حضارة 3 آلاف سنة والانتخابات الأمريكية

محمد السيد الطناوي

Mohamed.altanawy1@gmail.com

تقول الأسطورة إن أثينا إلهة الحكمة، وبوسايدون إله البحر، رغبا في أن تتسمّى كبرى المدن اليونانية باسميهما، فتنافسا -عملاً بقرار زيوس كبير الآلهةـ لاجتذاب أهل المدينة بتقديم كل منهما هدية لائقة.. ضرب بوسايدون الأرض برُمحه الثلاثي فتفجّر نبع مياه، لم يُفد منه أهل المدينة لملوحته. أما أثينا فأهدتهم شجرة زيتون أعجبت أهالي البلد اليوناني. عندها، أعلن الحاكم كيكروبس فوز أثينا وقرر تسمية المدينة باسمها.

في زمن النشأة، روى الأثينيون هذه الأسطورة للمرة الأولى.. كان بلدهم، الواقع في حضن سهول أتيكا الوسطى، مجرد قرية صغيرة بيوتها من الطين، وشوراعها ضيقة غير مرصوفة، لا تضاهي نظيراتها من المدن الحضارية الأخرى. لكن هذه الحضارات أيضًا، رغم أهراماتها وتماثيلها الضخمة ومعابدها المهيبة، لم تملك يومًا نفوذ أثينا المتسع باتساع الكوكب، والممتد حتى اليوم.

تفردت الحضارة اليونانية القديمة باتصال قصَر عنه غيرها.. وفي كتابه “أصول الفكر اليوناني” يحكي لنا الفيلسوف الفرنسي جان بيير فرنان سيرة أخرى للمدينة اليونانية polis، تبتعد عن “الأسطورية” بمقدار ما تحمله من حقيقة، ما زالت مظاهرها حاضرة حتى اللحظة، لكنها أيضا أسطورية، بمعنى أنها بلغت من العظمة -بفعل استمرارية ناهزت 3 آلاف سنة- درجة تجعلها أقرب للخيال.

رصد فرنان النظام السياسي المُنشئ للحضارة اليونانية. ففي أطروحته، قام النظام على الكلمة بعدما جعلها الأثينيون الأداة الأبرز بين أدوات الحكم؛ كانت الكلمة مفتاح كل سلطة، ووسيلة أي قيادة.

وتمجيدًا لها، جعل اليونانيون “بيتو” -أحد آلهتهم- إله الإقناع. ورغم قدسية يوحي بها هذا المنحى، لم تصحبْها أي مظاهر للأبهة وهي تسعى بين الناس في الساحات العامة، مناقشةً ومجادلةً ومناظرةً بتشجيع من النظام السياسي. الكلمة منحت القيمة لمن شاءت، فكانت لهم السلطة على الناس.

بذلك كانت العلاقة بين الخطابة والسياسة وثيقة. فالسياسة، وفق هذا المعنى، هي فن معالجة الكلمة المطبوعة بطابع العلانية في المجتمع الأثيني، حيث ناقشوا شؤون السياسة والحكم في الساحات والمحاكم أمام الجميع، وهذا بالتبعية ناقض طابع السرية الذي ارتبط بازدهار سلطة “الباسيليوس”، أو النخبة العسكرية المتمتعة بالقيادة، لتكون “تحت نظر الجميع لمصلحة الجميع”.

ساعد ذلك في إشاعة الديمقراطية بالمجتمع الأثيني تدريجيًّا، وعلى الأصعدة كافة، لا السياسة وحدها. فكان للثقافة نصيبها بانتقالها إلى الساحات إيذانًا بإشراك “الديموس” أو الفلاحين في فعالياتها (الندوات الشعرية، المسرحيات..) بعدما كانت مقصورة على الأرستقراطية الكهنوتية والعسكرية.

أضحت المعارف والفنون مشاعًا للجميع، وخضعت موادها للنقاش والنقد والتفسيرات المختلفة، في حين كان يجري في السابق تداولها في الخفاء بقصور الحكام، ضمانًا للسيطرة، واستمرارًا للتسلط (كحال الكتابة في الحضارة المصرية القديمة كسِرٍّ من أسرار الكهنة).

برز السفسطائيون من هذه الأجواء، فعلموا الناس فن الخطابة وطرائق الإقناع وأساليب الجدال، بوصفها أدوات الفوز في صراعات مجلس الحكم والمحكمة. ومهّد  ذلك لظهور أرسطو، الذي وضع مَنطِقه ضابطًا للكلام.

ولأرسطو مقولة زوّده بها واقع مدينته: “الإنسان حيوان سياسيّ”! ومنها استخلص فرنان فكرة أن أهل أثينا انحازوا في نظام حكمهم إلى “السياسيّ” لا إلى “السياسة”.

كانت اليونان -مثل غالبية البلاد الأخرى- يحكمها ملك، واختفى الملك في ظرفٍ ما من المدينة، فاستبدل اليونانيون به وظائف اجتماعية مختلفة، يتحدد من يتولاها في الساحة العامة، حيث يتوافد المتنافسون كأنداد، وسلاح كل منهم الكلمة! تبعًا لهذه الصورة، أمست السلطة من حق الجميع وبعيدة عنهم في الوقت ذاته. باتت السلطة ممارَسةً للكل، أكثر من كونها مِلْكيةً لأحد. أما الإنسان في مجتمع كهذا فكان “حيوانًا سياسيًّا” بالفعل، لكن بعيدًا عن “السياسة” بما هي امتلاك للسلطة وبسط للنفوذ. فلا سلطة لأفراد، بل للمجموع. وفي هذا تكريس لـ”السياسي” وإعراض عن “السياسة”.

“السياسة” تفترض أن يتسلط فرد أو أفراد على المجتمع بامتلاكهم السلطة. أما في “السياسي” فالكل يمارسها مشاركًا في إدارة المدينة.

هذه الصورة، التي رسمها فرنان، تمثّلتها الديمقراطية الغربية في هيئة أحزاب ومنظمات للمجتمع المدني، وإعلام حر، وانتخابات لا يُعلم الفائز فيها حتى اللحظة الأخيرة في فرز نتائجها، مثل تلك التي تابعناها بقدر كبير من الحماسة لمعرفة مَن سيكون الرئيس الأمريكي الجديد، وتصوّر البعض -ممّن لم يتجاوزوا السطح- أن الاهتمام البالغ يعود لتعويل المتابعين على تغيير نتائج الانتخابات للمسار السياسي بالمنطقة، في حين كان المحرّض الأول تعلُّق العقول والأفئدة بفاعلية حُرمت منها مجتمعاتنا، ولا تكتمل إنسانية الإنسان إلا بها، بحسب أرسطو.

وفي امتداد لصورة “السياسي”، كما رسمها فرنان، وقف الرئيس الأمريكي (السابق) بعدما جلس في السلطة 4 سنوات وإن لم يمتلكها، على قدم المساواة مع منافِسه، لا يحوز المتنافسان سلاحًا لاجتذاب أصوات الناخبين غير الكلمة. في هذه اللحظة، بلغت فاعلية الرجل العادي ذروتها، إذ تصبح السلطة بيد الجميع.. في حوزة الإنسان.. لأنه فقط إنسان!

وإذا كانت غالبية المعلقين والمهتمين المستقلين، إن لم يكن جميعهم، رأت في لحظة ترامب أزمة للديمقراطية الغربية، فلعل العكس بالعكس، وهذا علامة على الفاعلية والمعافاة.

هذه الأزمة المتخيَّلة تعود لنفوذ أفلاطون الفكري العابر للعصور. فالفيلسوف الإغريقي أوْهم البشرية أن الصورة المُثلى للحاكم تتجسّد في “الرجل الحكيم” أو “الفيلسوف”، وبذلك فإن كل من اقترب من تلك الهيئة وحاز السلطة لا يُعدّ صعوده إليها أزمة أو نقص فاعلية. لكن عندما يصل إلى الحكم رجل عادي مثل ترامب، منقطع الصلة بالثقافة، عنصري، ديماجوجي، يبيع للناس ما يرغبون في سماعه لا ما يعتقده، وهو في هذا يمثل قطاعًا واسعًا من المجتمع الأمريكي، يُمسي وصوله أزمة للديمقراطية، مع أنها للجميع، للجاهل والمتعلم والمثقف والأمّي وشبه الأمّي والرجل والمرأة والأبيض والأسود.. وطبيعي، بل هو دليل فاعلية الديمقراطية ومعافاتها، أن يفوز بالسلطة في لحظة من لحظاتها رجل مثل ترامب يمثل فئات واسعة.

الأزمة الواقعة حقًّا هي في مجتمعات من يتوهّمون الأزمة في الديمقراطية الغربية، في حين تتعطّل مجتمعاتهم عن إدارة شؤونها، لتنتفي عن مواطنيها صفة السياسي في تعريف أرسطو للإنسان، وهي وضعية مأزومة، كفيلة بأن تُلهي الجميع عن أي أزمة أخرى، مثل “الأزمة الغربية” المزعومة، التي بفوز بايدن سيخفُت الحديث عنها شيئًا فشيئًا، في حين تستمر أزمتنا.. ويستمر الحديث عنها!         

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram