زوايامختارات

حكايات العازفين الصم: موسيقانا لوحة.. وإيقاعاتنا تطير!

 

خلف منضدة تتوسطها آلة موسيقية، قعدت الطالبة حنان (16 عامًا)  معصوبة العينين، واستقرت أصابعها أعلى أزرار “الأورج”، معلنة بإشارة من يدها أنها البداية. عزفت الفتاة إحدى المقطوعات التي تدربت عليها دون أن تنتبه لتصفيق الحضور، لم تسمع تهليل جمهورها الصغير، فكلمات مثل “الله.. برافو” لم تصل إليها كما الأصوات الصادرة عن الأورج أيضًا.. لِمَ؟ أو كيف؟ قد تشغلك تساؤلات كهذه، والإجابة ببساطة أن العازفة تعاني من إعاقة مركبة؛ فهي “صماء”، وتعاني “إكلينيكيّا” من تأخر في وظائف العقل.

بمجرد انتهاء المعزوفة، أزاحت حنان الوشاح الذي أخفت به عينيها؛ كنوع من التحدي: “يمكنني الاستمتاع بالموسيقى دون أن أسمعها أو أرى أزرار الآلة”، الجميع داخل غرفة الموسيقى بمدرسة الأمل للصم يشير بالأصابع والأعين إلى موقع الطالبة: “أحسنتِ”. أما مدربها “وائل” فيكتفي بنظرات رضا علَت وجه الفتاة .

ليست كل النهايات سعيدة، ثمّة أقدار تمنع الفرد من تحقيق أحلامه؛ فإعاقة مركبة “ضعف سمع- قصور ذهني” لم تُثنِ حنان عن الركض وراء حلمها. كانت للموت كلمته؛ غابت العازفة الصماء بعد فترة من الوقت.

أحلام مشروعة

حنان خلال مشاركتها بمسابقة المواهب الذهبية

غُرفة أخرى تشهد ميلاد أمل جديد، 3 طلاب يتحلقون حول وائل سراج، اختصاصي الموسيقى العلاجية، بمقر المؤسسة المصرية لحقوق الصم، يراقبون تنقل أصابعه بين زِر أسود وآخر أبيض اللون على الأورج. يطلقون العنان لخيالهم علّهم يتعرفون على الأصوات بعقلهم. بروفات استمرت قرابة العام، تهدف بالأساس تعليم “حسناء”، الطالبة بالفرقة الثالثة بكلية التربية النوعية، العزف على الأورج والعود، وتأهيلها لمسابقة المواهب الذهبية لذوي القدرات الخاصة في دورتها الثالثة، والتي ترعاها دار الأوبرا المصرية.

بمساعدة مترجم الإشارة، محمد عبد الله، تواصلت “ذات مصر” مع العازفة الصماء لسؤالها عن اختيار الموسيقى تحديدًا رغم صعوبة الأمر. تقول حسناء إن إحساسها بما تعزفه يوازي رسم لوحة مكتملة العناصر، “البداية كانت فضولاً. حاولت اختراق هذا المجال الذي يُغلق أبوابه في وجوه الصم. بالتدريب لم يعد شيء مستحيلاً، فقد تعلمت وأصبحت أشارك في مسابقات مخصصة لذوي الإعاقة”.

“نفسك تسمعي اللي بتعزفيه؟”، بمجرد طرح هذا السؤال من “ذات مصر” كان من المتوقع أن تجيب بنعم، لكن طالبة التربية النوعية تجيب: أنا حاسة.. وإحساسي معوضني عن السمع، كأني برسم بالظبط والموسيقى بتخليني مبسوطة جدًّا، نفسي كل الصم يتعلموا إزاي يعزفوا ولو أقدر أعلمهم أنا مش هاتردد”.

وتحكي حسناء عن تجربتها في العزف على العود، ومن بعده اختارت الأورج؛ نظرًا إلى سهولة التعامل معه ورغبتها في تعلم معزوفة تمهد لها الطريق إلى المسابقة، وبالفعل تعلمت مقطوعة موسيقية بعنوان “آه يا زين” وأجادت عزفها.

استمرت البروفات بانتظام، إلى أن سجلت مصر حالات إصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، فتوقفت دروس الموسيقى، ومع طول المدة لم تفقد حسناء شغفها، وإن كان للجائحة أثر سلبي في شيء فإنه تمثل في نسيانها النوتة الموسيقية التي حفظتها من قبل، لكن بحسب مدربها “حسها الموسيقي خلاها تسترجعها بسهولة”.

“حاسة إني مختلفة، أصحابي الصم دايمًا بيسألوني عن الموسيقي”، بهذه العبارة اختتمت حسناء حديثها إلى “ذات مصر” في أثناء البروفة الأخيرة قبل مسابقة المواهب الذهبية، لافتة إلى أن الأغاني لا تشغلها ولا تشعر أن عدم مواكبتها لما يصدر من ألبومات يُشعرها بالنقص أو أن “شيئًا عظيم فاتها”؛ معللة ذلك بأن الأغاني حتى لو تُرجمت للإشارة تصل في شكل كلمات وليس لحنًا أو نغمة وبالتالي “أنا لستُ مهتمة!”

بيتهوفن

على خُطى “بيتهوفن”

“الناس كانت بتتعامل معايا على إني مختل عقليًّا لمجرد إني بادرّب الصم يعزفوا موسيقى”. الانطباع الأول هذا لم يدم، وتغيرت نظرة المحيطين بالمدرب وائل، بعد أن نجح في مهمته مع الطالبة حنان. بعدها دخل في تحدٍّ جديد: “فكرة إني أغمّي عينيها ماكانتش بهدف الاستعراض،  لكن كنت عايزها تحتفظ بالأبعاد في الذاكرة، وتحفظ أماكن زراير الأورج وبالفعل نجحت”.

لا ينكر وائل الأثر النفسي الذي نتج عن وفاة حنان، رغم أن العمل مع الصُم، بحسب المدرب، يترك أحيانًا إحساسًا بخيبة الأمل، خاصة أن الوصول بهم لمستوى جيد في العزف يحتاج إلى خطط طويلة الأمد، وهو أمر يصعب على البعض تحمله، خاصة أولئك الذين يتعجلون الدخول إلى سوق العمل والإنفاق على أنفسهم بدلاً من إهدار الوقت في عزف الموسيقى.

“ابتدينا من سنة أو أكتر، كان معايا مجموعة بيتدربوا لكن اللي اتبقى منهم حسناء، وده بيحبطني إني أتعب معاهم ولما يوصلوا لمرحلة معينة يمشوا”، يوضح وائل أنه حاول تعليمها النوتة الموسيقية، وعمل معها بآلية تعتمد على تخيل الموسيقى، مبيّنًا أن “هناك عناصر صعب وصولها للصم، لكن ما يتخيلونه هو الإيقاع دون الإحساس بحدّة الصوت”.

وبسؤاله عن تجربة الملحن والموسيقار الألماني لودفيج فان بيتهوفن، يؤكد أن بيتهوفن فقد سمعه في أواخر حياته، ما يعني أنه كانت لديه ذاكرة سمعية، وهذا الأمر يُسهّل الاستجابة لدى الصم الذين ولدوا أصحاء، ثم فقدوا سمعهم لسبب ما في مرحلة من عمرهم، فيعتمدون على ذاكرتهم تلك، مشيرًا إلى أنه حاول تحاشي هذا الأمر عبر استخدام مقطوعات موسيقية من تأليفه، لم يسمعها متدربوه من قبل.

قبل البدء مع المتدربين من الصم يعطي وائل بعض التعليمات، منها تخيل ما ينتج عن الضغط على أزرار الأورج أو العود من أصوات، وأن يكون ذهن العازف خاليًا، إضافة إلى ضرورة حفظ زمن النغمات وأماكن أصابعهم على الآلة.

ومن المواقف الطريفة التي يذكرها اختصاصي الموسيقى العلاجية، أن أحد الشباب الذين كانوا يتدربون معه ويُدعى “أحمد”، استشف -بمجرد أن وضع يده على الأورج- أن مدربه شغَّل إيقاعًا راقصًا، فيقول: “فوجئت بأنه بدأ يرقص، وده شككني فيه، وطلبت مقياس السمع الخاص بكل طالب، لكن فعلاً اتأكدت إنه من الصم ومستحيل يكون سامع الإيقاع، لكنه حس بيه وتفاعل معاه”.

وعن مشاركة حسناء في الدورة الثالثة لمسابقة المواهب الذهبية لذوي القدرات الخاصة، والذي تنظمه دار الأوبرا المصرية، باعتبارها الوحيدة التي مثّلت الصم في المسابقة، قال: “محظوظ إني لقيت حد عنده شغف للموسيقى، وأتمنى أن تصل إلى مستوى يفوق الأسوياء”.

حركات أصابع مُعلم الموسيقى

على مقعد خشبي بأحد فصول مدرسة الأمل للصم بمنطقة الهرم، قعد محمد عمرو يراقب حركات أصابع معلم الموسيقى، مبديًا رغبته في المشاركة، خاصة وأن الطالب الأصم يسمع بنسبة ضئيلة بواسطة سماعة الأذن، وبعد السماح له بالتجربة ارتبط الطالب بغرفة الموسيقى وطلب من أسرته اقتناء “أورج”.

محمد عمرو خلال تدربه على الأورج

كانت البداية في الصف الخامس الابتدائي، وبعد مرور 6 سنوات، أصبحت الموسيقى روتينًا أساسيًّا في حياة محمد. تقول والدته لـ”ذات مصر”: “اكتشفت أنه من ضعاف السمع منذ سن 3 سنوات، وبدأت معاه جلسات تخاطب، بالتالي هو ليس أبكمَ بل يتحدث معنا بنحو شبه طبيعي، ومن خلال السماعة تصل إليه الأصوات منخفضة طبعًا، لكن من دونها لا يسمع أي شيء”.

تحكي عن تعلّق نجلها بالأورج خلال فترة العزل المنزلي بعد تفشي فيروس كوفيد-19، فكانت هذه الآلة تهوّن الوقت على محمد، بعد أن توقفت الدراسة، وتوقفت أيضًا دروس الموسيقى، مبينة أنه كان يعزف يوميًّا مقاطع جديدة، من خلال البحث عن مواقع تعرض مقاطع فيديو لتعليم الموسيقى، ويبدأ هو بتقليدها إلى أن يجيد عزفها دون مساعدة المدرس.

والدة محمد، مبتهجة، تقول إن ابنها خاض مسابقات في العزف، وكُرِّمَ بعد أن حصد مراكز متقدمة على مستوى الجمهورية، بعدما شارك في ورش تنظمها دار الأوبرا المصرية لذوي الاحتياجات الخاصة.

تضيف: “من أول مرة عزف فيها والمدرس قال لي إنه شاطر، وهيكون له مستقبل، بس هو محتاج يتمرن كتير، ويغير سماعة الأذن لنوع أفضل عشان تحسن الصوت، ومن وقتها محمد بيقفل الباب على نفسه ويتدرب كتير، وقدر يعزف موسيقى سيرة الحب لأم كلثوم في حفل لجمعية خيرية”.

تكريم محمد عمرو

مبادرات فردية

بند تعلم الموسيقى لم يكن أولوية داخل الجمعيات المعنية بضعاف السمع، في حين عكف محمد عبد الله، مترجم الإشارة وأحد مؤسسي المؤسسة المصرية لحقوق الصم، على توفير جانب ترفيهي للصم، يستهدف طرق أبواب أغلقت في وجوههم منذ عقود، بزعم أنهم غير مؤهلين لتعلم الموسيقى أو التفاعل معها.

يسعى عبد الله لتجهيز غرف مخصصة  لرقص “الزومبا” تُمكِّن الصم من تأدية حركات بعينها على إيقاع الموسيقى، مشيرًا إلى أنهم سيعتمدون على ذبذبات الموسيقى ومن ثم الرقص عليها، وهو ما يضمن ممارسة الرياضة على أساس أن الرقص جانب من التمارين الرياضية، إضافة إلى شعورهم بالسعادة لأنهم غير محرومين من مثل هذه الرفاهيات.

ويقول مترجم الإشارة لـ”ذات مصر” منذ فترة فكرنا كمؤسسة معنية بالصم أن يتعلم أبناؤنا الموسيقى، وقتها لم تكن لدينا إمكانيات تساعدنا على تحقيق هذه الرغبة، وبعد التواصل مع رجل أعمال وطرح الفكرة عليه، وفّر لنا آلة الأورج؛ ما أتاح لنا الإعلان عن استقبال الراغبين وتقدم لنا أكثر من فرد.

وعن الاتجاه السائد على وسائل التواصل الاجتماعي من بعض مترجمي الإشارة، الذين يقدمون مقاطع مصورة لترجمة الأغاني للغة الإشارة، قال: “الصم مش مقتنعين بمسألة ترجمة الأغاني، ولا حاسين إن فايتهم حاجة بعدم سماعها، لأن اللي بيوصل لهم مجرد كلمات بجانب بعضها من غير تصوُّر للحن أو طريقة الغناء”، لافتًا في الوقت ذاته إلى أن الموسيقى تلفت انتباههم أكثر وتترك فيهم أثرًا جميلاً”.

دعاء سلامة

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى