حكايات فلسطينية

ما ضاع من الوطن تُعيده "الجوابات"

في صباح 7 مارس 2017، كانت “سمر دويدار” تساعد والدتها في الانتقال من بيت إلى آخر، ووجدت رسالةً مُوقّعة باسم ابن عم والدتها ومُرسلة عام 1948 إلى جدها “علي رشيد شعث” الذي كان يقيم في الإسكندرية آنذاك. تحكي الرسالة رحلة خروج العائلة من يافا في العاشر من مايو قبل إعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي بخمسة أيام، وتشير إلى الصعوبات التي قابلتها العائلة من عطش وخوف وإجهاد، وتُخبر “علي رشيد” باختفاء أحد الأقارب، وتطلب منه أن يراسل العائلة في فلسطين إذا شاءت الأقدار وقابل -بطريقةٍ أو بأخرى- المفقود أو علم عنه شيئًا.

طلبت “سمر” من أمها الاحتفاظ بالرسالة لما لها من قيمة تاريخية تخص العائلة. لم تكن تخطط لشيء معين حينها، لكنها شعرت بأن رسالةً من هذه الحقبة أهم بكثير من أن تضيع.

“سمر” مصرية الأب والمولد والنشأة والجنسية، والدتها فلسطينية، وجدتها لبنانية، عملت لمدة 10 سنوات في الإعلام وفي مجال الأفلام التسجيلية.

مؤخرًا بدأت “سمر” في كتابة رواية مستوحاة من قصص أمهات فلسطينيات يعشن في بلاد مختلفة وعلاقاتهن بأبنائهن غير الفلسطينيين، وقررت أن تجعل أحد مشاهد الرواية يدور حول جدها “علي رشيد شعث”، لذا طلبت من والدتها أن تمدها بالرسالة التي عثرت عليها.

علي رشيد مع ابنتيه (والدة سمر وخالتها)

في خضمّ الحياة اليومية، كانت الأم قد وقع بين يديها صندوق يضم مئات الرسائل التي تخص الجد في العشرينيات التي شهدت الهجرة اليهودية الكثيفة لفلسطين، والثلاثينيات التي تفجرّت خلالها الثورة الفلسطينية الكبرى، والأربعينيات التي ذاق فيها الفلسطينيون مرارة الحرب والهزيمة، بالإضافة إلى وثائق وصور وعقود ملكية تخص العائلة.

وبدلًا من رسالة يتيمة أرسلت الأم صندوقًا كاملًا إلى “سمر”، التي شعرت وقتها بأنها عثرت على كنزٍ يمهد لاكتشاف تاريخ جدها “علي رشيد شعث”، المتشابك مع تاريخ فلسطين ومصر، والمهم لفهم طبيعة تلك الحقبة وتعقيداتها، وأرادت أن تشاركه مع “ذات مصر”.

كانت أول رسالة بيد جدها مُوقّعة بتاريخ ١٩٢٤، لكن ما تتناوله الرسائل بدأ قبل ذلك بكثير، لقد كان “علي رشيد شعث” يستعيد في الرسائل ذكرياته أثناء رحلات عمله الكثيرة وسفره المتكرر للخارج ليحدث زوجته وأبناءه عن كل ما يشغل عقله وقلبه وحنينه للوطن.

نسخ الخطابات في معرض حكايات فلسطينية بمصر
سيرة شخصية جدًّا في واقع مفرط التسييس

في نوفمبر ١٩٠٨، وُلد “علي رشيد شعث” بمدينة غزة التي تركها مضطرًا في عمر ست سنوات مع عائلته، حين اندلعت الحرب العالمية الأولى واستقرت العائلة بمدينة القدس، حيث كبر بها حتى بلغ السابعة عشرة من عمره. وفي عام ١٩٢٥ أتاح له تفوقه الحصول على منحة دراسية في الجامعة الأمريكية في بيروت.

علي رشيد

ولصغر سنه وتخرجه المبكر من المرحلة الثانوية، اضطر للانتظار عامًا كاملًا حتى تسمح له وزارة المعارف وحكومة الانتداب البريطاني بالذهاب لبيروت، وخلال هذا العام عمل كمدرس في مدرسة صفد الثانوية، وهو أمر مثير للانتباه، فبعض الطلاب كانوا أكبر منه في السن وأطول قامة منه، ولكنه اكتسب محبتهم واحترامهم، وأكمل عمله بسلام حتى مر العام.

في عام ١٩٢٦ موعد سفره ودراسته، كان هناك شرط يجب تنفيذه قبل السماح له بالسفر والالتحاق بالمنحة الدراسية، وهو أن يلتزم بدفع مبلغ مالي كبير، أو أن يُوقّع شخص ما كضامنٍ له بأن يلتزم بعد انتهائه من الدراسة ورجوعه من المنحة إلى فلسطين بأن يعمل لمدة خمس سنوات في مجال التعليم كي ينقل خبراته من المنحة لبلده.

لم تكن الأسرة تعرف كيف استطاع الجد أن يتغلب على هذا الشرط المعجز وسافر لبيروت، لكن بعد عثور “سمر” على الرسائل وُجدت الإجابة أخيرًا، ففي إحدى الرسائل التي كتبها الجد سنة 1956 يستعيد فيها الذكريات الخاصة بالعام الذي ذهب فيه لمنحة بيروت 1926، يحكي عن حزنه الشديد بسبب وفاة رجل يُدعى “أنطون حلبي” الذي قرّر أن يُوقّع كضامن على أوراق المنحة، وكان “أنطون” أستاذًا لـ”علي رشيد شعث” لمدة عام واحد فقط، ورغم ذلك غامر بمساعدته في استكمال حلمه الدراسي.

على رشيد وأسرته في لبنان

استغل “علي رشيد شعث” المنحة بكل الطرق الممكنة حتى أنهى دراسته وعاد إلى وطنه عام ١٩٢٩، وباشر عمله كمدرس رياضيات في مدرسة عكا الثانوية، ثم انتقل لمنصب مدير في مدرسة صفد الثانوية، ثم مدير لمدرسة الخليل الثانوية، ومدير لمدرسة العامرية الثانوية، وهي واحدة من أهم المدارس التي تخرجت فيها رموز فلسطينية شتى.

في بداية عام ١٩٤٧، اندلعت موجة جارفة من الاحتجاجات ضد تسهيل الانتداب البريطاني للهجرة اليهودية في فلسطين، الأمر الذي دفع طلاب مدرسة العامرية للمشاركة في إحدى المظاهرات المعارضة، فأمر “مستر فيريل” -المسئول الإنجليزي عن وزارة المعارف الفلسطينية وقتها- بفصل الطلاب المسيّسين من مدرسة العامرية، وفرض غرامات على المدرسين.

رفض “علي رشيد شعث” -مدير المدرسة- فصل الطلاب وتغريم المدرسين، فقد كان يدفع الطلاب طوال الوقت للنضال من أجل بلدهم والدفاع عن حريتها، ولكن وزارة المعارف تجاوزته ونفذت العقوبة بحق الطلاب، مما جعله يشعر بالإهانة فقدم استقالته فورًا، ورفضت الوزارة، فتقدم بطلب لإعفائه من منصبه لأسباب صحية، وتخلّى عن منصبه في السابعة والثلاثين من عمره بعد أن قضى ثمانية عشر عامًا في مجال التعليم.

البنك العربي في الإسكندرية

في العام نفسه، حصل “رشيد شعث” على عرضٍ من “عبدالحميد شومان”، رجل الاقتصاد الفلسطيني، ومؤسس البنك العربي، لرئاسة البنك، وانتقل وعائلته للإسكندرية.

لم يتوقف “علي” عن دعم قضية بلده ومواطنيه، فكان يقف بعد انتهاء دوامه في ميناء الإسكندرية ينتظر القادمين من فلسطين، الهاربين من جحيم الصهيونية الظافرة في بلدهم بعد نكبة الجيوش العربية، يستقبلهم ويقدم لهم يد العون، وأثناء ذلك استطاع الاتصال بالحكومة المصرية والحصول على المساعدات المالية والسكنية للطلاب القادمين من يافا للإسكندرية، واستمر دوره الخدمي حتى عُرف وسط الفلسطينيين المقيمين في مصر بـ”قنصل فلسطين”.

وبموازاة ذلك، استمر دوره النضالي حتى أصبح بيته ملجأ ومقرًّا للاجتماعات والتجمعات الفلسطينية، الأمر الذي تُوّج بتأسيسه “نادي فلسطين” عام ١٩٥٣، وهو أول نادٍ للفلسطينيين في المنفى، وكانت تُحيَا فيه الأعياد والمناسبات الفلسطينية، ويتشارك أعضاؤه الموسيقى والألعاب، وكان للنساء دور كبير وملحوظ في النادي، وكان “علي رشيد” ينظم المحاضرات والندوات المدافعة عن قضية فلسطين.

في عام ١٩٥٧، اختير “علي” لتأسيس بنك الرياض فسافر للسعودية وعُيّن مديرًا له، وعاش في الرياض ثماني سنوات تدهورت فيها حالته الصحية تدريجيًا، فعاد للإسكندرية مرة أخرى عام 1964 مريضًا بالقلب، لكنه استمر في العمل بالنادي الفلسطيني حتى النكسة 1967 التي قصمت ظهره وحطمت حلمه بالرجوع إلى وطنه، فقضى في 4 سبتمبر من العام الحزين، ولم تستطع أسرته تنفيذ وصيته بأن يدفن في القدس بجوار والده ووالدته.

تاريخ شفوي للعاديين

اعتمدت “سمر” على التاريخ الشفوي لإعادة بناء سيرة جدها “علي رشيد شعث”، بالتوازي مع إعادة صياغة علاقتها بفلسطين التي ارتبطت بها من خلال حكي الأسرة، والآن تُكْمِل الصور والرسائل المهمة.

تقول “سمر” لـ”ذات مصر”: “التاريخ الشفوي هو تاريخ المهمشين، مَنْ لا يُكتب عنهم في التاريخ الرسمي، هو تاريخ للأفراد العاديين، فهناك تاريخان: واحد مدون ومُسجل، وآخر يُعاش ويُحكى”.

وتضيف: “التاريخ الشفوي ينقل تجارب الأشخاص الذين عاشوا المواقف الكبرى، ويوضح كيف رأى كل شخص الموقف من وجهة نظره التي قد تختلف عن شخص آخر من الذين حضروا وعاصروا الموقف نفسه”.

خلال الشهور الماضية، أقامت “سمر” عدة معارض تحت اسم “حكايات فلسطينية PALESTINIAN STORIES” في مصر وأمريكا وإنجلترا، وعرضت خلالها صورًا ووثائق ونسخًا لبعض رسائل “علي رشيد شعث” وترجمتها للإنجليزية، وأتاحت الرسائل بطرق مختلفة مسموعة ومرئية.

كما قررت أن تتيح هذه الرسائل على الإنترنت، وبدأت في إعداد موقع إلكتروني، وتقول عن ذلك: “أومن بأن محتوى هذه الوثائق والرسائل يهم الباحثين والمهتمين بتاريخ فلسطين الشفوي، كما أنه يثبت ويوضح معلومات هامة تنفي ما يتم ترويجه غالبًا في الرواية الغربية عن فلسطين السليبة”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سارة زكريا

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram