زوايا

حكايات النوبة.. ما غمرته المياه تُحييه الأغاني

عندما يُسأل النوبي عن اسمه، يتعمد ذكر اسمه الخماسي، هذا ما اكتشفناه مع “صالح حسن عبده السيد خليل وراج”، فهو يدلل بذلك على عمق ارتباطه بمسقط رأسه، فالكلمة الأخيرة في اسم “صالح” هي “وراج”: اسم قريته بالنوبة القديمة.

في منزلٍ يمتلئ بالصناديق مكتوب عليها تواريخ بتسلسل زمني لأعوام من 1964 إلى 1973، يعيش “صالح” في قرية “توشكى” بكوم أمبو، شمال أسوان.. يشير “صالح” إلى الصناديق ويقول: “هنا ذكرياتي”.

ثمانين عاما، كان “صالح” يوثّق فيها ذكرياته دون توقف، في أوراق مبعثرة تحمل كل منها حكاية ما.

وسط أوراقه دفتر مدوَّنٌ في سطوره تفاصيل طفولته الغابرة بقريته على ضفاف النيل في النوبة القديمة، وآخر موثَّق به ذكرياته الشخصية عن حرب أكتوبر 1973.

يا النوبة إليك الحنين

يأخذنا دفتر ذكريات “صالح” في جولة بقريته بالنوبة القديمة عبر تفاصيل دقيقة، مع وصفٍ سردي تتخلله لمحات تاريخية لتغيّر بلاد النوبة.

يقول لـ”ذات مصر”: “اسم قريتي وراج، رحلنا منها في مارس عام 1964، إلى شمال السد العالي”، موضحا أن الحكومة خيّرت الأهالي حينذاك بين إعادة تسكينهم شمال أو جنوب السد، واختار الأهالي التوجه شمالاً، لذا خُصّصت منطقة “كوم أمبو”، شمال أسوان، لتسكين 44 قرية نوبية.

“صالح” من مواليد عام 1947.. كَبرَ على ضفاف النيل، وتفتّح وعيه على حياة اجتماعية لها طابع خاص.. حياة تعكس تفاعلهم مع بيئة يلفّها تراث ثقافي تربّت عليه أجيال.. “توجّع قلبي منذ غدت قريتي في عداد القرى المُهجرة”.. يحكي “صالح” لـ”ذات مصر”.

يصف بيته بالنوبة القديمة قائلا: “بيوتنا كانت تُبنى من الطين وتطل على النيل، بينما في كوم أمبو تحولت البيوت الطينية إلى عمارات مرتفعة بلا نهر تطل عليه”.

“صالح” ترك قريته عام 1964، ورغم مضيّ قرابة قرن فإنه ما زال يحن إلى قريته بالنوبة القديمة التي غرقت مع بناء السد العالي.

بين الحين والآخر يحنّ “صالح” إلى حياته بالنوبة القديمة وإلى قريته: “أحن إلى  البساطة والهدوء”.

من النوبة

هواجس ليلة الوادع

يتذكر “صالح” آخر ليلة قضاها بقريته.. كان حينها فتى في الخامسة عشرة من عمره.. يتذكر أنها كانت ليلة عصيبة: “اللي رفض يمشي غرق مع القرى”.

يتنهد ويتسدعي من أعماق الذاكرة تفاصيل “ليلة الوداع”، التي غرقت فيها أراضي وقرى النوبة.. في صباح العاشر من ديسمبر 1902 كانت معالم عشر قرى نوبية قد اختفت من على ضفاف وجزر نهر النيل، وكُتب على من تبقى منهم الانتقال إلى المنطقة التي حددتها الحكومة كأماكن بديلة للقرى النوبية عام 1963 لاستكمال بناء السد العالي.

يستطرد “صالح”: “هجرة النوبيين جرت على مراحل، حيث غرقت عشر قرى عام 1902 لارتفاع مناسيب النيل عند تشغيل خزان أسوان، ثم غرقت ثماني قرى في التعلية الثانية عام 1933، واختفت 10 قرى أخرى مع بناء السد العالي وتهجير النوبيين عامي 1963 و1964”.

يضيف: “اليوم النوبة ليست كالأمس، كانت حدودها تمتد بطول 350 كيلومتر، ومقسمة إلى ثلاث مناطق سكنية أساسية: منطقة وادي الكنوز، العرب، ومنطقة وادي النوبة.. وكانت تضم 42 قرية لكنها اليوم لا تعدو أن تكون بضع قرى مبعثرة في صحراء شمال أسوان”.

يتابع: “تبدلت حال النوبة في كل شيء.. نُقل الفلاحون من مناطقهم الزراعية الخضراء إلى قلب الصحراء.. تلك قطيعة عن عاداتنا وتقاليدنا وموروثنا الثقافي.. خسرنا النيل وشعرنا بالغربة.. حياتنا وثقافتنا مرتبطة بالنيل”.

بعضٌ من ذاكرته

يمسك “صالح” بصورته حينما كان متطوعا في الجيش المصري منذ عام 1986 إلى 1973.. يشير إليها ويقول: “كنت سائقا لدبابة أتذكر رقمها (2487).. أتذكر رقمي في الكتيبة أيضا: (5313210) لواء مشاة ميكانيكي.. فرقة 21 مدرعات”.

تحتفظ ذاكرته بأسماء قيادات كتيبته في حرب أكتوبر 1973.. يحكي بفخر عن قائد الكتيبة اللواء “إبراهيم العرابي” والشهيد النقيب “محمود جاد الله السيد”.. يتذكر كرمهما مع المجندين.

وثّق النوبي بطولات كتيبته في مذاكرات ما زال يحتفظ بها، يحكي فيها مثلا عن المجند الشهيد “محمود محمد السيد”، الذي عقد قرانه في أغسطس 1973 واستُشهد في أكتوبر من العام نفسه.. قطفته الحرب سريعا.

يقول “صالح” إن الأحداث الاستثنائية التي تعرّض لها خلال خدمته العسكرية دفعته لتدوين أسماء أبطال كتيبته وتوثيق مواقفه مع الشهداء في تلك الحرب الملحمية.

يقلب أوراق الذكريات.. يقف مصادفة عند صفحة سجّل فيها تفاصيل يومٍ لا يُنسى:

ذات صباح من مايو 2005، بعد مرور 34 عاما على حرب أكتوبر، وهو يتصفح الصحف كجزء من طقوس نهاره، قرأ نعي حماة قائد كتيبته العميد “محمد بشير عثمان”، فحاول البحث عن عنوان قائده لتقديم واجب العزاء لأسرته، حتى توصل إلى عنوانه وأرسل إليه برقية عزاء.. ذكّره فيها بنفسه ورقمه في الكتيبة.. ومنذ ذلك اليوم توطدت العلاقة بينهما.. يتسابق كل منهما في تهنئة الآخر بالأعياد والمناسبات.

خلق “صالح” لنفسه طقوسا خاصة تحمي ذاكرة علاقته بأرضه على ضفاف النيل من التلاشي.. فهو يحرص بين الحين والآخر على تجميع الأسر النوبية على مائدة مجلس نوبي يتداولون فيه الذكريات.

يتزعم “صالح” بالمجلس النوبي جلسات الصلح بين العائلات، كما كان يفعل جده في قريته بالنوبة القديمة، حيث كانت قريته من أوئل القرى التي نُقِل أهلها ضمن الـ19 قرية، أبرزها قرى: الدراج، توماس، الديوان، توماس، أرمنا، سمبل، حنضل، إبريم، وعنيبة، توشكى، بلانة، وأدندان.

الحاجة زينب

ذكريات أسفل النيل

في شارع متهالك بقرية “توشكى” شمال أسوان، وعلى باب منزل متواضع تجلس “زينب جمال عثمان” مع نوبيات أخريات تحت أضواء “لمبة الجاز”.. يرددن أغاني نوبية تحمل كلماتها قصة بلد تحولت إلى حكاية تتوارثها الأجيال.

النساء في النوبة هن من يحفظن الأغاني من الضياع.. يرددن :” إس دو يا نوبة.. الهوى آي لنج هايلنج”.. ففي جلسة سمر تنظمها “زينب” ليلا تُحكى فيها قصص الطفولة في زمن النوبة القديم.

“زينب” من مواليد يناير 1957، تحتفظ بحكايات لم يقوَ الزمن على محوها من ذاكرتها، تحن فيها إلى حياة الرغد التي كانوا يعيشونها في قريتها “برار توشكى شرق” مسقط رأسها بالنوبة القديمة.

تحكي: “فاكرة البلد زي النهاردة.. فاكرة أيام العز.. أبويا كان عنده إسقالية، يطلقون عليها في مصر (الساقية).. كنا أطفال نلعب حولين الإسقالية.. الميه خدت الأرض.. والإسقالية بتاعنا راح”.

تروي لكل من تلقاهم عن تكريم والدها لقدرته على الزراعة فوق أرض صخرية بالنوبة القديمة قائلة بفخر: “أبويا زرع فوق الحجر”.. تعدد الثمار والمحاصيل: “تين، عنب، طماطم، بلح”، موضحة أن شقيقها كان يبيع المحاصيل في سوق “فركي”، كانت تقع على أطراف قريتها القديمة.

تتداعى المشاهد على شريط الذكريات: “كان بيتنا في قرية اسمها برار، وكان عندنا شجرة تين شوكي كبير.. نجلس تحته ليحمينا من أشعة الشمس”.. عيناها تلمع شوقا إلى قريتها: “ذكرياتنا مدفونة تحت النيل”.

طفل من النوبة

هوامش الفردوس المفقود

تبتسم حين تتذكر منزلها المطل على النيل بالنوبة القديمة.. دمعت عيناها فجأة حين تذكرت غرق القرى النوبية.. إلى اللحظة لم تنس “ليلة الرحيل”.

تحكي “زينب” كيف استقبل النوبيون نبأ بناء السد العالي: “في البداية فرحنا وغنينا ورقصنا، لكن أبويا بكى على أرضه.. كان  عمري ست سنوات.. قريتنا كانت من أواخر القرى التي نُقلت إلى نصر النوبة”.

يطلق النوبيون على عاصمة المركز، الذي يضم 44 قرية نُقلت خلال ستة أشهر من مايو 1963 حتى مطلع 1964، “نصر النوبة”، التي يعيش بها أكثر من 85 ألف نوبي، وفقا لآخر إحصاء لمركز المعلومات بمجلس الوزراء عام 2019.

يطلُ الحنين للأيام التي قضتها في دروب قريتها بالنوبة القديمة، برأسه، فتقول: “أتذكر التمر والنخيل وإيقاعات الدفوف وأنغامها وحلقات الرقص”.

“الجنة في النوبة القديمة.. كان للفرح بالنوبة القديمة طعم آخر.. كانت أفراحنا تمتد 15 يوما، القرية بأكملها تخبز وتطبخ وتوزع الطعام على القرى المحيطة لمدة أسبوع، ثم تبدأ مراسم حنة العروس”.. تستطرد “زينب”.

تضيف أن من بين العادات والتقاليد الاحتفال بعودة الجنود من حرب اليمن، ومن نصر أكتوبر، فالقرية بأكملها أقامت احتفالا حتى الفجر عندما عاد شقيقها من الحرب، قائلة بفخر: “أخويا مدثر كان في حرب اليمن.. واحتفلنا به لما عاد”.

تقطع الصمت بأغانٍ نوبية تحكي تفاصيل حياة أجدادها في بلاد النوبة القديمة، إذ يتخذ النوبيون الأغاني كوسيط لحماية تراث وعادات وتقاليد يمتد عمرها لآلاف السنين، ويحرصون على توريث أغانيهم من جيل إلى جيل.

شيماء مطر

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى