مجتمعات بأكملها إلى الارتماء بأحضان الحركة.

على هذا النحو، استمرت محاولات الحركة للعودة وتنظيم نفسها حتى يونيو عام 2003، حيث شكّل الملا محمد عمر -قائد الحركة ومؤسسها- مجلس قيادة جديد لطالبان، لجمع كل فصائل الحركة تحت مظلة واحدة، واستمر الأمر هكذا، حتى عامي 2005 و2006، حيث أصبحت طالبان قوة لا يُستهان بها مرة أخرى في النصف الجنوبي من أفغانستان.

وابتداءً من 2009 حتى2010، امتدت سيطرة الحركة إلى الشمال، حيث وسّعت نفوذها بمناطق جديدة.

في مقابل تنامي نفوذ وقوة طالبان، سعت الولايات المتحدة لإنهاء الحركة عسكريًا، فزادت من عدد قواتها في أفغانستان بين عامي 2009 و2011، ومع ذلك لم تستطع القضاء عليها، فما كان منها إلا أن أعادت النظر في هذا النهج، ودخلت في محادثات سرية بينها وبين الحركة في الدوحة في الفترة من عام 2009 إلى 2014.

وفي عام 2018، بدأت محادثات “الدوحة 2” المباشرة بين الولايات المتحدة وطالبان، لإنهاء الحرب الأمريكية في أفغانستان.

وبالفعل وقّعت الولايات المتحدة والحركة في 29 فبراير 2020، اتفاقًا تاريخيًا في الدوحة يفتح الباب أمام انسحاب شامل للقوات الأجنبية من أفغانستان، وإجراء مفاوضات سلام بين الأطراف الأفغانية.

حركة طالبان
السفير زلماي خليل زاده والملا بارادار يوقعان اتفاقية السلام لأفغانستان في الدوحة، فبراير 2020

التحوّلات داخل طالبان

بالتزامن مع هذه التطورات، كانت هناك تطورات أخرى داخل حركة طالبان ذاتها، إذ أدركت أن سياساتها المتشددة كانت موضع رفض كبير من الأفغان، بما في ذلك أولئك الذين رحّبوا بالحركة في البداية، كما تسبّبت في عزلتها محليًا وإقليميًا، لذلك، عملت الحركة على تغيير سياساتها خارجيًا وداخليًا.

على المستوى الخارجي، تحوّل خطابها من حشد مُجاهدي الحركة في الدول المجاورة لمواجهة الولايات المتحدة في المنطقة، إلى التأكيد لأول مرة -في سبتمبر 2009- أن “الإمارة تريد علاقات جيدة وإيجابية مع جميع الجيران على أساس الاحترام والتعاون المتبادل”.

أمّا على المستوى الداخلي أو المحلي، فقد ظهر التغيير بالحركة في عدة مجالات رئيسية، جاء في مقدمتها الإعلام، وحقوق المرأة، والتعليم، والعلاقات مع المنظمات غير الحكومية، فضلًا عن مستقبل النظام السياسي في أفغانستان، الأمر الذي يمكن إيجازه فيما يلي:

  1. وسائل الإعلام والاتصالات:

كان هذا التغيير الأكثر لفتًا للانتباه في سياسات طالبان، إن لم يكن الأهم، فخلال فترة وجودها في السلطة قبل عام 2001، حظرت الحركة مشاهدة التليفزيون، وتواصلت مع السكان من خلال وسائل الإعلام المطبوعة والراديو، أو مباشرة وجهًا لوجه.

أمّا اليوم، فالحركة أصبحت أكثر براجماتية، واستفادت من مختلف وسائل الإعلام، من الراديو إلى مواقع الويب متعددة اللغات التي تعرض المواد المطبوعة والصوتية والمرئية، نتيجة عدم قدرتها للسيطرة على الانتشار السريع لوسائل الإعلام والإنترنت في أفغانستان.

وهكذا تراجعت الحركة عن سياستها القمعية تجاه الأشخاص الذين يشاهدون التليفزيون، لكن الحال ليست كذلك في الهواتف الذكية، والتي غالبًا ما تكون محظورة تمامًا على السكان، وكذلك مقاتلي الحركة لمنع تعقبهم.

  1. التعليم:

كان تقييد حقوق الفتيات سمة رئيسية لسياسة طالبان التعليمية في أثناء وجودها بالسلطة حتى عام 2001، حيث منعت تعليم الفتيات بعد سن البلوغ، وأغلقت المدارس، ولا سيما مدارس البنات، وحوّلتها إلى مدارس للبنين، كما منعت السكان من العمل كمدرسين.

أكدت الحركة كذلك أن “المسلمين الحقيقيين” يجب أن يدرسوا فقط مع “مدرس متعلم دينيا في مسجد أو مؤسسة مماثلة”، وأن الكتب المدرسية يجب أن تتضمن تعاليم الحركة، أمّا المدارس التي لا تستجيب لتعليمات الحركة، فأصدرت أوامر بحرقها.

أمّا خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبحت طالبان أكثر استجابةً لمطالب المجتمعات المحلية بإبقاء المدارس، بما في مدارس الفتيات، وازدادت معدلات الالتحاق بالمدارس، وبحلول عام 2012، كانت الحركة قد صاغت سياسة تعليمية أكثر مرونة داخليًا، ونسقت مع الحكومة بشأن التعليم، حيث وضعت ضوابط لكيفية عمل المدارس في مناطق نفوذها.

مع هذا، فقد وضعت الحركة قيودًا على المناهج الدراسية، ولم تسمح بتدريس “المواد الغربية” مثل العلوم الاجتماعية أو الثقافة أو اللغة الإنجليزية للفتيات، كما حاولت تجنيد مدرسين ليكون لديها مدرس واحد على الأقل في كل مدرسة يمكنه الإبلاغ عن زملائهم المعلمين وعن مدى تنفيذ إجراءات الحركة.

  1. العلاقات مع المنظمات غير الحكومية:

حتى عامي 2009 و2010 كانت طالبان تتبنى موقفا عدائيا تجاه المنظمات غير الحكومية، والتي تعد وفقًا لها “أدوات الكفرة”، حيث حظرت أنشطتها، وتغاضت عن قتل موظفيها.

أمّا بعد عام 2010 عملت الحركة على احتواء تلك المنظمات، فطالبتها بالتسجيل لدى سلطات طالبان المحلية، وأمرت بوقف عمليات قتل موظفيها، وعرضت في بعض الأحيان “الحماية اللازمة لهذه المنظمات للعيش والعمل وخدمة السكان المحليين”.

هدفت طالبان من هذا التحول الى عدم استعداء السكان المحليين الذين يعتمدون على الخدمات التي تقدمها المنظمات غير الحكومية، ومع هذا، فالأمر لم ينطبق على المنظمات الأمريكية والمشاريع التي تموّلها “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية” و”الجيش الأمريكي”؛ التي اعتبرتها شكلًا من أشكال الاحتلال غير العسكري للبلاد.

قادة حركة طالبان
محادثات طالبان وواشنطن بالدوحة أغسطس 2019

المرأة والحريات السياسية: تغييرات شكلية

في المقابل من هذه التغييرات في سياسات الحركة، كان هناك عدد من التغييرات الأخرى، وإن لم تكن بنفس القوة أو الوضوح، حيث يمكن اعتبارها تغيرات شكلية إلى حد كبير، جاء في مقدمتها:

  1. حقوق المرأة:

كان إقصاء المرأة الأفغانية من المجالات الاجتماعية والسياسية سمة رئيسية لحكم طالبان قبل عام 2001، لكن خطابها العام بشأن هذه القضية تغير إلى حد كبير، إذ وافقت في يوليو 2019، على ضمان “حقوق المرأة في الشئون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية” ضمن الإطار الإسلامي للقيم الإسلامية، كما تراجعت عن موقفها من البرقع، فأكدت أنه لا حاجة إلى البرقع الكامل وأن الحجاب يكفي.

لكن الملاحظ أن هذا التغييرات لم يتم ترجمتها في خطوات عملية واضحة، خاصةً فيما يتعلق بالإدماج الاجتماعي والسياسي للمرأة، باستثناء بعض التحسينات في تعليم الفتيات.

وقد تجلى ذلك أيضًا في هيكل الحركة ذاتها، إذ لا توجد نساء في فريق التفاوض الخاص بها في الدوحة، ولا توجد تقارير عن مشاركة نسائية نشطة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، الأمر الذي يشير إلى أن موقف الحركة من الدور الاجتماعي والسياسي للمرأة ما زال مُتحفِظًا ومُتناقضًا.

  1. النظام السياسي:

لم تتسم طالبان بقدر كبير من الوضوح فيما يتعلق برؤيتها لمستقبل النظام السياسي في أفغانستان، فلا توجد وثيقة -برنامج سياسي- تُحدد سياستها أو رؤيتها للنظام السياسي بعد إبرام اتفاق السلام.

مع هذا، فقد صرّحت الحركة مرات عديدة بأن هدفها السياسي العام هو “الحصول على استقلال البلاد وإقامة نظام إسلامي عادل على أساس تطلعات الأمة الإسلامية”، الأمر الذي يشير إلى رغبتها في عودة إمارتها لكن بشكل أكثر انفتاحًا.

بصفة عامة، حينما يتعلق الأمر بالمشاركة السياسية، فلا توجد أي مؤشرات على حدوث أي تغيير كبير في ممارسات الحركة عمّا قبل 2001، إذ لا توجد هيئات رسمية يمكنها التأثير على سياسات الحركة، ولا يجوز لوسائل الإعلام الأفغانية دخول المناطق التي تسيطر عليها طالبان إلا بإذن صريح من الحركة.

حركة طالبان
اجتماع لحركة طالبان

الضرورات السياسية تحكم سلوك الحركة

إن الممارسات الحالية للحركة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، تشير إلى وجود بعض التغييرات الملموسة في التعامل مع سائل الإعلام ونظام التعليم، والعلاقات مع المنظمات غير الحكومية، إلا أنها لا تشير إلى تغييرات إيجابية تجاه المرأة، أو الحقوق والحريات السياسية.

الواقع أن هذه التغييرات كانت نابعة إلى حد كبير من الضرورات السياسية، ولم تنجم عن تغيير حقيقي في أيديولوجية الحركة، التي ما زالت تأمل في استعادة السلطة وإقامة “الحكومة الإسلامية” الحقيقية.

هذه التحولات في خطاب الحركة، بمثابة مؤشر على سياساتها المستقبلية في أفغانستان، وما يمكن أن تقدمه من تنازلات أو تتّبعه من سياسات بعد التسوية. ويمكن القول هنا أن طالبان ستظل حركة دينية محافظة ولن تتخلى عن قيمها أو معتقداتها الأساسية.

وستسعى إلى تسوية يتم خلالها تقاسم السلطة مع الفصائل الأخرى، مستندةً في ذلك إلى قدراتها العسكرية، بعد أن صمدت بالحرب، وتحولت من طرف إرهابي منبوذ إلى طرفًا مقبولًا دبلوماسيًا في النزاع، وشريكًا في التفاوض.

إجمالًا، يمكن القول إن الحركة ستخضع للمساومة السياسية وعملية توازن القوى بين مختلف الأطراف السياسية، وسيعتمد استمرار بعض التغييرات في نهجها على قدرة المجتمع الأفغاني والقوى السياسية على مواصلة الضغط على طالبان، وهذا بدوره يعتمد على استمرار الاهتمام الدولي بأفغانستان.

المصدر

اقرأ أيضًا:

معضلة طالبان في المشهد الأفغاني

عودة طالبان وصعود داعش.. اتجاهات التطرف والإرهاب في باكستان

دينا حلمي

باحثة سياسية متخصصة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى