زوايا

حسن طوبار.. شيخُ الصيادين الذي أحرج نابليون

في بحيرة المنزلة، والبحيرات الشمالية كلها.. يشتهر نوعٌ من الأسماك الشبيهة بالبوري، اسمه “الطوبار”.. رأسه أصغر من البوري.. طعمه لذيذ، وثمنُه مرتفع قليلا.. حصل هذا السمك على اسمِه من لقب شيخ الصيادين، حسن طوبار، شيخ إقليم المنزلة، قائد المقاومة الوطنية في شمال الدلتا ضد الاحتلال الفرنسي.

وكان المصريون قد واجهوا الحملة الفرنسية في الصعيد والدلتا، وبالطبع في القاهرة.. بقوة، إلا أن أشرس مقاومة، جاءت على يد حسن طوبار، أثرى أثرياء المنزلة المولود 1762م وتوفى 1800م بسكتة قلبية مفاجئة.

يَنتسب حسن طوبار لأسرة عريقة أقامت بالمنزلة منذ مئات السنين، وترجع أصولها إلى جذور عربية جاءت من شبه الجزيرة، واستقرت في منطقة طبَرة الواقعة على بحيرة طبَرية في بلاد الشام.

ومع بدايات الفتح العربي لمصر، وتدفق الهجرات العربية إليها، بدأت العائلة في النزوح إلى مصر.. عبروا سيناء ثم توجهوا إلى “الفرما”، بور سعيد حاليًا، واستقرت العائلة حول بُحيرة المنزلة.

حظه من التعليم

توقَّفت رحلة حسن طوبار التعليمية مبكرًا مع وفاة والده، واكتفى بما ناله من علم في الكُتَّاب، وحاولت والدته تحقيق ما كان يودُّه الوالد للابن البِكْر، وضغطتْ حتى يستكملَ تعليمَه في الأزهر، وأبعدته عن أي مسؤولية قد تعوقه عن تحقيق ذلك، لكنها لم تنجح في إقناعه، فقد كانت رغبته أن يتولى شؤون أسرته ورعايتها.

حقق الفتى “حسن” نجاحًا باهرًا في حرفة الصيد، وفي رعاية أملاك والده، وكان شغوفًا أيضًا بتربية الخيول الأصيلة.

وكان لديه سيفٌ مرصَّع بالأحجار الكريمة، وكان محبًّا للشعر، واسع الثقافة.. وبلغت تلك السُّمعة المنزلة كلها، ولذلك أظهر الأهالي له الولاء، وانصاعوا لأوامره، وكانوا يلجؤون إليه في كل كبيرة وصغيرة من أمر الإقليم.. واحتاج الثائر حسن طوبار كل ذلك الحُب، حين هَمَّ للحرب ضد الفرنسيين.

نابليون
نابليون

قبل ذلك، وبعد أن بلغ مطلع شبابه وأصبح على إلمامٍ واسع بأحوال الوسط الذي يعيش فيه، وعلى معرفة واسعة بشكل المنازعات، تمَّ تعيينه من قِبل الإدارة العثمانية شيخًا لإقليم المنزلة خلفًا لوالده، رغم حداثة سِنِّه؛ حيث ورث منصب والده ولقبه في هذه السن.

وقد نجح طوبار في مهمته رغم أن إقليم المنزلة، الذي كُلِّف بإدارته، كانت تقطن على أطرافه حينئذٍ قبائل عربية من البدو اشتُهرت بشدَّة البأس وصعوبة الانقياد، إلا أنه أحسن الإدارة ونجح في ضبط الأمن، وحقَّق الاستقرار في الإقليم، وأشرف على بناء وإقامة السدود لتنظيم الري وحلَّ النزاعات، كما أشرف على جمع الضرائب، وتسهيل مهام مندوبي الإدارة في الريف.

ثورة من المماليك إلى الفرنسيين

لم تكن ثورة طوبار ضد الفرنسيين هي البداية في مسيرته الرافضة للظلم، فقد ساءت علاقته برجال إدارة المماليك، فوقف في وجه جميع أعمالهم غير المشروعة، مثل: اغتصاب السلطة، والعنف مع الرعية، وفرض الإتاوات، وخلق موقفًا مستقلا في منطقته، حيث جعل المنطقة من المنصورة إلى دمياط غير محبَّبٍ وجود المماليك فيها.

وكان المصريون في عام 1795م قد استنجدوا بالعلماء من زيادة فرض الضرائب وجمعها بالقوة، فهبَّ شيوخ بالأزهر ضد ظلم المماليك، وانضم حسن طوبار إلى تلك الحركة التي خرجت ضد الظلم، فرفض الإتاوات التي كانت مفروضة.. وكان شديد الولاء لأهل بلده مخلصًا لهم، شديد العداء للماليك، وتصدى لهم في المنزلة بكل حزم.

وقد حاول المماليك اعتقاله عدة مرات بعد أن بات شوكة وعقبة كبيرة في طريق مكائدهم. وفي النهاية رأوا أنهم مجبرون على أن يتركوه ليكون سيدًا لتلك المنطقة، وبِناءً على ذلك، أصبح حسن طوبار الزعيم الأكبر لجميع عمليات الصيد التي تجري في بحيرة المنزلة، مقابل عوائد للإدارة يدفعها سنويًّا لبكوات المماليك، الذين لم يستطيعوا الوقوف أمامه فتركوه يَنْعم دون رادع بغنيمته، مقابل جزية كان يدفعها لهم وقدرها خمسمائة ألف فرنك.

وأصبحت لدى حسن طوبار سلطة واضحة على المنزلة وتوابعها، وقد تأسَّست تلك السلطة على سمعته وثروته وزيادة أقاربه، علاوة على العدد الكبير للأُجراء المعتمِدين عليه، ومساندة البدو الذين قدَّم لهم أراضيَ لزراعتها.

وغمر زعماءهم بالهدايا والتحف لتدعيم مركزه بالمنطقة، وهكذا جمع شتى الخصائص التي جعلت منه أحد كبار مشايخ العرب، والملتزمين المحليين الأقوياء الذين يتعيَّن على الإدارات العثمانية وضعها في الحسبان.

أثرى أثرياء المنزلة

امتلك حسن طوبار ثروة واسعة، بعضها آلت إليه كتركة شرعية من والده، وبعضها الآخر من ثروة استطاع تكوينها، نتيجة جَهْده، وثمرة نشاطه الاقتصادي.

وقد قدَّر علماء الحملة الفرنسية ثروة حسن طوبار بملايين الفرنكات، حيث كان يملك: مساحات كبيرة من الأراضي، ومصانع نسج القطن، ومصانع الصباغة، والكثير من المتاجر.

أما مراكب الصيد التي يمتلكها فقدروها بين 500 و600 مركب، كما اهتمَّ طوبار بالمنازل كواجهة حضارية، فبنى قصرًا فخمًا لا تزال أطلاله باقية في المنزلة، لكنه يحتاج إلى ترميم.

في أواخر يونيو 1798م أبحر القائد نابليون بونابرت من ميناء طولون الفرنسي متزعمًا حملته الشهيرة إلى مصر، وفي الطريق استولى على مالطة، ومع وصول الحملة إلى الإسكندرية اندلعت المقاومة الشعبية للغزو بقيادة المجاهد مُحمد كُريِّم، حاكم المدينة، الذي ظل يقود المقاومة الشعبية حتى بعد أن اقتحموا أسوار المدينة.

وقد احتمى كُريِّم بقلعة قايتباي ومعه فريق من الجنود حتى نفدت ذخيرته، فكفَّ عن القتال وتم أسره هو ومَن معه، لكن نابليون أطلق سراحه وأبقاه حاكمًا على المدينة، ومع دعوة كُريِّم للمقاومة الشعبية وصداها الواسع في الإسكندرية وخارجها، جرى اعتقاله ونقله إلى القاهرة، حيث أعدمه نابليون بونابرت.

خدعة نابليون لأهل مصر

وقد حاول نابليون أن يتودَّدَ للشعب المصري وشيوخه، وأظهر احترامه للعادات المصرية وللإسلام، وفي أحد بياناته خاطبهم قائلا:

“يا شعب مصر سيقولون لكم إني جئتُ للقضاء على دينِكم فلا تصدقوهم، بل قولوا لهم إني جئتُ لأردَّ لكم حقوقكم، وأعاقب مغتصب أراضيكم، وإني أذكر الله ورسوله، وأحترم القرآن أكثر من المماليك.. قولوا لهم إن الناس جميعًا سواسية أمام الله، وإن الحكمة والمعرفة والفضيلة تتحقَّق فقط متى تُقيم الحق بين الناس، فأين تلك المعرفة والحكمة والفضيلة التي تُميِّز المماليك ليكونَ لهم كل ما من شأنه جعل الحياة رغدة ناعمة؟!

أيها القضاة والمشايخ والأئمة: قولوا لقومكم إننا سنكون أصدقاء المسلمين بحق.. ألم نقض على البابا وفرسان مالطا، لأن هؤلاء الأعداء اعتقدوا أن الله أراد منهم قتال المسلمين؟…

“فأما من كان معنا، فسوف يَسعد سعادة كبيرة، وسوف تزدهر ثروته وتزداد رفعته، وأما من بقي حياديًّا، فسوف يهنأ كذلك وأمامه وقت لكي يتعرف علينا، وسوف يكون في صفوفنا، ولكن الويل كل الويل لمن سيجنحون إلى صفوف المماليك، ويتسلحون ليقاتلونا.. فلن يكون ثمَّ أمل بالنسبة لهم.. والموت سيكونُ حليفَهم”.

اقرأ أيضا: الإمام المراغي.. مُعارِض الملك فاروق ومُجَابِه الصهيونية

لم يصدق المصريون في القاهرة، أو الصعيد، أو الدلتا.. خطاب نابليون بونابرت، ونظروا إليه على أنه مغتصبٌ وعدوٌ كاذب.

وقد اشتُهرت في كتب التاريخ مذبحة جرجا التي نفَّذها القائد الفرنسي “ديزيه” لنشر الرعب في الصعيد.. فأثناء وجوده في جرجا لانتظار بعض السفن الفرنسية سرت روح الثورة في أربعين قرية ما بين أسيوط وجرجا، وتجاوز عدد الثوار سبعة آلاف، لكنَّ القوات الفرنسية تمكَّنت من القضاء عليها، بعد أن قامت باقتراف مذابح بشعة، وتخريبٍ كامل للقرى، وإشعال الحرائق في ممتلكات الأهالي!

الأمر تكرر في سوهاج والمنوفية والغربية، ووصلت المقاومة المسلحة إلى ذروتها في شرق الدلتا، بالتحديد في المنصورة والمنزلة ودمياط، حيث بطولات حسن طوبار.. فكانت المقاومة أكثر شراسة وفتكًا بالعسكر الفرنسيين.

وكانت منطقة البحر الصغير الواقعة بين المنصورة وبُحيرة المنزلة في طليعة المناطق التي اندلعت فيها الثورة.. كان طوبار قائدًا وشيخًا لتلك المنطقة، ولم ينتظر حدوث تدخل سافر للفرنسيين في إقليمِه، فسارع بمَدِّ الثوار بالسلاح، وقام بتنظيم المقاومة البحرية في المنزلة من جانبه.. حتى اشتعلت نار الثورة في مختلف البلاد الواقعة بين المنزلة ودمياط والمنصورة.

بعد شهر واحد على دخول الفرنسيين مصر، واستقرار الأمور لنابليون بالقاهرة، وزع قواته على الأقاليم، لكي يضمن بسط سيطرته على مصر كافة، وجرى تعيين الضابط “فيال” قائدًا على المنصورة ودمياط.

وكان بونابرت يخطط للاستيلاء على المنصورة ودمياط والبلاد الواقعة بينهما على البحر الصغير ليؤمِّن المواصلات على حدود مصر الشرقية، ويبسط سيطرته على الجهات الموصِّلة إلى بُحيرة المنزلة، واتخاذها كبُعدٍ استراتيجي، لتصبح تلك المنطقة الخط الدفاعي الأول للفرنسيين حال الهجوم على سوريا من ناحيتي بحيرة المنزلة، واستغلال ذلك المانع المائي الكبير كنقطة انطلاق لعمليات بونابرت الاستعمارية وتوسعاته تجاه الشرق، إلا أن الثورة التي أشعلها حسن طوبار كانت عقبة أمام طموحاته وآماله العريضة!

اقرأ أيضا: حكاية عمر بك لطفي.. أبو التعاونيات ومؤسس النادي الأهلي

وصل “فيال” إلى المنصورة في أوائل أغسطس 1798م ومكث بها قليلا، وذلك لترتيب الإدارة بها، وشكَّل ديوانًا للمنصورة، ثم ترك بها حامية من الجنود الفرنسيين من 180 جنديًّا، وتابع سيره إلى دمياط بُغية احتلالها، ليجعلها مقرًا لإدارته، وفي طريقه احتل عزبة البرج وترك فيها قوة فرنسية صغيرة.

وعندما وصل “فيال” إلى دمياط، وجد بها اضطرابات ومناوشات بالغة الخطورة، أثارت في جنوده الرعب والفزع، فقد فوجئ الفرنسيون بظهور حسن طوبار قائدًا لحركة التحرير التي اندلعت في المنطقة، حيث استغل تأثيره كزعيم لتلك الجهات وحوَّل بلاد البحر الصغير إلى بؤرة من الجحيم، تُحيط بالفرنسيين برًا وبحرًا، وتحرمهم طِيب المقام!

وقد ساعد فيضان النيل على انتشار المقاومة التي بدأها طوبار في تلك الجهات، وتكونت حلقة اتصالات سريعة ومباشرة بين حسن طوبار وبين مشايخ البلاد والقرى المجاورة، واتفق هؤلاء الفلاحون الثوار مع طوبار على الفتك بالجنود الفرنسيين في المنصورة، وكان اتفاقهم يوم السوق العام في المدينة، حيث تتوافد أعداد كبيرة.

وكان للنساء دور في حثِّ الرجال على أن يثوروا ضد الفرنسيين، الذين شعروا بالخطر فتحصَّنوا في معسكرهم، وحاصرهم الثائرون وأضرموا النار فيهم.. ولم يستطع الفرنسيون المقاومة وهربوا من هول النيران، واتجهوا إلى السفن.. حتى إن بعضهم ألقى بنفسه في القوارب الراسية على النيل، مستغيثين بأصحاب المراكب لنقلهم بعيدًا.. فأبَى رجال السفن أن يحملوهم، فاضطروا لمواصلة الهرب برًّا تجاه دمياط، لكن الثوار قطعوا عليهم الطريق وقتلوهم عن آخرهم إلا جنديًّا واحدًا!

كان من بين الناجين أيضًا خلال تلك الأحداث زوجة أحد الضباط الفرنسيين وابنتها، حيث نجح رجال المقاومة في أسرهما، ولم يمسوهما بسوء، وقد أشعلت تلك الواقعة نار الثورة في البلاد المجاورة.

ورطة نابليون

فلمَّا علم بونابرت بالكارثة التي حلَّت بقواته في المنصورة، أرسل قائده “دوجا” على رأس قوة قوامها ثلاثة آلاف جندي إلى هناك، وأمر القائد بمعاقبه أهالي المدينة عقابًا شديدًا، كما أمره بقتل تسعة أو عشرة من أعيانها، وطلب منه أيضًا أخذ رهائن من كل قرية اشترك أهلها في الاعتداء على جنوده، ثم طلب منه إحراق القرى التي يرى أنها أكثر القرى اعتداءً على الجنود الفرنسيين.

وبعد تحقيقات موسعة من “دوجان”، تدارك الموقف وتحقَّق من الواقعة، وتوصَّل إلى أنه يصُعب على شخصٍ عادي تدبير ما حدث، فهي مؤامرة مُحكمة التخطيط، ولا بد من شخصية يكون لها صفة الزعامة والتأثير على بلاد البحر الصغير.

ولما تبيَّن أن معظم المعتدين على الجنود الفرنسيين هم من خارج المنصورة، يتزعمهم شخصان بالغا الأهمية هما: الأمير مصطفى، وعلي العُديسي، وكانت لهما شهرة في تلك الجهات بالسطوة والجاه وشدة البأس.

وتبيَّن له أيضًا أن حسن طوبار هو الرأس المدبر لتلك الواقعة، وأن له دورًا مؤثِّرًا في تنفيذها، وذراعًا طويلة تمتد بحمل الإمدادات لمعاونة القرى المجاورة، وإمداد الثوار بالسلاح.

وقد توصل “دوجان” أيضًا إلى أن حسن طوبار قد وفَّر ملاذًا آمنًا للبطليْن الهاربين: “علي العديسي”، و”الأمير مصطفى”، ولجميع الأهالي الذين غادروا مدينة المنصورة والبلاد المجاورة لها؛ خوفًا من بطش الفرنسيين.

وقد تسبَّب ذلك في تدهور الأوضاع الأمنية في المنصورة، فهاجر الكثيرون من أهلها، فرارًا بأنفسهم من تُهمة قتل جنود الحامية الفرنسية، وساد الأسواق كسادٌ وقَلَّت المعاملات، وعاشت المدينة في رعب، انتظارًا لما ستُسفر عنه التحقيقات.

من جانبه، بعث “دوجان” برساله إلى بونابرت بالقاهرة، يُخبره بما توصَّل إليه في سير التحقيقات، مطالبًا إياه بالعفو عن أهالي المنصورة للعودة إلى أعمالهم، وبألا يعفو عن القرى التي شاركت في الاعتداء، فوافقه بونابرت على معظم ما طلبه، لكنه فرض غرامات باهظة على المنصورة وأعيانها، وكذلك على البلاد سيئة السلوك حول المدينة!

واكتفى “دوجا” بالحكم على اثنين من أهالي المنصورة بالإعدام لثبوت اشتراكهما في قتل الفرنسيين، ونُفِّذ الحكم عليهما، وطاف برأسيهما في شوارع المنصورة ليكونا عِبرة وتخويفًا لمن يُفكر في أن يُقدِم مجدَّدًا على مثل ذلك الأمر.

وبدأ “دوجا” التفكير في التعامل مع حسن طوبار، كما أخذ يتعقب باقي المعتدين محاولا القبض عليهم.

عقوبات جماعية

وواصل الفرنسيون حملاتهم العسكرية لمعاقبة القرى التي اشتركت في الاعتداء على الجنود الفرنسيين في المنصورة، لكن لم تؤد تلك الإجراءات إلى نتائج محمودة، بل زادت عزيمة وبأس الثوار الذين تجمعوا حول بحيرة المنزلة التي جعلها حسن طوبار مركزًا للمقاومين.

وبعد فترة بدأ هو وفريقه الهجوم على القوات الفرنسية في عمليات كر وفر، وقد تسبَّبت تلك العمليات في منع القوات البحرية من عبور بحيرة المنزلة، حتى باتت المواصلات النيلية في فرع دمياط مهددة.

وقطع الثوار جسور الترع، فغمرت المياه الطرق وأتلفتها، وحل الجنود في الطرق والمستنقعات. ومع اشتداد المقاومة، وقوة بأس طوبار والثوار تشجَّع الأهالي من سكان تلك البلاد وامتنعوا عن دفع الضرائب، بل إن مُحصّلي الجباية كانوا يُقابَلون بإطلاق الرصاص أو بضربهم بالعصا!

اقرأ أيضا: أبو رجيلة.. إمبراطور الأتوبيسات وعاشق الزمالك

ولتطوير أدائه العسكري، ضاعف طوبار مجهوده للحصول على أسلحة وذخيرة وتجهيز أسطول حربي كبير في بحيرة المنزلة، فقام بتحويل مراكب الصيد إلى مراكب حربية مزودة بالأسلحة، وقام بتدريب الصيادين وتسليحهم على نفقته الخاصة، وفتح مصانع النسيج التي يمتلكها لتزويد المقاومين بالملابس التي تساعدهم في القتال.

وقرر إرسال عائلته وأمواله إلى غزة حتى لا يشغله شاغلٌ عن معركة التحرير التي بدأها مع الغزاة الفرنسيين.

وبدأ طوبار من المنزلة ما يُشبه حربا نفسية ضد نابليون وجنوده، فكان هو المدبر لشائعة فرمانات مزعومة منسوبة إلى الباب العالي، ومن ضمن تلك الفرمانات شائعة تُفيد بأن السفن الإنجليزية بالاشتراك مع السفن التركية جاءت لاستعادة الإسكندرية.

وقد أشعر ذلك النبأ الفرنسيين بأنهم محاصرون داخل مصر في سجن كبير! فمن الداخل صورة حسن طوبار ورجال المقاومة، ومن الخارج محاصرة الإنجليز والأتراك لسواحل البحر المتوسط!

ارتفعت حِدَّة الثورة واستمر طوبار في نشر شائعة الفرمانات، وخاطب الثوار قائلاً: “إنهم اليوم يعاملونكم بالحسنى ويخدعونكم بتصرفاتهم الحالية، حتى يتمكنوا منكم.. ووقتها سوف يصادرون أموالكم، ويستحلُّون نساءكم، ويجعلون أطفالكم عبيدًا، وسوف تسيل دماؤكم.. ولذا فعلينا أن نُطيعَ الله الذي أمرنا ببذل أموالنا وأنفسنا في سبيله”.

محاولة المقاومة من الخارج

وقد تواصل حسن طوبار مع أحمد باشا الجزار، والي عكا، وحصل الفرنسيون على معلومات تُفيد بأن إبراهيم بك، زعيم المماليك الذي يرابط بفلول جيشه جنوب سوريا، كان على اتصال بحسن طوبار، ثم كانت المرحلة الحاسمة بعد ذلك، حين قرر طوبار أن يهاجم الفرنسيين في دمياط.

الشيخ حسن طوبار
الشيخ حسن طوبار

ومع امتداد شعلة الثورة إلى مدينة دمياط، وانضمام عدد كبير من عرب الشرقية والمنصورة وعرب الدرنة، خطَّط طوبار في سرية تامة للهجوم على الفرنسيين في دمياط، واستعدت مراكبه الشراعية في بحيرة المنزلة لذلك.

وتواكب مع ذلك تحركٌ بريٌّ من الأهالي، وفي ليلة 16 سبتمبر 1798م تحركت سفن طوبار ومعه جموع الثوار، وأبحر بأسطولٍ يضم 150 سفينة مسلحة، راحت تشق البحيرة قاصدة شواطئ دمياط.

وفي الفجر وصلت السفن إلى قرية غيط النصارى (إحدى قرى دمياط)، وتبعُد عن تمركز الفرنسيين بقرابة 20 كم.

هناك التقى الفلاحون القادمون من القرى بالثوار الهابطين من السفن، وكانوا مسلحين بالرماح والبنادق.. واجتمعوا للقتال ضد الفرنسيين.

وقد كان جنود الاحتلال الساهرون لحراسة الحدود في المواقع الأمامية للمدينة أول قتلى الاشتباك، فقد هاجمت مجموعة ثوار دوريات الحراسة الفرنسية وأبادتها عن آخرها، واستمر طوبار ومن معه من الثوار في الزحف، قاصدين تمركز الحامية الفرنسية التي اتخذت من الوكالات على النيل مسكنًا لها، وقد استيقظ القادة الفرنسيون على فزع الاجتياح وصدرت أوامر القائد “فيال” بصد الهجوم.

والتقى الطرفان في معركه شرسة استبسل فيها جنود طوبار، وقد استمرت المعركة يومين كاملين، بعدها انسحب “فيال” وعبر للضفة الثانية من النيل، لإعادة ترتيب جنوده وانتظار الدعم القادم من المنصورة.

ومع تراجع الفرنسيين، شعر الثوار بنشوة الانتصار، وانشغلوا بالغنائم.. وهو ما ترك فوضى داخل مدينة دمياط، الأمر الذي جعل اليونانيين المقيمين في دمياط يخشون السرقة، فخافوا على تجارتهم وأموالهم، وأطلقوا الأعيرة النارية من منازلهم على الثوار، الذين ردّوا عليهم بطلقات مماثلة، ما أدى إلى نفاد ذخيرة رجال طوبار.

خنجر يوناني في خاصرة المقاومة

وقد لعب اليونانيون دورًا غير مشرف بوقوفهم مع الحملة الفرنسية ضد طوبار، بل إن بعضهم أمد الفرنسيين بالأفراد والعتاد، وبذلك الدعم اليوناني انقلبت الموازين في الأيام التالية، ونجح “فيال” في إخماد الثورة، وانسحب طوبار والثوار إلى بحيرة المنزلة، لكنه ترك حراكًا ثوريًّا وعسكريًّا في كل القرى بين دمياط والمنصورة.

وتعدَّدت حوادث مهاجمة الثوار للسفن الفرنسية المُقِلَّة جنودًا في النيل، وكانت قرية “ميت الخولي” – الواقعة على النيل – الأكثر اعتداءً على السفن الفرنسية، كما أن أهالي عزبة البرج قتلوا جميع أفراد الحامية الفرنسية، وعددهم 20 جنديًّا، وخرج شبابها وشيوخها بمراكبهم قاصدين عكا، خوفًا من انتقام الفرنسيين!

انزعج الفرنسيون من نشاط حسن طوبار، وصدرت أوامر بونابرت بالقيام بحملة موسعة على البحر الصغير، وتحركت السفن بحرًا متجهة إلى قرية الجمالية عن طريق بحر أشمون.

في المقابل أسرع طوبار بتجهيز المقاومين، وأمر الأهالي برصد تحركات الجنود الفرنسيين، وبالفعل قام ثوار باستدراج الحملة، حتى توقفت السفن الفرنسية في بحر أشمون لقِلَّة المياه، ولم تستطع السير، مما اضطر الجنود الفرنسيين إلى سحب مراكبهم بالحبال.

وهنا انتهز طوبار فرصة ارتباك الفرنسيين واشتبك معهم في معركه ضارية، عُرِفت باسم “معركة الجمالية”.

ومع وصول الإمدادات الفرنسية وبعد قتال عنيف، لجأ القائد الفرنسي “داماس” إلى إشعال النار في القرية، فامتدت ألسنة اللهب لتأكل الأخضر واليابس، وفي طريق عودته إلى المنصورة أحرق “داماس” أيضًا قرية “ميت سلسيل” التي كانت من أكثر القرى تمردًا على الفرنسيين!

بعد تلك السلسلة من المعارك، أدرك نابليون ألا سبيل للانتصار على طوبار بتلك الطرق، فلجأ إلى المساومات والمفاوضات معه، وكَسْب رضاه باللِّين، وكانت نية بونابرت من ذلك هي كسب مزيدٍ من الوقت، ثم العمل رويدًا من أجل تقوية المراكز الفرنسية في دمياط والمنصورة، تمهيدًا للقيام بهجوم كاسح على حسن طوبار ورجال المقاومة.

وقد كلَّف نابليون قائده “فيال” بأن يُرسل أموالا وهدايا إلى طوبار، تمهيدًا للتفاوض معه. وبرغم أنهم حاولوا إغراءه، فإنهم فشلوا في مسعاهم!

وبعد رفض طوبار الصلح، ظهرت شراسة الفرنسيين وبدأت عملياتهم الدموية، فزادوا من تعزيزاتهم في دمياط، وحرقوا عددًا من القرى التي يتحصَّن فيها الثوار، أو التي انطلقوا منها في عمليات سابقة فدمروها وأحرقوها تمامًا، بل إنهم قتلوا المئات في محيط قرية “الشعراء” وحدَها.

أيضًا، شنت القوات الفرنسية هجومًا شاملاً للسيطرة على بحيرة المنزلة من البر والبحر، وبعد معارك شرسة ومقاومة باسلة من طوبار وسفن الثوار، تمكَّنت القوات الفرنسية من دخول بحيرة المنزلة من دمياط، بل إنهم دخلوا المطرية والمنزلة.

وقد حاول الفرنسيون أن يسيطروا على منازل طوبار بالقوة، لجعلها ثُكنات عسكرية، فرفض الأهالي.

ولما هَمَّ الجنود بكسر الأبواب، تقدَّم عشرات الشيوخ ووقفوا بينهم وبين الباب، وقالوا: “لن نتحرك حتى يخترقَ الرصاص صدورنا”.

ومع دخول القوات الفرنسية وسيطرتها على المنزلة، خيَّم سكونٌ رهيب على القرية.. كان شبيهًا بسكون المقابر وصَمْت الموتى! ولم يبق في المدينة أحد سوى النساء والأطفال والشيوخ.

وبسبب تأخر الدعم العسكري لطوبار من بلاد الشام، فضلاً عن عدم التنظيم الجيد، استولى “دماس” على المنزلة بهجوم بري، وعزَّز “أندريوس” الموقف بهجومٍ بحري، ولم يجد حسن طوبار أمامه غير الهجرة إلى غزة.

من هناك بدأ طوبار ومن معه من رجال المقاومة -قرابة مائة رجل- التخطيط للعودة إلى دمياط والإسهام في تحرير مصر كلها، كما تحالف مع بعض القبائل العربية، ومع رجال من الدولة العثمانية، وذلك لتجهيز خمسين سفينة لمهاجمهة الفرنسيين في دمياط.

أمر اعتقال

وأخيرًا أمر بونابرت بمهاجمة طوبار، ونجح العميد بحري “جونتوم” في القبض عليه بعد أن استخدم الخداع وحاصره، ثم نصَب له فخًّا مُحكمًا، وعلى الفور جرى نقل طوبار إلى القاهرة. وحين وصلها لم يسمح بونابرت لأي مراسل جريدة أو مجلة فرنسية بنشر أي خبر أو مقابلة معه. وتم نقله إلى سجن القلعة بالقاهرة بصحبة قوة مسلحة بالمدافع الرشاشة، حيث أودع في زنزانة صغيرة خاصة منعزلة عن باقي السجناء.

بقي طوبار في سجنه عدة أشهر، وبعد عودة نابليون من حملته على الشام طلب رؤيته فأخرجوه من محبسه، وقد خيَّم السكون الرهيب على اللقاء الذي قدَّم خلاله نابليون عرضَه، الذي يَقضي بالإفراج عنه، والسماح بعودته إلى دمياط.. لكن شريطة أن يلزم السكينة والهدوء، وأن يضع أكبر أبنائه رهينةً عند بونابرت ليضمن إذعانه!

وحاول نابليون أن يُعيد بناء علاقاته مع القبائل العربية، بعد أن كان قد نقض كل الاتفاقيات معهم، وكان سبيله إلى ذلك أن يأخذ مزيدًا من الرهائن من أبنائهم، حتى يضمَنَ السيطرة عليهم!

لكنَّ القائد “كليبر”، الذي تولَّى قيادة الحملة الفرنسية – بعد عودة نابليون إلى بلاده – لم يكن يثق في طوبار، وكان يُوصي قواته في دمياط بمراقبة تحركاته بكل دقة.

وكانت وطنية طوبار تمنعه من خيانة بلده، حيث كان يُعطي معلومات مغلوطة تُسهم في تضليل الفرنسيين، رغم كل مخططات استمالته وإغرائه، وأسر ابنه.

معاهدة العريش

بعد ذلك أتم طوبار المفاوضات بين كليبر والعثمانيين، المعروفة بمعاهدة “العريش” في 24 يناير 1800م، وكانت تنص على: جلاء مُشرِّف للجيش الفرنسي عن مصر بلا قيد أو شرط، على أن تكونَ عودتهم لفرنسا على نفقة الدولة العثمانية.

ووسط كل تلك الأحداث العسكرية والسياسية الملتهبة، تَصعد فجأة رُوح القائد الشاب حسن طوبار إلى بارئها، وكان ذلك في يونيو 1800م عن عمر ناهز الثامنة والثلاثين عامًا.

والراجح أن وفاته كانت بسكته قلبية.. كما هو شائع عند عائلته، ولدى معظم المصادر، لكن بعض صحف الحملة الفرنسية الصادرة في القاهرة ألمحت إلى أنه مات مسمومًا، وأن من قامت بذلك هي إحدى نسائه بدافع الغيرة!

والملفت أن نابليون بونابرت كتب في مذكراته عن بطولات حسن طوبار، قائلا: “إنه كان من الصعب أن نُصدِّق أن يقوم رجلٌ مصري بمثل هذه الخطط الحربية الباهرة.. فقد رفض رفع الراية البيضاء أمام أسطولنا”.. وكتب أيضًا يقول: “طوبار كان مسؤولاً عن كل أرض الدلتا”.

سجل عائلة طوبار

في عصر محمد علي، اتهمت السلطات “محمد شلبي حسن طوبار”، حفيد حسن طوبار في جريمة قتل شخص، ولما وصل الأمر لمحمد علي باشا، أرسل أمرًا بقتله، وكان موجودًا حينها في دمياط.

وبعد تنفيذ الحكم عليه تبيَّن أنه مظلوم، ولذلك شيَّد الأهالي له مسجدًا في المكان الذي قُتل فيه، وأطلقوا عليه “مسجد المظلوم”، ومن نسله وُلِد حفيدُه المبتهل الشيخ “نصر الدين طوبار” عام 1920م.

صورة مقبرة حسن طوبار
صورة قديمة لمقبرة حسن طوبار

ولم يكن المنشد الراحل، هو الحفيد الوحيد الذي حقَّق نجاحًا وجماهيرية من بين أحفاد حسن طوبار، ففروع العائلة انتشرت في ربوع مصر، وتفرعت منها عائلات عديدة.

ومن مشاهير العائلة: عبد المنعم طوبار (الناشط السياسي قبل ثورة 1952)، وأيمن طوبار، وشلبي طوبار (آخر من سلَّم كِسوة الكعبة إلى الحرمين الشريفين)، والدكتور سمير طوبار (رئيس اللجنة الاقتصادية والمالية بالحزب الوطني، الأستاذ بجامعة الزقازيق)، والمحامية هانم طوبار (أمينة المرأة السابقة بالدقهلية، والناشطة السياسية).. وهي التي أمدتنا بالمادة الأساسية عن جَدِّها المجاهد الراحل حسن طوبار.

المصادر

حسن طوبار.. شيخ إقليم المنزلة، ودوره في مقاومة الحملة الفرنسية: أحمد السيد عبدالسلام الزفتاوي، مكتبة نانسي بدمياط أحمد لطفي السيد: قبائل العرب في مصر.

عبد الرحمن الرافعي: تاريخ الحركة القومية، وتطور نظام الحكم، ج 1.

مذكرات ضابط في الحملة الفرنسية على مصر (جوزيف ماري موارية)، ترجمة وتقديم: كاميليا صبحي، المجلس الأعلى للترجمة مقابلات مع عدد من أفراد عائلة طوبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى