زوايا

حكاية عمر بك لطفي.. أبو التعاونيات ومؤسس النادي الأهلي

“عمر لطفي دا محامي، وكان ثوري.. حارب الاحتلال.. ناضل للاستقلال.. وبنى النادي الأهلي.. وكان حلم عمره أنه يكون أول نادي وطني”.

هذا جزء من أغنية شهيرة للألتراس تُعبِّر عن عراقة النادي الأهلي، الذي تأسَّس عام 1907م، وكان صاحب فكرة تأسيسه هو “عمر بك لطفي”، المحامي والحقوقي، الذي اقترب من: مصطفى كامل، ومحمد فريد، وعمل في مكتب المحاماه، الذي يَملكه سعد زغلول .

عمر بك لطفي
عمر لطفي

نُركِّز هنا على أحد إنجازاته التي تُحسَب له حتى الآن، حيث إنه كان وراءَ نشأة الحركة التعاونية المصرية مطلع القرن العشرين، ورغم الميادين العديدة التى اجتهد وأنتج فيها عمر لطفي، المولود عام 1868م، فإنه مات في عزِّ شبابه وعطائه عام 1911م، وأحدَث خبر وفاته – وقتها – دويًّا في الأوساط الرياضية، والتعاونية، والصحفية، والثقافية، ورثاه أمير الشعراء أحمد شوقي بقصيدة قال في مَطلعها:

قِفـوا بالقبورِ نُسائِلْ عُـمَـرْ                   

متى كانت الأرضُ مثوَى القمرْ؟

سَلوا الأرضَ: هل زُيِّنت للعَليمِ

وهـل أُرِّجَتْ كالجِـنَانِ الحُفـرْ؟

شهد العالم مطلع القرن العشرين أزمة اقتصادية خانقة، تأثرت بها أوروبا في الأساس، وعانت منها مصر أيضًا، فقد قامت فروع المؤسسات المصرفية الأوروبية بتجميد أعمالها، وبعضها خفض نشاطاته لمواجهة الالتزامات المالية لمؤسساتها الأصلية في بلدانها، وقد ترتب على ذلك حدوث انهيار في أثمان الأوراق المالية، والأراضي الزراعية بنسبة بلغت 7.1%.

ومع استمرار الأزمة الاقتصادية التي أعقبتها حالة كساد، ارتفعت الديون، وانتُزعَت أراض كثيرة من مُلاكها، وتُشير الإحصائيات إلى أن البنك العقاري المصري آنذاك نزع وحدَه مِلْكية أراضٍ زراعية تجاوزت المليون ومائة ألف فدان!

وشهد العام نفسه انهيارًا في أسعار المحاصيل الزراعية، وانخفاضًا في الإنتاج الزراعي، وقد دفع الفلاحون، بجانب التجار، فاتورة تلك الأزمة الاقتصادية، فقد جرى إجبارُهم على دفع الضرائب، بينما تهرب الأجانب بامتيازات لتقليل خسائرهم في عهد الحماية البريطانية.

في ذلك التوقيت، كان إقراض الفلاحين يتمُّ بفؤائد باهظة، حتى أصبح التسليف الزراعي عبئًا ثقيلا على الفلاحين، يمتص فائض إنتاجهم، بدلا من أن يكون سببًا من أسباب رفاهيتهم الاقتصادية.

الزعيم_الوطني_مصطفى_كامل_باللباس_الرسمي
مصطفى كامل

في أثناء تلك الظروف، انطلقت الحركة التعاونية كجزء من الحركة الوطنية المصرية، وكان عمر لطفي (الرائد التعاوني) يعمل مع صديقِه الزعيم مصطفى كامل، كما التصقت أفكاره بعد ذلك بمبادئ محمد فريد (زعيم الحزب الوطني)، بعد رحيل مؤسِّسه مصطفى كامل .

وشجَّع “لطفي” إنشاء النقابات الزراعية من أجل: تحرير الفلاحين من بؤسهم، والدفاع عن حقوقهم مِن جشع الحكام، وظلم الحكومة المتمثل في رفع القيمة الإيجارية بطرق عشوائية على المزارعين!

وُلد عمر لطفي في الإسكندرية، لكن أصوله العائلية ترجع إلى المغرب، حيث هاجرت عائلته إلى مصر في عهد محمد علي باشا، وقيل إن والده عمل وكيلا للمغرب لدى مصر.

تلقى “لطفي” تعليمَه في مدرسة الجمعية الخيرية، وحفظ بها القرآن الكريم، ثم انتقل إلى القاهرة ليدرس في مدرسة “الفرير”، وأقام في حي بولاق.. تخرج في مدرسة الحقوق، وعمل بالمحاماة بالتوازي مع عمله: السياسي، والتعاوني، والنقابي.. حتى وفاته .

وقد شجع الزعيم محمد فريد، عمر لطفي في تحقيق أفكاره، التي استهدفت الفلاحين والعمال وطبقة صغار الملاك، وكان “لطفي” كثير السفر إلى العواصم الأوروبية، خاصة برلين وباريس وروما، وهناك اطَّلع على نشاط التعاونيات في المجتمع.

وعندما بدأت الدعوة للجمعيات التعاونية، واهتمت الصحف بنشر نشاطها، حاول الإنجليز والخِدِيو عباس حلمي، وأصحاب المنفعة من الإقطاعيين والرأسماليين محاربة الفكرة .

استغل عمر لطفي عملَه بالمحاماة للحصول على عشرات الوقائع التي حدثت للمصريين الذين فقدوا أملاكَهم وأموالهم، لصالح البنوك والشركات الأجنبية، لكن المحاكم المختلفة كانت لا تنتصر للمصريين أبدًا!

دعا “لطفي” الفلاحين والمنتجين الزراعيين إلى تكوين نقابات زراعية، ينضم أعضاؤها إليها بمحض اختيارهم، وتحكمهم قواعد وارتباطات يلتزمون بها، بعلاقة واضحة سليمة، أساسها: المصلحة والهدف المشترك، لتحسين وتنمية نشاطهم الاقتصادي والارتقاء بمستوى معيشتهم، وهو ما يعني أن البدايات الأولى للحركة كانت نقابية من الأساس.

كانت النقابات الزراعية تستهدف تخليص الفلاح من شر المُرابين بإقراضه ما يلزمه للزراعة بفؤائد زهيدة، تَقِلُّ عن الفؤائد القانونية السائدة آنذاك. وكذلك مساعدته في تحسين إنتاجية المحصول، بتوفير البذور المنتقاة.. وبالأخص القطن، واستخدام الطرق العصرية اللازمة، ما انعكس على تحسين وجودة الإنتاج وجلبَ المنافع للمزارعين.. وهو ما هيأ المناخ لبقاء النقابات الزراعية وتزايد أعدادها.

وعرَفت مصر أول نقابة زراعية عام 1910م استجابة لدعوة عمر لطفي، وتأسَّست النقابة في قرية “شبرا النملة” بمحافظة الغربية برأس مال قدره 309 جنيهات و60 مليمًا.

كان ذلك المبلغ يُمثِّل الحصص المُكتَتَب بها، وقدرها 1548 حصة، وكان عدد أعضائها 67، ثم زاد العدد إلى 96 عضوًا في نهاية عام 1910م.

وكانت نقابة “شبرا النملة” بمثابة النواة الأولى للجمعيات التعاونية في مجال الزراعة بمصر إلى أن صدر القانون الأول للتعاون الزراعي في 15 يوليو 1923 م.

وقد أحدثت دعوة عمر لطفي آثارًا إيجابية في المجتمع بأكمله، وانتشرت الجمعيات التعاونية في القرى والمدن الصغيرة وفي العاصمة أيضًا، واستجاب المزارعون والقيادات الريفية للفكرة وآمنوا بها، مما انعكس بالخير على أموالهم وأملاكهم.

حدث ذلك قبل أن يُوجَد في مصر أي تنظيم حكومي للتعاون، أو تشريع أو قانون لنقابات.

وبلغ عدد الجمعيات التعاونية التي سُجِّلت وَفْقًا لأحكام قانون التعاون رقم 23 لسنة 1927م مائتين وثلاث جمعيات، معظمها: جمعيات زراعية، وجمعيات للتدبير المنزلي، والتعاون المنزلي أو الاستهلاكي.

ويعود الفضل لعمر لطفي في تأسيس أول نقابة عمالية في مصر، وهي نقابة المصانع اليدوية، وبسبب تحمسه للأفكار الداعمة للفلاحين والعمال انتشرت الجمعيات التعاونية في الإسكندرية والمنصورة وأسيوط وغيرها من المدن، بعد أن ظهرت في القاهرة، حتى أطلقوا عليه اسم “أبو التعاون في مصر”.

اقرأ أيضًا: أبو رجيلة.. إمبراطور الأتوبيسات وعاشق الزمالك

كان إيمان “عمر لطفي بك” – رئيس نادي طلبة المدارس العليا – بإنشاء نادٍ وطني وثوري، لا يقل في قيمته ونتائجه الإيجابية عن دوره في تأسيس التعاونيات أو النقابات العمالية.

في البداية طرح “لطفي” فكرته على عدد من القيادات الوطنية، أبرزهم: مصطفى كامل، وطلعت حرب، وأمين سامي باشا، واستقر الأمر بعد اجتماعات عدة بينهم على تأسيس شركة مساهمة بمبلغ خمسة آلاف جنيه، على أن يُسمُّوا ناديَهم الجديد: “الأهلي المصرى”.

وكانت الرياضة أو الاشتراك في الأندية الرياضية عنوانًا للتحرر في صدر القرن العشرين، بل كانت عنوانًا للاستقلال في كثير من الأحيان، مثلما كانت في – صور عديدة – أقرب عنوانًا للتقليد الأوربي، كي يُثبت المصريون أنهم ليسوا أقل شأنًا من المستعمر الإنجليزي!

وقد شهدت القاهرة والإسكندرية وعوام المحافظات، خاصة مدن القناة، تأسيس عدد من الأندية الرياضية، لكن جميعها كانت أندية أجنبية بالأساس.

ويُعَدُّ نادي السكة الحديد، أقدم الأندية المصرية لكرة القدم، حيث تأسس عام 1903م، ومن بعده النادي الأوليمبي عام 1905م، أما ثالث الأندية المصرية – من حيث التأسيس – فكان النادي الأهلي 1907م، الذي يُعدُّ أكبر الأندية المصرية شعبية على الإطلاق! والأهم أن بداياته كانت بتخطيط وتدبير من قيادات سياسية وطنية جدًّا.

وبرغم أن تأسيس النادي كانت فكرته، لكن عمر لطفي تنازل عن منصب رئاسته لصالح ميشيل أنس (المستشار بوزارة المالية آنذاك)، وكان إنجليزيا.

كان هدف “لطفي” ورفاقه من ذلك الإجراء هو تيسير عملية الدعم المالي للنادي، والعمل لدى الحكومة للحصول على أرضه الحالية بمنطقة الجزيرة.

صورة لاجتماع إدارة ومؤسسي النادي الأهلي
صورة لاجتماع إدارة ومؤسسي النادي الأهلي

عرض عمر لطفي عقد الشركة على المؤسسين، وهي شركة مصرية باسم النادي الأهلي للألعاب الرياضية، وطرحت أسهم الشركة بقيمة خمسة جنيهات للسهم، ودعَّم طلعت حرب النادي بالمساهمة بمبلغ مائة جنيه. وقررت الجمعية العمومية للنادي – التي كان رئيسُها الشرفي الزعيم سعد زغلول، بصفته وزير المعارف في ذلك الوقت – اختيار اسم “النادي الأهلي للرياضة البدنية”.

وكان أمين سامي باشا أول من اقترح ذلك الاسم، وسبب تلك التسمية أن الأهلى نشأ لخدمة طلبة وخريجي المدارس العليا، الذين كانوا الدُّعامة الأساسية للثورة ضد الاحتلال البريطاني.

ولم تكن لُعبة كرة القدم من أهداف مؤسسي الأهلي: “عمر لطفي”، وباقي الزعماء من الأساس، لكن الدافع كان إقامة نادٍ مصري يفتح أبوابه لطلبة المدارس العليا للاجتماع وممارسة الحوارات السياسية والوطنية، إلا أن خريجي المدارس العليا من أعضاء النادي وقعوا في حُبِّ تلك اللعبة الجديدة، والتي صارت فيما بعد – حتى الآن – هي العنوان الأشهر للنادي في الداخل والخارج!

 سجل عائلة عمر لطفي

بسبب وفاته في سن الشباب، كان من الصعب الوصول إلى أفراد عائلة لطفي وامتداداتها الحالية، وقد حاولت قيادات النادي الأهلي الوصول إلى العائلة للاحتفاءَ بها وتكريم صاحب فكرة النادي من خلالهم، لكنهم عجزوا عن ذلك، فحين تُوفي عمر لطفي بك يوم 5 نوفمبر عام 1911م بمحل سكنه بشارع محمد علي التابع لقسم الخليفة، فإنه ترك زوجته “الست زنوبة”، ونجلين هما: محمد بك عمر لطفي، ومحمد أفندي سعيد عمر لطفي.

ويتردَّد أن العائلة قد هاجرت بعد سنوات من وفاة الأب.

المصادر

– التعاونيات العصرية: دكتور/ حسن كامل راتب

– الموقع الرسمي للنادي الأهلي

– أسطورة القصر والصحراء: محمد السيد صالح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى