ثقافة وفنمختارات

“حفنة تمر”.. كيف خان الطيب صالح جدّه؟

 

ليس أديبًا فقط، بل تمكن تسميته بـ”ميراث الحداثة السودانية” وذاكرتها الأدبية، وقد يكون الطيب صالح، المولود في “أم بكول”، قد عاش ذات البيئة الاجتماعية التي تحدثت عنها نصوصه الأدبية، لذلك نجد أنه يمثل المخيلة الزراعية الإقطاعية التي تؤثر في وعي الأفراد وحركتهم وانفعالهم مع الحياة، ويتمثله وتر الحنين المشدود دائمًا وهاجس العودة للمكان والشخصيات الرئيسة في الحياة اليومية حاضرة في الشعر الشفاهي لـ”أغنيات الطنبور”، وذاك الصوت الرقيق المتأثر بالبيئة الصحراوية يبرز ليس في مبنى الشعر وحسب وإنما في البناء النفسي أيضًا، و المخيال الاجتماعي لذلك السياق وعلاقته بالنص الأدبي وتركيبه يمكن كشفه في مبنى الإنتاج الأدبي في تلك المناطق عمومًا.

منزل الطيب الصالح بقرية “أم بكول” في إقليم “مروي” شمال السودان

من القرية إلى المنافي

“دومة ود حامد” مجموعة قصصية نُشرت في عام 1960م تتألف من 7 قصص قصيرة، وهي: “نخلة على الجدول”، “حفنة تمر”، “رسالة الى إيلين”، “دومة ود حامد “، “إذا جاءت”، “هكذا يا سادتي”، “مقدمات”.

ينتقل الطيب صالح في هذه المجموعة من القرية إلى عوالم الاغتراب، بحيث لكل قصة تيمة تميزها ومبنى داخلي يجعل لها خصوصية داخلية تتحرك وفق لها، وفي ذات الأثناء تخلق نوعًا من الربط الذي يسمح لها بالتداخل مع بقية القصص داخل النص.

بمعنى أن القصة جزء من نسق له خصوصيته الداخلية وله تشابهه الخارجي الذي يشترك فيه مع المجموعة القصصية.. إن هذه القصص ليست واقعية وليست واقعية سحرية إنها “واقعية نقدية”، فالواقعية النقدية تميط اللثام عن عورات المجتمع وتفحصها، عكس الواقعية الاشتراكية التي تكبل الأديب وينظر باتجاه معين للواقع.

وبذلك يتخذ الطيب صالح شكل الحياة الاجتماعية، فهي حياة تؤمن بالملكية الفردية، إلا أنها في صبغتها اجتماعية اشتراكية، إنها التناقض الذي وجد فيه الطيب صالح واقعه الاجتماعي فشكّل بذلك مبنى قصته.

حصاد التمر في السودان

حفنة تمر

طالما شكلت الأرض وملكيتها محورًا مهمًّا في التركيبة الاجتماعية في شمال السودان، فإذا كانت الأرض هي أداة الإنتاج وملكيتها وعنصرًا مهمًا في فرض الشروط الاجتماعية، فإن ذاتية الفلاح أو الاقطاعي تتمظهر في منتجه الزراعي ومحصوله، فـ”التمر” كسلعة منتجة تكون محورًا مهمًّا في حياة الفلاح أو الإقطاعي، فهو سلعة إنتاجية للمزارع وله حق ملكيته الذي لا يمكن سلبه إياه، وعلامة تجارية، لذلك فـ”التمر” محور حياة الأفراد، وهو ما نجده يظهر كذلك في الأشعار الشهيرة للشاعر محمد حسن سالم حميد، الذي يقول في قصيدته “عم عبد الرحيم”: “يا ريت التمر يا ريت لو يشيل كل تلاته أشهر”.

بهذا يصير التمر هو المعيار الذي يحدد مجهود الفلاح وتعبه طوال السنة، فإذا كان النخيل قد اعتُني به جيدًا فإن المحصول سيكون جيدًا.. هكذا تتكشف ذاتية الفلاح/ المزارع حينها في محصوله.

الحفنة هي معيار القياس لدى التاجر، فالمحصول يقاس بجودته من خلال المشاهدة، يمد التاجر يده للمحصول فيأخذ منه عينة عبر يده، وتسمى في التقليد الاجتماعي “فتاشه”، فيقوم التاجر بتفتيش التمر من خلالها، ونجد أن المزارعين دائمًا ما يقدمون على أخذ حفنة التمر والاحتفاظ بها وأكلها فيما بعد كتقليد زراعي يدل على قوة العمل والنجاح والاحتفاء بالمحصول.

تدور قصة “حفنة تمر” حول شخصية الفتى الصغير، الذي يعيش في القرية الزراعية، والذي يكون مع جده طوال الوقت فيكتشف من خلال جدّه معالم القرية ويعيش قصة الأرض وامتلاكها وكيف أن جدّه يزرع فيه قيم المجتمع عبر المؤسسة التعليمية، الخلوة، وعبر التربية الاجتماعية من خلال ملازمته له.

فهو يتمثل جده وفي نفس الوقت يتعلم منه ويستكشفه، إنه يمثل له قيمة الأب، أبيه الذي لا يذكره، وهذا يعود إلى طبيعة الأسرة، ذات النمط الممتد.

الأديب السوداني الطيب صالح

الأب الغائب.. الجد الحاضر

في شمال السودان تتحكم الأرض في نموذج الأسرة باعتبارها العمود الأساسي الذي تقوم عليه الثروة والسلطة الاجتماعية.

إبان الحكم التركي (1821- 1881م) عملت الحكومة الاستعمارية على تقسيم الأراضي، بحيث صار العمد والمشايخ هم من يملكون معظم الأراضي، ويليهم بعض الأعيان ثم الذين أسفل الترتيب الاجتماعي كالعبيد وبعض الرحّل الذين استقروا في أطراف القرى.

سمحت هذه الوضعية الاجتماعية للأسر بإرسال الأبناء إلى المدارس، ومن ثمّ عملهم في المدن أو العودة كموظفي حكومة أو معلمين في المدارس، بمعنى أن فائض الإنتاج في المحصول يسمح للأسرة بامتلاك عبيد ومن ثمّ ترك الأبناء للأسر أو الآباء أيضًا بالسفر والعمل في التجارة أو المؤسسة العسكرية أحيانًا.

جسّد الطيب صالح داخل القصة ذلك في دقة وصفه لجدّه، ومدى قربه منه، بالإضافة إلى طبيعة النشاط اليومي الذي كان يتبعه جده، ومن الملاحظ أن الأب والأم كانا لحظة عابرة، عمل على تغييبها الجد.

ففي مجتمعات المشافهة يعتبر الجدّ هو الأرشيف الذي من خلاله تنبني الذاكرة الاجتماعية، لذلك تصور الطيب صالح الماورائيات من خلال جدّه “قوم طوال فحال لهم لحى بيضاء وأنوف حادة مثل أنف جدي”.. إن هذا المخيال الذي نسجه الطيب صالح في ذهنه هي لحظة كاملة من القيم والبناء الاجتماعي.

إن الجد هو الإجابة وليس موضع السؤال أبدًا، الجد يتحول إلى مؤسسة عبر فعل السؤال وطرح الواقع عليه ليبنيه كسردية، إنه عمل “الأنا العليا” عند فرويد، بحيث تعمل الأنا على تنظيم “الهو”، فهو الذي ينظم له شعوره: “كنت أعرف متى يريدني جدي أن أضحك ومتى يريدني أن أسكت”.

ليس هذا وحسب وإنما الجد يمثل المعيار الذي عليه يجب تقبل الأشياء، بحيث يصير الجد المركزية التي تحدد السيئ/ الحسن، القبيح/ الجميل، بهذا يحدد الجد العلاقات مع العالم الخارجي وشكل التفاعل معها، لذلك كان تساؤل الابن عن “مسعود” فقط بغرض “لماذا تكرهه؟”.

غلاف مجموعة “دومة ود حامد”

كره الجد .. كره الأب

يفسر التحليل النفسي الطاقة التي تتحرك من مرحلة إلى مرحلة عبر عمر الإنسان، وعلى أساسها يمكن تفسير الحالة النفسية التي ينبني عليها البناء النفسي، إنها طريقة إشباع الغرائز كما حددها فرويد، فالمرحلة الفموية هي المرحلة الأولى التي يبدأ فيها الطفل بتحسس العالم عبر الفم، إنها المرحلة التي تكون اللذة فيها كامنة في الإحساس الفموي.

إن هذه اللحظة تتطابق مع لحظة أكل التمر، اللحظة التي كان فيها توتر الإحساس بين “مسعود” الذي يمثل “الهو”، والذي يمثل اللا شعور، فتتطابق مقولات “مسعود” مع إحساس الابن، شعوره ونظرته إلى فضاء الأرض، بلا أي قيم اجتماعية تحدد من إحساسه، ليس هذا فحسب، بل كان “مسعود” ذلك اللا وعي الذي يحوّل الأشياء إلى كائنات حية، ولكن “الأنا العليا” جعلت منه “خاملاً” .

حدث هنا الصدام بين القيمة الاجتماعية واللا وعي، اللا وعي الذي جسد في الإحساس بما تعرض له “مسعود” وأحسّ به ففي أثناء منعه من المحصول: “وسمعته يحدث صوتًا في حلقه مثل شخير الحمل حين يُذبح ولست أدري السبب، ولكنني أحسست بألم حاد في صدري”.. تخيل أن الألم الذي سببه هذا المنع هو في داخله أيضًا، حينها لم يجد سوى الابتعاد وتكوين شعور الكراهية.

هذا الشعور بالكراهية تحوّل مباشرة إلى وعي أدرك من خلاله أن عليه التخلص من “التمر” الذي أعطاه جده إياه، وأكله، ونلاحظ أن الفعل ليس الأكل وإنما هو أيضا قيمة، لأن ما يتركز في الفم من الطاقة ينحدر جزء منه إلى المكون الثاني للغريزة، في حين يبقى جزء من الحساسية بقاءً دائمًا يخدم الغريزة، ويتمثل ذلك في أهمية التقبيل من الناحية الجنسية الصرفة.

أما سائر الطاقة الغريزية فينصرف إلى استخدام الفم في أغراض اجتماعية وثقافية، وإلى أنه أيضًا يستخدم                سلاحًا للاعتداء والدفاع كما استُخدم من قبل، غير أن الاعتداء يتحول من اعتداء مادي صرف بالعض والقضم إلى اعتداء معنوي بالقول والسباب والهجاء، ويبقى نصيب محتوم من الطاقة للعض والنهش.

هذا التخلص من التمر ما هو إلا لحظة “للتطهرCatharsis) )”، بمعنى أن الألم الذي حدث تحول إلى حالة من القيء، تلك الحالة التي انطبقت مع لحظة الكراهية والهرب نحو النهر الذي يعد أقرب الأماكن إليه وشجرة الطلح، من خلال هذا المسرح شكل خلفية “للتطهير”.

إنه أنسب مكان يسمح بإجراء هذا الفعل كلحظة انفكاك من داخل اللا شعور الذي كونته الأنا العليا الذي تمثل في صورة جده، تخلص ليس من جده بل من ذاتية جده التي تتكشف في “التمر” وفي مخيلته التي تكونت من شجرة الطلح، هكذا بدأ الملمح الذي بدأ به القصة، النهر ومخيلة الجد التي كانت ما وراء أشجار الطلح، تلك الصورة التي رسمها عن جده هنا انتهت! “لكنني أدخلت إصبعي في حلقي وتقيأت التمر الذي أكلت”.

حسان الناصر

كاتب سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى