“حروب فاتنة”.. في الزمن الخاطئ

هند جعفر

كاتبة مصرية

يومًا ما قال الكاتب الأمريكي ومؤسس المجلة الأدبية الشهيرة “story” “ويت بورنيت”، لتلاميذه في جامعة كولومبيا: “لا أعتقد أن بإمكانكم كتابة قصة قصيرة جيدة دون أن تكون لديكم فكرة جيدة، والأفضل أن يكون لديكم شيء تقولونه دون بناء فني على أن يكون لديكم بناء فني دون شيء تقولونه”[1].

ومجموعة “حسن عبدالموجود” القصصية الثالثة “حروب فاتنة” التي صدرت طبعتها الأولى عن دار نشر “الكتب خان” المصرية عام 2018، تجمع بين الحسنيين السابقين؛ فالبناء الفني مُحكم في غالبية قصصها، وقبل كل شيء عند الرجل الكثير ليقوله.

عشر قصص قصيرة ضمَّتها المجموعة التي نجحت منذ أيام قلائل في اقتناص المركز الأول لـ”مسابقة يوسف إدريس للقصة القصيرة” التي يعقدها سنويًّا المجلس الأعلى للثقافة.

تنوعت الأصوات السردية لقصص المجموعة ما بين راوٍ عليم، وراوٍ مشارك في الأحداث، وغلب على أبطال “حسن عبدالموجود” معاناتهم مع واقعهم بشكل ما؛ بداية من الرفيق الشيوعي الذي طواه النسيان وقد كان النسيان هاجسه الأكبر، مرورًا بموظف مكتب الاتصال الذي سقط من ذاكرة الدولة وأصبح مثارًا للتندر من قِبل من يعرف طبيعة وظيفته، ورئيس التحرير الذي ما زال يحيا في زمن مضى شهد مجده الغابر، والأم التي تصر على تأكيد شرور جارتها عن طريق استخدام التكنولوجيا الحديثة، وهذا الشاب الذي يقضي غالبية وقته هاربًا نائمًا لا يحلم سوى بمحادثة وعناق مع واحدة من بطلات الرسام الإيطالي “أميديو موديلياني”؛ وكأنّ “حسن عبدالموجود” قد استدعى غالبية أبطاله من ثقب أسود سقطوا فيه يومًا ليدور بهم الزمن دورات مغايرة، فعادوا بعد ذلك بأفكار وهواجس من الماضي دفعتهم لخوض تجارب مختلفة.

في القصة الأولى التي يفتتح بها “عبدالموجود” مجموعته تحت عنوان “دراجة تُعيد رفيق الحزب القديم” يأتي “عبدالملاك” أو “تو” -كما درج الرفاق على مناداته- ليطرح على نفسه سؤالًا تأخر أعوامًا طويلة عن كنه “الضمير” الذي جعله رفيقًا مخلصًا لمبادئ حزبه، حريصًا على الفصل بين مشاعره وعمله.

ورغم تأكيد قادة الحزب على تذكيره دومًا بالضمير؛ إلا أنهم هم أول من أنكروه حين تناسوا تضحيات رفيقته التي قضت في حادث سير كما قضى غيرها من الرفاق، وكأنّ موتها وموت غيرها حدث طبيعي للغاية يحدث بشكل يومي ولا يستدعي التوقف عنده طالما أن هناك قضية كبرى ينبغي أن تعلو على كل شيء.

وحين يعتزل الرجل يتجلى له الضمير مرة أخرى في صورة عُهدة قديمة شاهدة على الماضي، على عنفوان العمل الحزبي، ونزهات المحبين وقبل كل شيء على الضمير، والعُهدة هنا دراجة عفى عليها الزمن كما عفى على أيديولوجيات آمن بها وتلاشت في الواقع. ورغم ضعف بصره الشديد الذي يجعله يميز الأشخاص بأحجامهم فقط، إلا أن بصيرته استنارت حين اكتشف أن النسيان الذي هابه دومًا قد ابتلعه كما ابتلع أفكار حزبه، وابتلع ذكرى غيره من رفاق ماتوا في سبيل المبادئ التي آمنوا بها.

واختيار الاسم الحركي “تو” ليس عشوائيًّا من جانب الكاتب، فهناك “تو” آخر مثَّل حيرة جيله حين أطل في رواية “فتحي غانم” الشهيرة “حكاية تو”، ولو أننا نملك سعة من خيال لقلنا إن بطل “غانم” قد ترك حلمه في العمل بفندق فلسطين في الإسكندرية وذهب ليعيش في القاهرة ويُكمل مسيرة أبيه، وقد تقاطعت طرقه بشكل أو بآخر مع “مونيكا” أو “هناء” ليطل علينا هذه المرة من خلال “حسن عبدالموجود”، ومن المؤكد أن “تو” هذه المرة أدرك أن المشكلة لم تكن في ضمير قتلة أبيه فقط، ولكنها مشكلة ضمير الرفاق أيضًا.

وفي قصة “غرف منسية” بطل مشابه لـ”تو” ولكن من نوع آخر، سلطوي متعنت، غارق حتى أذنيه في بيروقراطية لم يطالبه بها أحد وطالب بها هو نفسه؛ ما زال مخلصًا للوحدة المصرية السورية كما هو مخلص لزوجته المتوفاة، وقبل كل شيء مخلص لصورة الزعيم الذي توفي قبل عشرات الأعوام، الزعيم الذي تحول بمرور الزمن إلى تابو محرم لدى البطل لا يقبل أبدًا بإزاحته بعيدًا عن المشهد رغم توالي الزعماء عليه.

تحوّل الرجل بمرور السنوات لصورة مصغرة من زعيمه، هو أيضًا ديكتاتور صغير في عمله، مرهوب الجانب من مرؤوس وحيد يرافقه دائمًا، ولكن سلطته وسلطة الزعيم آخذة في التآكل بعد هزيمة مشروع الزعيم في الخارج، وفي داخل غرفة الاتصال حين وصلت “رغدة” بفتنتها العارمة.

ولا يختلف عنهما كثيرًا رئيس التحرير القديم بطل قصة “ضحكة التماسيح”، والعنوان يحمل سر القصة؛ فالضحكات هنا كاذبة مثلها مثل دموع التماسيح، الأولى في القصة تُطلق للضحك على الضحايا كما يذرف التمساح دموعه بعد أكل ضحاياه متلذذًا بمذاقهم، وإنْ كان بطلانا السابقان قد أفاقا في النهاية، إلا أن صاحب ضحكة التماسيح لا يزال أسير ماضيه، بل ويُقاتل ليفرضه فرضًا على جيل جديد له قوانينه الخاصة.

وفي “العرض الأخير” يتفجَّر حدث جماعي ضخم موازٍ لحدث فردي صغير، يحمل كلاهما نكهة ثورية على طريقته، فالرجل والمرأة اللذان اختارا عرض ما يقومان به أمام المساجين في فعل “حر” يقابله “إرهاب ومنع” ينفذه قائد السجن، وفي الخلفية ثورة تطال البلاد، وكأن لكل مواطن ثورته الشخصية.

باقتدار وبعيون بانورامية ترصد مشاهد للقاهرة في ليلة مفصلية، يصور “حسن عبدالموجود” فعاليات الحدث الثوري بعيون الشاب اللا مبالي ورفيقته “سيمون” التي يصفها البطل بأنها: “تسير على سحابة من الأفكار المجنونة”.

وفي ليلة العقرب التي تدور أحداثها في اليمن، يتناول “عبدالموجود” تجربة لامرأة سافرت إلى زوجها المُعار كمعلم في اليمن بحثًا عن لقمة العيش. والواضح أن البحث عن لقمة العيش جعل الزوج لا يفطن لنظرات رئيسه لزوجته، الرئيس هنا هو المبادر في كل شيء في استقبالها أثناء مرض الزوج، وفي التحرش بها، وفي إنقاذها حين تقع ويتكشف جسدها أمام الجميع، فلا تجد سوى قميصه يسترها في مفارقة غريبة مع بدء رجم القرود لثلاثتهم، والرمزية هنا لا تحتاج تفسيرًا.

ولعلّ أطرف قصص المجموعة هي “ماء العقرب وتراب العذراء” التي تحمل حسًّا صحفيًّا ساخرًا عن محرر صحفي لباب الأبراج يتلاعب ببابه الصحفي بغرض القرب من فتاة تعجبه تنتمي إلى برج العذراء، القصة تستند إلى الواقع رغم موضوعها الما ورائي الذي يُجاهد المحرر لجعله علميًّا وحقيقيًّا، ولكن الحب وحده يجعله يترك نفسه لغيظها يحركها كيفما شاء.

أما القصة التي حملت المجموعة عنوانها “حروب فاتنة” فبطلها مجند يراه قائده شابًّا غبيًّا، ولكن وإن حملت أفعاله ملامح الغباء إلا أن له أحلامه الخاصة، فهو يتوق لخوض غمار حرب واحدة يثبت فيها شجاعته للجميع وأولهم القائد الذي يحل محل الأب في الذكريات القديمة.

ولا ينفكّ المجند عن محاولة إظهار شجاعته في صورة قطرات من الدماء المتجلطة على ملابسه، أو في حرب عبثية يخوضها ضد الغربان التي تُعشش على الشجرة التي طلب منه القائد حراستها، ورغم بساطة المهمة إلا أن الغربان تنتصر وتهيل عليه الغائط، وتتركه في حال يُرثى لها، ويُهزم الشاب في حربه الوحيدة غير الفاتنة.

[1] نقلت هذه الجملة زوجته هالي بيرنت في كتابها الشهير “كتابة القصة القصيرة” والذي ترجمه أحمد عمر شاهين وصدر عن دار الهلال في عام 1996

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search