تدوين

حفلة عيد ميلاد أخيرة

يحاصرني الوقتُ أينما ذهبت!

أعياد الميلاد تحولت لمنبه مزعج للغاية ينبهني لفوات الطموحات المفترضة المكتوبة في “أجندة” أضعها على الرف بجانبي. تنظر لي في تحفز كأستاذة متزمة بمدرسة راهبات تجالس تلميذة مراهقة لحضها على كتابة فرضها المدرسي.

في العام الفائت، وحينما أطفئت زوجتي الأنوار لدقائق معدودة، تحولت الشمعة بتورتة عيد الميلاد لشرطي مرور -ذي ملامح باهتة- أشار لي بعصاه السوداء كي أجتاز مرحلتي العمرية السابقة لمرحلة أخرى أكثر مملا.

في إشارة المرور أعطاني شرطي آخر -مع نظرة متجهمة للغاية- قائمة بمهام العام الجديد: أربع مسئوليات اجتماعية زائدة، وامتناع عن عادة كنت أحبها صار سني الجديد لا يلائمها، والتوقف عن لبس قميصي المفضل ذي اللون الزاهي لإنه يبدوا عليّ شبابيًا أكثر من اللازم. ظلوا هم يغنون أغاني مكررة، وأنا أهتف ملوحا بيدي أمام وجهي كالمجنون كي يبتعد الشرطي…
في يوم عيد ميلادي أغلق حائطي الافتراضي، أدعي المرض. أختبئ تحت غطاء كبير للغاية.
أدس كل أحرف الغطاء تحت أقدامي حتى لا تتسلل السنين الماضية إليّ كأشباح صغيرة دامية، تهتف في أذني بوسوسات مبهمة

***

كل النوافذ المفتوحة في منزلي تحولت فجأة لساعات حوائط كبيرة.
بعد منتصف الليل، نعم. في هذا الوقت الملعون، الذي تهتف فيه بالنوم أن يغالبك، بلا فائدة. حينما يغط كل من حولك في سبات عميق، وتبقى أنت صامتًا، جالسًا بلا حراك، تحاصرك وحدة ملعونة، وجوع لدردشة قاتلة. حينها تتحول عقارب كل تلك الساعات لثعابين استوائية، تزحف كلها إليك، وأنت تتكئ على يديك محاولاً الابتعاد، بعد أن فقدت قدماك قدرتها على الحراك.

***

الوقت يبعث فيك حسرة مستمرة أثناء مغالبته لإنه يعرف أنك تدرك في داخلك أنك مهزوم لا محالة. أنه لا توجد مدة زمنية ما ستنتظره خلالها لملاقاته، لأنه الزمن، ولإنه يحتويك ميلادا وموتا.

قبل أن يقضي عليك القضاء الأخير يترك آثاره على وجهك وعنقك وكفيك، وعظامك المدقوقة، تظل تكبحها أو تزيلها لكن بلا جدوى.

***

في عيد ميلادي الفائت- صار لصديقي رأفت- الذي كنا نسخر من نحوله- كرش ضخم، فيما ظهرت لصديقنا الثالث صلعة كبيرة، ورأيت تلميذتي السابقة تحمل بطنا منتفخة، فيما يجر ثوبها من خلفها طفلتين كبيرتين، أما أبي فقد أصيب بداء الركبة، صار يكرر الحكايا كما يتنفس.
يقول لي صديقي الطبيب “من طالت أدمغتهم الشيخوخة يفعلون نفس الأمر”.
أما أنا فقد ظهرت لي عدة شعرات بيض. أخشى من النظر إليهن كما أخشى النظر في التجاعيد التي ملئت وجه وعنق أمي.

***

أتساءل لماذا يحتفل الآخرون بأعياد ميلادهم؟!


إقرأ/ي أيضا: 

صراع بين الهامش والمتن

يأتي الحُب كل يوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنظر أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى