وجهات نظر

حسن الأسمر.. الواقف على “مَطْهَر” الغناء الشعبي

محمد حمدي أبو السعود

أديب وصحفي مصري

قبل سنوات، حلَّ الممثل الكوميدي المصري أحمد فهمي ضيفًا على الإعلامية اللبنانية راغدة شلهوب، في برنامج بعنوان “فحص شامل”، يعتمد إعداده على كثرة الأسئلة واستخراج إجابات من المشاهير تصلح كمادة للباباراتزي –مطاردة المشاهير. وكان أن سألت المذيعة ضيفها “الكوميديان” عن مغنّيه المفضّل من بين عمرو دياب وتامر حسني، على اعتبارهما اسمين فرضتهما ظروف السوق كأنهما فَرَسَا سباق يعتبر جمهورُ كلٍّ منهما أن محبوبه هو الأكثر نجاحًا، حتى إن الأمر صار أشبه بانقسام جماهير كرة القدم حيال تشجيع الأهلي والزمالك، كقطبين وحيدين لا ثالث لهما في الرياضة المصرية.

إجابة الكوميديان كانت أنه ليس من “فانز” عمرو أو تامر، وأن مطربه المفضَّل هو حسن الأسمر.. ضحكت المذيعة متصورةً أن إجابة “فهمي” مجرد مراوَغة للخروج من إطار الحرج، لأن اختياره واحدًا من القطبين يمكن أن يُفقده جمهور الآخر، لكن “فهمي” أصر على إجابته واستخدم القسم بالله كي يؤكد جديته، فارتسمت علامات الدهشة على وجه المذيعة اللبنانية، ربما لأنها لم تتوغل كفاية في عمق الغناء الشعبي المصري خلال فترة الثمانينيات من القرن العشرين، لتدرك أن حسن الأسمر استطاع أن يحفر لنفسه مكانًا شديد الخصوصية على خريطة الغناء، فرض به نفسه على الساحة مثل “الترند” بلغة هذه الأيام، فتهافت عليه منتجو الأفلام لأداء أدوار ثانوية، فقط من أجل إفراد مساحة له يقدم فيها واحدة أو أكثر من أغنياته ذات الثيمة الثابتة والنكهة الخاصة، بل إنه حتى كثيرًا ما كان يؤدي أدوار الشر في الدراما، ومع ذلك لا تُمَسّ مساحته الغنائية في الفيلم، وهو نموذج نادر إلى حد ما في الأعمال الدرامية عمومًا.

السؤال الآن: كيف صنع حسن الأسمر نكهته الخاصة؟ ولماذا لاقت أغنياته الكئيبة في معظمها ذلك الوقع المحبب عند جمهور الفن؟

لا يحتاج الواحد منا إلى سماع الكثير من أغنيات حسن الأسمر، كي يدرك أن الرجل اختار البؤس موضوعًا شبه ثابت لما يقدمه من كلمات، واللوعة سمتًا غالبًا في أدائه الصوتي، وفي نفس الوقت اختار أن تكون ألحانه مطعَّمةً -بل وفائضةً أحيانًا- بالتوزيعات الراقصة، كأنه لا يهتم بمطابقة اللحن لمقتضى حال الكلمات –إن جازت الاستعارة- وإنما هو يُجري عملية “بَسْتَرة” لدماغ المستمع.. تخيل أنك ترقص بابتهاج وأنت تنطق بكلمات أغنيته الشهيرة “كتاب حياتي” التي فيها “كتاب حزين كله مآسي، تأليف زمان غدار قاسي.. الفرح سطر غلط مكتوب، لما الزمن كان يوم ناسي.. مكتوب في أول صفحاته، واحد غريب وآدي حياته.. هيعيش حزين ويسيبها حزين، إمضا الزمن وتحياته”.

ليس من المستغرب إذًا أن نرى حسن الأسمر يطلق مواويله الحزينة في الأفلام، ومن حوله يرقص الراقصون والراقصات، ولعل رقصة الفنانة مديحة كامل على أغنية “سألوني” في فيلم “بوابة إبليس” (1993) هي الرقصة الأشهر في التاريخ السينمائي الغنائي لحسن الأسمر..

الفيلم الذي كتبه محمد الباسوسي وأخرجه عادل الأعصر، تدور قصته حول “هبة” (مديحة كامل) الموظفة بأحد البنوك، التي تكشف محاولة لترويج الدولارات المزيفة لحساب بعض المسؤولين، وتكتشف أن زوجها (هشام عبد الحميد) متورط في الجريمة، بالاشتراك مع سيدة أعمال متزوج بها سرًّا. تعثر “هبة” على مستندات تُدين زوجها، وتبلغ الشرطة، فيكون جزاؤها تلفيق قضية لها تدخل على أثرها السجن، وينتزع منها زوجها طفلتهما. بعد فترة وهي في السجن يخبرها زوجها أن طفلتها ماتت. تتعرف “هبة” في السجن إلى تاجرة سلاح، وتهربان معًا، وتعيشان معًا في الجبل، حيث تبدأ التخطيط للانتقام.

مشهد أغنية حسن الأسمر في الفيلم هو “قعدة كِيف” تجمع محمود حميدة وعايدة عبد العزيز ومديحة كامل ومحمود قاعود، يدخنون الشيشة والسجائر ويجرعون الويسكي الرخيص، ثم تطلب مديحة من حسن الأسمر أن يغني لهم شيئًا، فيبدأ مواله قائلاً: “سألوني أنا مين؟ قلت لهم أنا الأيام خانتني، وأنا الليالي سهرتني، والدموع سقتني.. أنا مين؟ أنا مين؟ أنا مين؟”

ترصده الكاميرا يغني ويبدو في حالة سُكر ليست من تجرّع الخمر كالآخرين، بل من التشبع بالبؤس.

وبمجرد أن ينتقل إلى الكوبليه الأول باللحن الراقص، نجد مديحة وعايدة تنخرطان في الاهتزاز قعودًا وحسن الأسمر يغني: “أنا اللي كلي جروح، ومن الزمن مجروح.. أنا الزمان هدّني، ولا حد بيودّني.. ولما أقول آه، فيه ناس تقول الله.. أنا اللي تايه أنا، ويوم عذابي بسنة.. أنا مين؟ أنا مين؟”

وحين يصل إلى كوبليه جديد يجمع اللحن الراقص مع الكلمات المغرقة في تصوير البؤس نجد الحماس ينتاب مديحة كامل، أو “هبة”، فتهب من مقعدها راقصة ببهجة يسوقها اللحن كما ساق الأداء الحركي لحسن نفسه وهو يقول: “أحزاني حاولوا يعدوها، عدوا النجوم ولا عدوها.. أنا اللي حزني مالوش آخر، والفرح عني بيتّاخر.. آه مِ النار اللي انا فيها.. الصبر كله ما يطفيها.. أنا اللي تُهتْ ف أحزاني، والمر ع المر رماني.. الكل باعني وجرّحني، ولا ألف آه بتريحني.. أنا اللي عايش وحداني، ماليش صحاب غير أحزاني.. لو كات جروحي بتتكلم، كانت تقول أنا باتألم”

يعود الحزن إلى ملامح مديحة كامل، وتنهي رقصتها وتخرج باكية من الغرفة وحسن يغني بلوعة: “حرام عليكي يا دنيا حرام، يبقى انتي والأيام دا حرام.. الفرح غايب وناسيني، وِان جاني مرة يبكّيني.. البخت مايل مِ الأول، جايب أساه أوّل باوّل”.

هكذا نجح حسن الأسمر في فرض حالته الفنية على مشهد في فيلم لا تخرج قصته عن مآلات الغدر والخيانة والعذاب، تمامًا كموضوع الأغنية الذي هو نفسه موضوع معظم أغنيات حسن، فمديحة كامل أو “هبة” المكلومة باكتشاف تورط زوجها في شبكة ترويج “دولارات مزيفة”،  تتمثّل الحالة نفسها التي يتمثلها حسن الأسمر في أغنياته: الانسحاق تحت وطأة القيم المادية الناتجة عن انفتاح فترة الثمانينيات، وتغلُّب قيمة الاستهلاك على سواها من القيم الشعورية، والشرخ الذي أصاب النفسية الجمعية لأصحاب القلوب الطيبة المسالمة المتعشمة في قلوب الآخرين خيرًا، فكأن الحالة “الحسن-أسمرية” كانت هي “الـمَطْهَر” الذي مرت “هبة” من خلاله بعملية “البسترة”، فسكرت وتمايلت ورقصت كأنما لتفسح المجال أمام انفعالاتها المكبوتة لتبكي وتجهش، ومن ثم تمضي قُدُمًا في طريق الخلاص بنفسية بكر برئت من آلامها المتراكمة بالتطهُّر، واكتسبت نفَسًا جديدًا بضخ الأُكسجين إلى مخ تَجَهَّز الآن للعمل الجاد، وتكرَّس لاستعادة الحَقّ.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

القصص المتعلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى