ثقافة وفنمختارات

“حظر تجول”: عالقون في الماضي والمشاعر السجينة

لحظة واحدة تحرك عقارب الزمن

 

لحظة واحدة تحرك عقارب الزمن في كل اتجاه، لحظة آنية يتقلب فيها الماضي كصفحات كتاب وينكشف المستقبل كأوراق العرافة المطلعة على كل الأسرار؛ تلك اللحظة تحاصر الوقت والمشاعر والأفعال، وتضعنا أمام ساعة ونصف ساعة هي زمن فيلم “حظر تجول” الذي يضع شخصياته في حبس إجباري مع ماضيهم. كل هذا لنراقبهم عن قرب.

تخرج “فاتن/إلهام شاهين” من السجن بعد حبس دام عشرين عامًا لارتكابها جريمة لا نعرفها إلا في منتصف أحداث الفيلم. تعود “فاتن” إلى حياتها في الماضي، إلى بيت أهلها لتبدأ من جديد، لكن ظروف حظر التجول الذي فُرض على القاهرة في خريف 2013 أجبرتها على اللجوء إلى محطة انتظار  تقضي فيها ساعات الحظر لتعود في الصباح إلى بيت أهلها، وهذه المحطة هي بيتها القديم حيث تسكن ابنتها “ليلى/أمينة خليل” وزوج الابنة وحفيدتها الصغيرة. أربع وعشرون ساعة من الحبس تتفجر خلالها صفحات الماضي المطوية وفيض من المشاعر الغاضبة والمسكوت عنها لسنوات طويلة.

يتكرر في أفلام المخرج والسيناريست أمير رمسيس ثيمة محاصرة الزمن، في فيلمه “بتوقيت القاهرة” نتتبع حكايات مختلفة لشخصيات تربطهم صلة بعضهم ببعض وكل الأحداث تدور في يوم واحد، وفي فيلمه “خانة اليك” نراقب ليلة اختطاف مجموعة من الشباب وحبسهم معًا في مكان واحد فاقدين ذاكرتهم بنحو ما ولا يعرفون سبب احتجازهم، والماضي يتبدل في أذهانهم ليتذكروا علاقتهم بعضهم ببعض، ويتتابع ماضيهم الذي ورطهم في هذا الاختطاف.

وها هو الزمن يحاصر الشخصيات من جديد في آخر أفلامه “حظر تجول” ليضعنا أمام تساؤل جديد يختلف عن أفلام رمسيس السابقة: هل ساعات قليلة من الزمن كفيلة بأن تداوي ندوب الماضي بالمغفرة؟ وهل مرور السنين على جراح لم تلتئم يعني أنها تداوت بالفعل؟

مشهد من فيلم “حظر تجول”

السجن والاختيار

الكاتبة “ليندا كاوجيل“ تعيد تصحيح مفهومنا عن السيناريو في كتابها “فن رسم الحبكة السينمائية” وتقول إن هناك اعتقادًا خاطئًا بأن السيناريو ما هو إلا مجموعة من الأحداث والأفعال المتتابعة التي تخلق بالضرورة قصة درامية، لكن هذا غير صحيح لأن الدراما تتطلب ما هو أكثر من عدد متلاحق من الحوادث التي تحدث للشخصيات، والحبكة هي الطريقة التي تفصل بين سرد قصة وبين حكيها دراميًّا، كيف ستحكي قصتك؟ وكيف يتطور الصراع دون أن يبدو الأمر ملفقًا؟ هنا تكمن الحبكة.

من هذا السؤال يمكن قراءة الفيلم الذي نتوقع منذ اللحظات الأولى المسار الذي يسير فيه، فهو يشبه أفلام “الطريق“* لكن ما من طريق هنا، هنا بيت عائلة، أم وابنتها، وماضٍ يلاحقهما كظل ملاصق، الشخصيتان مختلفتان في كل شيء، نظرتهما إلى الأمور، طريقتهما في التعامل، مزيج من الشد والجذب في كل اتجاه، لكننا لا نعرف لماذا تحمل الابنة كل هذه الكراهية لأمها، لأنها “رد سجون”؟ ربما، لكن لماذا سجنت الأم؟ وما هو السر المكتوم الذي لا يريد أحد مصارحة  الآخر به وكشفه علانية؟

على مدار الفيلم نحن في حالة حصار بين الداخل والخارج، في الخارج نرى القاهرة عام 2013 تشتعل بنيران الاضطراب بعد الإطاحة بحكم الإخوان، نراقب الشارع من شاشة التليفزيون التي يشاهدها الشخصيات، شاشة تحكي زمنًا آخر وتستدعي بداخلنا مشاعر وذكريات تخصنا وتخص الشأن العام، ثم نعود من جديد إلى بطلتي الفيلم المتورطتين في الحبس معًا داخل البيت.

سجنُ الجسد والمشاعر

“فاتن” التي عاشت عمرًا بكامله في السجن تبدو أقل حرية في هذا البيت من السجن، فهي سجينة الجسد والمشاعر، لا تعانق ابنتها ولا تمارس أمومتها التي حرمت منها لسنوات، كما أنها الآن جدة تختبر شعورًا جديدًا في ساعات قليلة، يستقبلها العالم بالحرمان من هذه المشاعر ويكبلها بأصفاد من حديد.

يمر زمن الفيلم ونكتشف لاحقًا أن الأم قتلت زوجها، وأن الابنة لم تسامحها على فعلتها تلك، تأخير تلك المعلومة بدا متعمدًا ليضغط على مشاعرنا تجاه الأم “فاتن” التي سنستقبلها بشيء من الحيرة والشك تجاه سلوكها كسجينة سابقة، فماذا لو عرفنا منذ البداية أنها قتلت زوجها؟

تأخر المعلومة جاء لصالحها فأصبحنا متعاطفين معها وغاضبين من معاملة ابنتها السيئة، وربما ليعزز أيضًا فكرة “الغفران” التي تتمناها الأم، أن تغفر لها الابنة ما فات، لكننا نُترك أمام سيل من الأسئلة بلا إجابة مثل: لماذا قتلت زوجها؟ وما السر الذي يتحدث عنه زوج الابنة في نهاية الفيلم؟ ولماذا يتكتم المحيطون بالابنة على سر الأب المجرم هو الآخر؟ ولماذا لم تتصارح الأم والابنة طيلة فترة الحظر وصارتا أمام خلافات يومية عادية تلهيهم عن مشاعر الغضب المكتوم؟

مشهد من الفيلم

داخل الدراما لا توجد إجابات صريحة، لكن الإجابات تأتينا من لقطات متفرقة من الماضي، “فلاش باك“ يكشف لنا الغطاء الذي يستر سر الماضي الذي يجرم الأب ويدينه لأنه معتدٍ جنسيًّا، تحرش بابنته وابنة عمه الصغيرتين.

نحن هنا أمام مشكلة في السيناريو تضعفه أكثر من أن تدعمه، واللجوء إلى الـ”فلاش باك“ يجعلنا في حالة تعجب، هذه الخيالات من الماضي تخص من؟ الابنة “ليلى”؟ أم الأم؟ أم الراوي العليم لأحداث الفيلم؟  ولماذا لم تستغل “ليلى” فرصة الحبس مع أمها في ساعات الحظر لتكشف لها عن غضبها من أبيها لو كانت تتذكر بالفعل أن أباها تحرش بها في طفولتها؟ خاصة وأننا نلاحظ خوف  “ليلى” على ابنتها ومحاوطتها لها طيلة الوقت حتى من أبيها.

هذه المشاعر المسكوت عنها تكشف بنحو غير مباشر عن  طبقة أخرى من المشاعر الصامتة التي لم تصرح ليلى بها.

وفي عدد من المشاهد تظهر الابنة في صورة المسيطر وصاحب اليد العليا في البيت، كمشهد العلاقة الحميمة بينها وبين زوجها الذي تبدو فيه متحكمة أكثر منه، ومشهد الغداء الذي تقعد فيه إلى رأس طاولة الطعام ما يعكس صورتها وحجمها في البيت في مقابل زوجها الذي يحتل مكانة أقل منها في التحكم والوجود في البيت.

هذه الأسئلة كلها تظهر وتختفي دون إجابة صريحة، ويبقى السر مستترًا دون مكاشفة ليطوى في صفحات الماضي كأنه لم يكن، لكن يبقى السؤال الأهم: كيف ننشد المغفرة دون أن نفهم الحقيقة أولاً وحقيقة مشاعرنا ثانيًا؟

مشهد من “حظر تجول”

تتأرجح مشاهد الفيلم بين الميلودراما والكوميديا الخفيفة، الشد والجذب، الحرارة والبرودة، وهذا التبدل في المشاعر بين الأم والابنة يخفف من حدة العلاقة من جهة لكنه من جهة أخرى يجعلها مشوشة وغير واقعية من جهة أخرى.

في أحد المشاهد تتشاجر الابنة مع الأم التي تبحث عن سجائر لتدخنها وفي المشهد التالي تعطيها نقودًا لتشتري سجائر من أقرب محل، بدا الأمر عبثيًّا بعض الشيء، فإذا كان الصدام قويًّا وهدأ بهذه البساطة فلماذا اشتعل إذًا؟ وهل هذا يعكس حالة اضطراب مشاعر الابنة تجاه أمها؟

قد تكون الإجابة لا، وهذا يعيدنا من جديد إلى الحبكة والطريقة التي تقدم بها الدراما وتحل عقدتها والذي لم يبد مناسبًا في فيلم كـ”حظر تجول” حيث المشاعر محكومة في نهار واحد وليل واحد، نعم تتبدل مشاعرنا لكن هذا التبدل السريع لا يجعل المشاعر مهضومة بدرجة كبيرة ولهذا تغيب عن الفيلم الواقعية.

ومن جهة أخرى فإن اختيار أربع وعشرين ساعة فقط لإزالة الثلوج التي لم تنصهر منذ عشرين عامًا يبدو على قدر من التعمد لتطويع الأحداث بطريقة إجبارية دون انسياب، فتحولت المشاعر إلى فتات تطفو على السطح ولا تتعمق في طبقات أعمق، وانصهار الجليد في النهاية بدا متوقَّعًا أكثر من كونه منطقيًّا.

حصلت الفنانة إلهام شاهين على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن دور الأم فاتن، ويُرجح اختيارها تكريمًا لأدائها ولمسيرتها، والشخصية التي تجردت فيها من البهرجة المعتادة لتظهر بشعر أشيب ووجه مجهد بلا مكياج، دور بذلت فيه جهدًا وطاقة تمثيلية أكثر من بقية الممثلين في الفيلم الذين بدا أداؤهم معلَّبًا، تمامًا كالحوار الذي تنطق به الشخصيات، بلا روح، ولا يُتوقع أن يخرج منهم بالفعل بل من كلمات كتبت لهم خصوصًا -كدور الحفيدة الصغيرة التي تتفوه بكلمات لا تخرج من فتاة في سنها- وهذا ما يزيد من الانطباع العام أن الفيلم يبعد عن الواقعية لكنه اجتهد في محاكاة المشاعر عن بعد.

* أفلام الطريق هي نوع أفلام يعتمد على شخصيتين رئيستين تخوضان معًا رحلة طويلة على الطريق بالسيارة أو المقطورة، والسمة الرئيسة أن تكون هاتان الشخصيتان متناقضتين، ومن هنا يتولد الصراع على مدار الفيلم.

 

آية طنطاوي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى