حسن حسني

ركن الفن الشديد

لم يكن الطفل “حسن” مدركًا ما يحدث حوله، وهو مازال في السادسة؛ لكنه بُوغت بأنَّ البيت خلا من أمه، لم يكن مدركًا أيضًا أنَّ الأقدار اصطفته في هذه السن المبكرة للاختبار الأصعب والأكثر قسوة؛ ليجد نفسه في مواجهة ألم الفقد والغياب ومكابدة خشونة الحياة دون تلك اللمسات الحانية، التي تمحو الأحزان وتُهوّن المصائب؛ لكنه ربما وَعِيَ أنَّ له ملجأ لا بد أن يأوي إليه، محتميًّا من هذه الريح العاتية، وأن عليه أن يُجِدَّ في البحث عنه.

يتلمس الصبي خطواته الأولى في مدرسة الرضوانية الابتدائية بحي القلعة، ويلفت نظره بشدة انصراف عددٍ من التلاميذ إلى أداء مواقف تشبه الواقع؛ لكنه أداء ينطوي على قدر من المبالغة، بينما يقوم أحد المدرسين بتوجيههم، وإسداء النصح لهم؛ بهدف تحسين الأداء، انشغل “حسن” بمراقبة هذه المشاهد، واستغرق فيها إلى حدِّ أنها كانت تحمله بعيدًا عن واقعه المُحزن، وجَدَّ في هذا الأمر؛ ما يشغل القلب عن إحساس الفقد الذي يُعمره بالألم، هذا إذًا هو قارب نجاته، الذي أهدته إليه الأقدار بعد معاناة ما أشدها!

“أُريد أن أشارك في العرض المسرحي مصرع كليوباترا”، دُهش المشرف من جرأة الصغير؛ لكنه بادره بالسؤال وأي الأدوار تحب أن تؤدي؟ أجابه “حسن” بأنَّه يحفظ كل الأدوار وأنَّه له حرية الاختيار في إسناد أيها إليه، فطلب منه المشرف أن يؤدي جزءًا من الدور الرئيسي في العمل؛ فأداه ببراعة مستغلًا قدرته الهائلة على الحفظ، لم يتردد المشرف في إسناد الدور إليه؛ ليبدأ “حسن حسني” رحلته مع الفن “ركنه الشديد”، الذي آوى إليه ليعصمه من طوفان الحزن الذي كاد يغرقه، رحلة ستستمر لـ8 عقود كاملة، كان من الممكن جدًا أن تنقطع في سنواتها الأولى؛ بسبب كثرة الإخفاقات، لكن “حسن” كان لديه من الإصرار ما جعله لا يلتفت إلى تلك العوائق على كثرتها، والحقيقة أن “حسني” نسج علاقته الخاصة جدًا بالفن على نحوٍ فريد، بحيث يصعب إخراج أحدهما من الآخر، وبحيث نستطيع أن نقول أن قرابة 450 عملًا فنيًّا لا تُشكل مسيرةً فنيةً بالغة التفرد فحسب؛ لكنها صنعت حياة إنسان جعل من موهبته طوق نجاة، ظلَّ قابضًا عليه لا يأمن غدر الأنواء.

“أنا أنطونيو” لم يكن أحد بالمدرسة الخديوية الثانوية يستطيع أن ينكر براعة الفتى “حسن” في أداء دور “أنطونيو” الأهم في المسرحية الشعرية “مصرع كليوباترا”، وهو ما آهله للحصول على كأس التفوق قبل أن يحصل على شهادة التوجيهية عام 1956، وكان الفنان “حسين رياض” عضو لجنة التحكيم التي منحت “حسن” الجائزة، وقد أثنى على أدائه، وبشره بأنه سيكون ممثلًا ذا شأن بشرط أن يَرعَى موهبته، ويُنميها بالدراسة والقراءة وبالإصرار والصبر في مواجهة الصعاب التي تعترض طريق الفنان؛ لكن “حسن” الذي بَقيَ لسنوات بعد ذلك في المسرح العسكري، لم يتصور أن الفرصة الحقيقية ستتأخر حتى سن الـ50، وهو لم يكن يبحث عن النجومية أو الشهرة أو المال، بل كان يرى وجوده فنيًّا فحسب؛ فهو لم يملك رفاهية الاختيار أو التراجع بفعل الضغوط ولو مرة واحدة.

حسن حسني شابًا

في “سواق الأتوبيس” اختاره “عاطف الطيب” في شخصية “عوني”؛ ليكون رمزًا لأولئك الذين “هبروا” ما حققه الذين “عبروا” وكان أداء “حسني” استثنائيًّا عبَّر فيه عن دخيلة النفس الإنسانية التي تشبعت بالحقد، ولم تجد متنفسًا لها سوى التحايل الماكر للاستيلاء على “الورشة” أو الوطن الذي صار مرتعًا لكلِّ طامع، بدا “عوني” واقعيًّا جدًا بتفاصيل الملابس البالطو والجلباب والطاقية، وتعبيرات يختلط فيها الخوف والتشفي بالطمع والتجبر، وأبدع في تفاصيل الإجهاز على حلم “حسن سلطان” في الاحتفاظ بآخر ما تبقى له في الوطن “الورشة” قبل أن يجتاح القبح كل شيء.

ومن منطلق إيمانه بالقدرات الهائلة لـ”حسني”، يقدمه “الطيب” بعد سنوات في دور الضابط “فهيم” في فيلم “البريء”؛ ليجسد الشخصية السادية التي تتفنن في تنفيذ الأوامر في التنكيل بالمعتقلين من أصحاب الآراء المعارضة، ويعود الطيب لتقديمه في دور الضابط في “الهروب”؛ لكنه هذه المرة بارع في التحايل؛ لتضليل الرأي العام مستعينًا بأحد مساعديه، الذي عاد من أمريكا محملًا بالأفكار الاحتيالية، ولم يتردد “خان” في إسناد دور ضابط أمن الدولة المحال للاستيداع على خلفية أحداث يناير 1977، في “زوجة رجل مهم” فيؤديه “حسني” بانضباطٍ فني دقيق في حضور مبهر للنجم “أحمد زكي”.

حسن حسني في فيلم البريء

في العام نفسه 1991، يُقدم مع “صلاح أبوسيف” دورًا من أهم علامات مسيرته الفنية، وهو دور “حمدان الويشي” المتعهد في فيلم “المواطن مصري” في هذه الشخصية يُبدع “حسني” من خلال تفاصيل عدة في كشف حقيقة ذلك المزور المخادع، الذي نكتشف في آخر الفيلم أنه كان معلمًا للغة العربية، ويبدو أنَّه أُبعِدَ عن التدريس لأسباب لم يوضحها الفيلم، يدبر “الويشي” أمر استبدال ابن الغفير بابن العمدة؛ ليؤدي عنه الخدمة العسكرية في زمن الحرب، ويؤكد لنا “حسني” عبقريته في مشهد جمعه مع “العمدة”، الذي قام بدوره النجم “عمر الشريف”، وهو يحاول الحصول منه على أي مبالغ إضافية، فيتفتَّقَ ذهنه الشيطاني عن فكرة استخراج شهادة وفاة مزورة لابن الغفير؛ ليؤمن موقف “العمدة” في حال ما عاد الشاب حيًّا من جبهة القتال وطالبه بحقوقه.

حسن حسني فيلم المواطن مصري

تلك الذروة الفنية في “المواطن مصري” كان من الممكن أن تخدع البعض بوصول “حسني” إلى مرحلة الاكتمال الفني، لكن الفنان عظيم الموهبة لا يكف عن إبهارنا كلما حاولنا وضع دهشتنا جانبًا، في “دماء على الأسفلت” يؤدي دور “كامل نور الحسن” الأب المصري كثير العيال المغلوب على أمره، الذي يعمل “باشكاتب” في وزارة العدل، ويُتهم بسرقة ملف من إحدى القضايا، وعندما يعود ابنه الأكبر الذي يشغل مركزًا مرموقًا في الأمم المتحدة لمساعدته؛ يكتشف انهيار الأسرة بالكامل واتجاه إخوته للمخدرات والدعارة والسرقة، يقدم “حسني” هذا الشخصية المقهورة التي تدفعها الظروف الاجتماعية إلى التغافل عن مصدر المال الذي يكسبه أولاده، وهو في حالة تبرير دائم لسلوكه، كما أنه يشعر بالظلم وتخلي أقرب الناس عنه، وينحو باللائمة على ابنه البكر الذي تركه وسافر؛ ليحصل على الدكتوراه ويبني مستقبله، بينما كان هو في أَمَسّ الحاجة إليه، وفي مشاهده مع ابنه البكر “د.ثناء”، الذي قام بدوره “نور الشريف”، نرى “حسني” في أفضل حالاته مصورًا مأساته على نحو لا تستطيع معه أن تدين الشخصية التي صنعت بإهمالها وتهاونها كل هذا الخراب، وقد نال “حسني” عام 1993، جائزة أفضل ممثل في مهرجان القاهرة السينمائي عن دوره في هذا الفيلم.

وفي دور “عبدالعظيم القرنفلي”، الذي يكسب عيشه من ادعاء الإصابة في حوادث متفرقة يعود “حسني” إلى “خان” عام 1993 في “فارس المدينة”، ومن خلال أداء بسيط بالغ العذوبة، يصل “حسني” بالمشاهد إلى درجة التعاطف الكاملة مع “القرنفلي”، الذي سيعطي “فارس” تلك الحياة الهانئة، التي لم يستطع نوالها رغم ثرائه، وسيكشف له من خلال فلسفته العميقة أن الحياة لا تستحق كل هذا اللهاث، وأن عليه أن يستمتع بما هو متاح دون طمع، وينال “حسني” جائزة أحسن ممثل عن الدور في مهرجان الإسكندرية.

يرى كثيرون أن ذروة أداء الفنان “حسن حسني” تجلَّت بصورة كاملة مع المبدع “رضوان الكاشف” في رائعته “ليه يا بنفسج” عام 1993، في شخصية الشيخ “عيد” الكفيف، الذي يحلم بأنَّ يُصبح مطربًا مشهورًا من خلال عمل شريط كاسيت- اهتم فناننا بكثير من التفاصيل التي زعم البعض أنه استوحاها من شخصية الشيخ “إمام عيسى”-، ورغم الإحباطات التي يعانيها “عيد”؛ بسبب هجر زوجته له وزواجها من جاره “منصور”، وانقطاع الأمل في عودتها بعد أن صارت حاملًا- فإنَّ “عيد” لا يفقد الأمل، وهو دائمًا إلى جوار ناسه يواسيهم في الأتراح، ويشاركهم الافراح ويرتبط بالأصدقاء الثلاثة “أحمد” و”عباس” و”سيد”، فلا يهتز وجدانيًّا، ولا يتنازل عن حلمه المستحيل، إلا بانفراط عقد الصداقة، وخروج “أحمد” من الحارة؛ فيلجأ إلى الله ولا ينقطع عن الدعاء حتى تعود الأمور إلى سابق عهدها.

ويعتبر الفنان “حسن حسني” دور “رُكْبَه” القراداتي في “سارق الفرح” لـ”داود عبدالسيد” أحب أدواره إلى قلبه، فهذا “القراداتي” الذي يتلصص على الناس في أول مشاهد الفيلم، يموت– راقصًا طربًا– من اقتراب معشوقته الشابة منه، بعد أن جعلها ترقص كما لم ترقص من قبل على إيقاع طبله، ومن خلال مشاهده في الفيلم يقدم “حسني” أداءً مبهرًا لشخصية “القراداتي”، التي اختفت من مصر كما اختفت شخصيات أخرى كثيرة في فوضى الحياة، التي صارت تسلبنا كل ما هو جميل.

حسن حسني في "عفاريت الأسفلت"

وفي عام 1996 يُقدم “حسني” في “عفاريت الأسفلت” لـ”أسامة فوزي”، دور الأسطى “محمد” الحلاق الذي يعشق الحكي، ويخاف من قصة الحلاق اليوناني، الذي كان يحلق للأموات، لكن مخاوفه تتحقق بموت عم “علي” وهو يحلق له، ويروي له حكاية “أبو كُبَّة” وبطريقة شديدة الجاذبي، ولا تخلو من طرافة يقصُ “حسني” في آخر الفيلم قصة “الرشيد”، و”الموصلي”، والجارية “مُزْنَة”، وينتهي الفيلم بعبارة “ليس لماء الورد عهد إنما العهد للرخام”، وهي نهاية الحكاية التي أبدع في روايتها الفنان الكبير.

تكريم حسن حسني في مهرجان الجونة

ومع بداية الألفية كان “حسن حسني” هو القاسم المشترك في أفلام “الكوميديانات” الشباب، وكان أداؤه الكوميدي رائعًا في أفلام لا تُمحى من الذاكرة “عبود على الحدود”، و”الناظر” مع الراحل “علاء ولي الدين”، وعدد كبير من الأعمال مع النجم “أحمد حلمي” بداية من “ميدو مشاكل” وانتهاء بـآخر أعماله السينمائية “خيال مآته” قبل عامين، إضافةً إلى أفلامه مع “محمد سعد”، وكان أشهر أدواره معه في “اللمبي” عندما قدم شخصية “عم بخ”، إضافةً إلى الأعمال المسرحية والإذاعية والتليفزيونية الرائعة، التي تجل عن الحصر، رحم الله الفنان “حسن حسني”، الذي اعتصم من الحزن مبكرًا بركن الفن الشديد.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ماهر الشيال

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search