وجهات نظر

“حمس” الجزائرية.. الحائرة في طريق التحالف مع السلطة

د. أبو الفضل الإسناوي

منذ أن خرجت حركة مجتمع السلم الإسلامية الجزائرية “حمس” من تحالفها مع السلطة في أبريل 2012، وهي حائرة في تحديد مسار وشكل علاقتها معها، سواء قبل فبراير 2019 -تاريخ اندلاع الحراك الشعبي ضد حكومة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة- أو بعده أثناء إدارة المجلس العسكري للبلاد أو منذ تولى الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، شؤون الرئاسة.

ظلت حركة “حمس” أكبر الأحزاب الإسلامية الجزائرية مرتبكة في موقعها من السلطة منذ تولى عبد الرزاق مقري رئاستها، خاصة أنه اتبع سياسية مغايرة لسابقه، الذي كان يرى أن التقارب الواضح من الحكومات مربح وغير مكلف لتثبيت مكانة الحركة في الشارع الجزائري، وبين عناصرها، في حين خُدع “مقري” بواقع الإسلاميين في مصر عام 2012، وأخذ طريقا غير محسوبة بدقة، معتبراً أن الانفصال السريع عن السلطة والوقوف على يسارها قد يضعه في مربع الرابحين في ذلك الوقت.

توضيحاً، أخذت العلاقات بين “حمس” والنظام السياسي في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بُعدًا مختلفًا عن علاقة تلك الحركات الإسلامية بالأنظمة الجزائرية السابقة، فقد اتسمت تلك العلاقات بالترابط والتفاعل حتى قرب نهاية عهدته الثالثة التي تزامنت مع اندلاع الثورات العربية. فبعد عام 2011 انفصلت الحركة التي ظلت حاضرة ومشاركة في حكوماته المتعاقبة، بل ومنضوية تحت قبة تحالف رئاسي واحد معه. ووجبت الإشارة هنا إلى أن مشاركة الأحزاب الإسلامية في العملية السياسية منذ بداية حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة حتى اندلاع الثورات العربية في 2011، أخذت شكلين مختلفين حسب موقفها من نظام الحكم القائم: الأول تمثل في دعم الحكومة والمشاركة فيها، أما الثاني فتمثل في ممارسة معارضة مبرمجة.

وإن كانت “حمس” في أثناء رئاسة أبو جرة سلطاني، وعبد المجيد مناصرة، انتهجت سياسة لتحقيق مكاسب مادية شخصية لقياداتها ونوابها ووزرائها، وابتعدت من خلال استراتيجية المشاركة مع السلطة والقبول باللعبة السياسية وفقًا لموازين القوى والأمر الواقع، من نار الإقصاء والتهميش- فإنها تبدو منذ تولى “مقري” رئاستها في حالة اضطراب دائم بين محاولات الصدام والانقسام مع السلطة، والرغبة في تموقعها في أي من المواقع المربحة. لذلك لم تقف على خط واحد منذ اندلاع الحراك الشعبي ضد بوتفليقة، فقد أعلنت ترشحها في الانتخابات الرئاسية وجهزت “مقري” لخوض المعركة، ثم رفضت المسار المرتب من قبل قائد الجيش، مطالبة بإعداد الدستور أولاً، وعندما تمت دعوة الناخبين للانتخابات الرئاسية الأخيرة وتم فتح باب الترشح، أعلنت عن رفضها المشاركة، وبعد انتخاب الرئيس “تبون” عادت من جديد لتعلن عن شروطها، ولما تجاوز النظام شروطها، رفضت التعديلات الدستورية بحجة أنها غير عادلة ولا تتوافق مع واقع ثوري.

لم تكن “حمس” في تقديري شريكة فيه، خاصة أن تشكيلات الحراك الشعبي المدنية رفضت وجود تلك الحركة الإسلامية في الميدان من منطلق عدم أسلمة الشعارات المرفوعة ضد السلطة.

لقد كانت الانتخابات الرئاسية، التي أجريت في أبريل 2004، بداية ارتقاء الائتلاف الحزبي، الذي كانت “حمس” جزءًا منه، إلى تحالف رئاسي على أساس “ميثاق” تم توقيعه في 16 أبريل 2004 -أي قبل إجراء الانتخابات بأيام- تضمن مبادئ وثوابت وأهدافًا وآليات عمل، وتشكل من جبهة التحرير الوطني، وحركة مجتمع السلم “حمس”، والتجمع الوطني الديمقراطي، كما أن الأجواء التي سبقت إجراء انتخابات الرئاسة في 2009، المتمثلة في موافقة حركة مجتمع السلم “حمس”، على تعديل الدستور في 12 نوفمبر 2008، خاصةً المادة 74 التي مهَّدت لترشح بوتفليقة لعهدة رئاسية جديدة- كانت بمثابة دليل قاطع على أن “حمس” شريكة في بقاء بوتفليقة أربع فترات رئاسية، وأنه لو سمحت السلطة لها في الوقت الراهن بإعادة تموضعها فيما تسعى له لما رفضت مؤخراً تعديل الدستور واعتبرته غير عادل.

لقد عبَّرت الانتخابات التشريعية في مايو 2012 عن أول حالة انقسام وصدام عملية بين “حمس” ونظام بوتفليقة، تمثل في تشكيل تحالف انتخابي لمواجهة أحزاب السلطة، بالإضافة إلى تشكيل كتلة برلمانية معارضة في المجلس التشريعي الوطني.

ومثلت هذه الانتخابات أول تجربة عملية للأحزاب الإسلامية بعد فك ارتباطها مع السلطة، خاصةً أنها تزامنت مع صعود النُخب الإسلامية في تونس، والمغرب، ومصر.

وعليه، رفضت “حمس” بطريقة غير محسوبة عرض الوزير الأول الأسبق عبد الملك سلال في يونيو 2017، على رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري، الدخول في الحكومة، غير أن غالبية أعضاء مجلس شورى للحركة صوتوا بعدم المشاركة.

منذ هذا التاريخ، و”حمس” مضطربة سياسياً، خاصة أن هذا العرض لم يتكرر حتى اللحظة، بسبب أنها فوتت جميع الفرص التي كانت يمكن أن تقتنصها لو وضعت برجماتيتها الكاملة جانباً في أثناء ردها على نداءات قيادة أركان الجيش بعد رحيل بوتفليقة وأركان سلطته عن الحكم.

أخذت الحركة تتقارب في موقفها مع الأحزاب المدنية المعارضة من الانتخابات الرئاسية، وتأخذ مسارا معلنا في تفاصيله، وتتمثل لافتته العريضة في “لا لإجراء الانتخابات الرئاسية لعدم توافر الظروف المناسبة”.

وإن كانت الأحزاب المدنية المعارضة لإجراء الانتخابات الرئاسية في ذلك الوقت (حزب العمال والجبهة الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) كانت أكثر صلابة في مواقفها من الأحزاب الإسلامية.

لقد تلاحظ أن “حمس” تتعامل مع الواقع الجزائري منذ خروج “بوتفليقة” من السلطة حتى مغادرة الرئيس “تبون” المستشفى الألماني في الأول من ديسمبر 2020، من منطلق براجماتي خالص، يصاحبه موقف متقلب بين الرغبة في المشاركة بمرشح وإعلان الانسحاب من العملية.

حتى عندما طالب “تبون” خلال خطابة الأول بعد تنصيبه رئيساً بفتح حوار مجتمعي بعد الاتفاق على آليات إدارته مع كل الأطراف التي كانت رافضة لإجراء الانتخابات، وعلى رأسها قوى الحراك،  وجدنا حركة مجتمع السلم “حمس”، مرحبة بدعوة الرئيس، ولكن بشروط أهمها: أن يكون الحوار شفافاً، وجاداً، ويساعد على التخفيف من التوتر ويفتح آفاقا للتوافق المجتمعي.

في النهاية، يمكن القول إن حركة مجتمع السلم “حمس” تظل حائرة في تموقعها من السلطة، وأنها قد تختلق مواقف للجلوس مع السلطة.. ففي الوقت الذي اتخذت فيه قراراً بالتصويت بـ”لا” على استفتاء مشروع تعديل الدستور، باعتباره لیس توافقیا ویمثل أقلیة، يخرج رئيسها عبد الرزاق مقري لوسائل الإعلام ويقول إن “الحركة حريصة على التواصل مع السلطة”، رغم ما رآه في طريقة إعداد تعديلات الدستور سلوكا استعلائيا من السلطة تجاه المعارضة.

د. أبو الفضل الإسناوي

باحث متخصص في الحركات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى