وجهات نظر

حريات غير حرة.. الحق في التعبير كـ”لعبة سياسية”

لا تزال النظرية الليبرالية وممارساتها على الأرض، والانتقادات التي طاوَلَتْها واحدة من أخصب المصادر في إنتاج معرفةٍ بالحريات وحدودها، ومن بينها حرية الكلام.

تبدو حرية الكلام للفكر الليبرالي على أنها تتحرك بين حدّين متناقضين: فالإنسان حرّ في أن يتكلم كما يشاء، لا يستطيع أحد أن ينتزع حريته في الكلام ما لم ينتزع حنجرته أو لسانه.

غير أنّ بمستطاع الدولة والأفراد الآخرين معاقبة هذا الإنسان بعد أن يكون قد قال ما قاله، الأمر الذي يجعله أقلّ حرية، أو يجعل ممارسته هذه الحرية أكثر صعوبةً وأشدّ كلفة.

ويتمثّل الحلّ الليبرالي لهذا التناقض في البحث عن حمايةٍ لحرية الكلام أو عن تنظيمٍ لها، لأنَّه من المستحيل إسكات إنسان قرّر أن يقدّم نفسه فداءً لما يريد قوله.

هكذا، تنشأ حرية الكلام سويةً مع محاولةِ وَضْعِ حدودٍ لها، وإنْ تكن حدودا خلافية.. فهي حرية لا بدَّ أن تكون محدودة لأنّها تجري على الدوام في سياق من القيم المتنافسة والمتصارعة.

بل إنَّ حرية الكلام لا تكون مطروحةً كمشكلة إلا حين تُضْفَى عليها قيمة رفيعة إزاء محاولة إعاقتها دفاعا عن قيمٍ أخرى منافسة، وهذا يعني أنَّ حرية الكلام ليست قيمة مستقلة بذاتها، وأنّه لم يوجد بعد ذلك المجتمع الذي تجري فيه هذه الحرية من دون تدخّل أو اعتراض.

في إطار محاولة الفكر الليبرالي تنظيم الحريات، التي رأى فيها ضرورةً لكرامة الإنسان ولو كان فردا واحدا إزاء المجتمع كلّه، كان مبدأ الضرر harm principle الذي يقضي بأنَّ الغرض الوحيد الذي يبرّر استخدام السلطة ضد أيّ عضوٍ في الجماعة المتمدّنة هو منع الإضرار بالآخرين، حيث يُعَرَّف هذا الإضرار بأنّه ذلك الفعل الذي يُلْحِقُ بحقوق الآخرين أذيةً مباشرةً واضحة وغير مشروعة.

وهذا يعني، بالنسبة إلى حرية الكلام، أنَّ الحدود المفروضة عليها هي حدود ضيقة جداً لأنَّ قلّة قليلة فحسب من أفعال الكلام هي التي يمكن إسناد الزعم بأنّها تُلحق ضرراً فعلياً وغير مشروعٍ بحقوق الآخرين، وإن كان يعني، في الوقت ذاته، أنَّ من الصعب الدفاع عن حرية الكلام ما إِنْ يتبيّن أنَّ ممارستها تضرّ مباشرةً وبصورةٍ غير مشروعة بتلك الحقوق.

بيد أنَّ أكثر الليبراليين يرون أنَّ مبدأ الضرر لا يستطيع أن يتحمّل كامل العبء الذي يقتضيه مبدأٌ للزَجْر العام، فهو يضع حدوداً واسعة جداً ولا يمنع بعض أشكال التعبير بالغة الإساءة.

هكذا كان مبدأ الإساءة offense principle الذي يطال أفعالاً كثيرة يمكن أن تنجو من حساب مبدأ الضرر. ومبدأ الإساءة هو مبدأ يأخذ في حسبانه كثيراً من العوامل حين يقرر تطبيق حدّ الإساءة على الكلام، مثل دوافع المتكلّم، وشدّة الإساءة، وعدد من أُسيئَ إليهم، ومصلحة المجتمع ككل… إلخ لكن العامل الحاسم هنا هو إمكانية تفادي المادة المسيئة أو تجنّبها.

وهذا يعني أنَّ مبدأ الإساءة لا يسمح، في النهاية، إلا بتدخّل محدود جداً في مجال حرية الكلام، على الرغم من أنّ له مدى أوسع من مبدأ الضرر، فضلاً عن أنّ عقوباته المفروضة أخفّ ثقلاً من تلك التي تُفْرَض في حالة الضرر.

ثمة من يرى أيضاً أنَّ تدخّل الدولة ينبغي أن يمتدَّ إلى أبعد من ذلك، بحيث يطاول كلّ كلام يناقض القيم الأساسية في الديمقراطية الليبرالية. والمنطلق هنا هو منع انتهاك المبادئ الليبرالية الأخرى، كمبدأ المساواة الذي ينتهكه الكلام الذي يُصَنِّف بعض المواطنين بأنهم أدنى على أساس العرق أو الجنس.

أي أنَّ حرية الكلام هنا لا يتم التعامل معها معزولةً، بل بمقارنتها مع ضروب أخرى من القيم التي تُعْتَبَر إيجابيةً، في إطار تسويةٍ فاعلةٍ تعطي تشكيلةً من القيم ما تستحقّه من وزنٍ واعتبار.

فتقرّر، مثلاً، إنْ كان من الأفضل أن تضفي على الكلام قيمةً أرفع من القيمة التي تضفيها على الخصوصية، أو الأمن، أو المساواة … إلخ، وهنا لا تعود المسألة إيجاد مبدأ يحبّذ حرية الكلام على الدوام، بل القول بضرورة أن تكون هنالك أسباب وراء الدفاع عن إباحة الكلام، بما ينسجم مع قيم المجتمع الديمقراطي الأخرى.

وثمّة من يرى، أخيراً، أنَّ من الممكن تحديد الكلام أو حتى منعه لما ينزله من ضررٍ بالمتكلّم نفسه، الذي قد لا يكون مدركاً تماماً عواقب فعله الكلامي. ومثل هذا التدخّل الأبويّ يفترض أنَّ الدولة تعلم مصالح الفرد أفضل منه، فيمكن أن تحدّ من حريته في الكلام من أجل شكلٍ من أشكال الأبويّة التي ترى أنَّ الدولة ينبغي أن تقرّر ما هو المقبول من أجل سلامة المواطنين.

بهذا نكون قد استنفدنا الخيارات المتاحة أمام الليبرالي بصدد حرية الكلام، فلا يعود ممكناً تصنيفه بين الليبراليين إذا كان يريد أن يواصل داعياً إلى تدخّل الدولة أبعد من هذه الخيارات.

مع أنَّ الافتراض النظري الليبرالي المسبق والأصلي هو ذاك الافتراض الذي يحبّذ الحريات ويحترم استقلال الفرد، إلا أنَّ حدود الحريات، ومنها حرية الكلام، ما كان يمكن أن توضع من خلال مبادئ فلسفية.

فعالم السياسة، وليس عالم الفلسفة المجردة، هو الذي يقرر ما يمكن أن نقوله وما لا يمكن. والأسس التي تُقَام عليها حماية حرية الكلام أو عدم حمايته هي نتيجة صراع سياسي، وليست حقائق بحدّ ذاتها.

فما من حرية كلام إلا وهي مقيدة أيديولوجيا، وليس ثمّة منتدىً عام مُطهَّر من الضغوط الأيديولوجية التي تدفع باتجاه الإقصاء. فالكلام يجري على الدوام في بيئةٍ من القناعات، والافتراضات، والتصورات، والصراعات، والمصالح.

فإذا كانت الليبرالية مرتبطةً بالحريات من دون شكّ، بسبب مناهضتها امتيازات طبقةٍ كانت تُرْجع هذه الامتيازات إلى المنزلة والعقيدة، إلا أنَّ الحريات التي نَشَدَتْها لم تكن عامة، وممارستها كانت مقصورة على أصحاب الملكيات التي تحتاج إلى الحماية.

لقد حاولت الليبرالية منذ البداية أن ترسم حدودا للسلطة السياسية، وأن تقيّد عمل الحكومة في إطار دستوري، وأن تُبْرِز منظومة من الحقوق الأساسية ليس من حقّ الدولة أن تقتحمها، غير أنها سخّرت هذه المنظومة لخدمة مصالح أصحاب الملكية أكثر من تسخيرها لحماية الإنسان الذي يطالب بمزاياها ولا يملك سوى قوة عمله، كما حاولت أن تحترم حقوق الضمير وأن تفرض على الحكومات قواعد تلتزمها في العمل بدلاً من أن تتصرّف على هواها، لكن اهتمامها بالملكيّة كان يجعل النطاق الذي تحترم فيه الضمير ضيقاً، فضلاً عن أن حماستها لإقامة حكم القانون كان يخفف منه احتراسها في مجال تطبيقه.

وعلى الرغم من رفض الليبرالية الاعتراف بأيّ حدّ نظري لتطبيقها، سواء كان حدّاً طبقياً أو عقائدياً أو إثنياً أو جنسياً، إلا أنَّ تطبيقها الفعلي أوجد ذلك الحدّ. فالحريات لا يمكن أن تكون حرّة فعلاً ما لم تكن أطرافها متكافئة في قواها، وفرصها، وظروفها المادية، بخلاف ما هو قائم فعليّاً.

غير أنّ ذلك كلّه لا يقلّل من أهمية صرح الحريات النظري الذي أقيم في الطور الكلاسيكي من الرأسمالية الليبرالية، ذلك الصرح الذي بدأت تبدده وتنقضه في أطوارها اللاحقة. فقد أضحت حرية الجميع مهمةً في النظرية، وكان هذا تقدّماً ضخماً قياساً بما كان من قبل.

فعلى الأقل صار بمقدور أولئك الذين قمعهم مجتمع الطبقة الوسطى أن يتّحدوا شاهرين في وجهه منطقه الخاص، وقد أمسكوا به في حالةٍ من التناقض بين ما يقول وما يفعل. وهذا شكل من النقد أمضى على الدوام بالمقارنة مع ذلك الشكل الذي يقوِّم النظام الاجتماعي قبالة قيم لا يُعْتَرَف بصحّتها أو شرعيّتها.

هذا كلّه في الليبرالية والمجتمعات الليبرالية. أمّا في معظم دول ما يدعى بالعالم الثالث االتي يُطابَق فيها بين الوطن وأشدّ المصالح ضيقاً وأكثرها فساداً، فعلينا أن نبحث في آلية أخرى هي الأساس في إنتاج الأنظمة وإعادة إنتاجها، على الرغم من وجود “الدساتير” و”القوانين” و”الهياكل الديمقراطية”.

تلك الآلية هي الرعب المعمَّم الذي يلجم الألسنة جميعاً، من دون حاجة في الغالب إلى “لجام السليطة” (Scold,s bridle) تلك الأداة التي كانت تُستخدم في أوروبا العصور الوسطى ضد النساء سليطات اللسان، وهي عبارة عن قفص معدني يحيط برأس المرأة ويُدْخِل في فمها جزءاً يحدّ من حركة لسانها، فلا يعود يصدر عنها سوى أصوات حَلْقية غير واضحة، أو مجرد حشرجات تمكن مقارنتها، من ناحيةٍ ما، بكلّ ما قيل هنا، تِقْيةً، عن شعوبٍ أخرى، وبلدان أخرى، ومراحل تاريخية أخرى.

ثائر ديب

كاتب سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى