حمى التطبيع تجتاح إفريقيا.. الهرولة السودانية صوب إسرائيل

الملخص:

مثَّل اجتماع رئيس مجلس السيادة في السودان “عبد الفتاح البرهان” برئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” حالة من الجدل واللغط الكبيرين حول توقيته ودوافعه ومآلاته، خاصة في ظل التحولات السياسية الجذرية التي يمر بها السودان في خضم مرحلة انتقالية تشهد الكثير من الاضطرابات والأزمات السياسية والاقتصادية منذ الاحتجاجات التي شهدتها البلاد العام الفائت والتي أسفرت عن الإطاحة بالبشير ونظامه، وذلك بالتوازي مع الإعلان عن صفقة القرن (الأمريكية -الترامبية) مع مطلع العام الجارى 2020 والرغبة الجامحة لدى إسرائيل في تعزيز وتوثيق روابطها بالقارة الإفريقية بشكل أكبر مما سبق انطلاقا من هذه الصفقة، ما جعل من لقاء “البرهان” بـ”نتنياهو” إيذانا بالإعلان عن بدء مرحلة جديدة في سياق التطبيع الإفريقي – الإسرائيلي قاعدته السودان .

ويبحث المقال حول الخطوة التي أقدم عليها عبدالفتاح البرهان نحو إسرائيل وما فهم من كونه تمهيدا للتطبيع السودانى معها ومبرراته حيال ذلك، وما الذي يمكن أن تحصل عليه السودان من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على حد سواء من هذه الخطوة، وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المشهد السودانى خاصة والإفريقي عامة.

مقدمة :

لا شك أن اجتماع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برئيس مجلس السيادة في السودان، عبد الفتاح البرهان في عنتيبي الأوغندية في 3 فبراير 2020، يمثل خطوة تاريخية فارقة في سياق سياسة الهجوم الإسرائيلي الناعم على إفريقيا منذ عام 2016. وعلى الرغم من السفاري السياسية المتكررة للزعماء الإسرائيليين داخل إفريقيا منذ عام 2009 واستعادة العلاقات مع بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة مثل غينيا وتشاد، فإن لقاء البرهان نتنياهو له دلالات واعتبارات أكثر أهمية. لقد استخار البرهان ربه -وفق روايته للحدث- وذهب إلى عنتيبي واتفق على تطبيع العلاقات مع اسرائيل التي لا تمتلك السودان معها علاقات دبلوماسية.

هذه الخطوة تعني إحداث قطيعة مع سياسات نظام الإنقاذ التي كانت لا تخفي معارضتها الصريحة للصهيونية وتدعم القضية الفلسطينية. على أن لقاء عنتيبي يبدو في ظاهره مرتبط -ولو بطرف خفي- بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “صفقة القرن” من طرف واحد لصالح إسرائيل. ومن الواضح أن البرهان لم ينسق مع رئيس مجلس الوزراء عبدالله حمدوك بشأن اللقاء، كما تقدم مدير إدارة السياسة الخارجية في مجلس السيادة، السفير رشاد فرج الطيب باستقالته إلى رئيس المجلس احتجاجا على مبادرة تطبيع العلاقات مع اسرائيل. كل ذلك يدعو إلى التساؤل عن دوافع التطبيع السوداني مع إسرائيل وارتباطه بتعقيدات المرحلة الانتقالية التي تمر بها السودان في أعقاب سقوط نظام البشير، وكيف يمكن من خلال استدعاء الذاكرة التاريخية فهم دلالات الحدث واستشراف آفاق المستقبل.

السودان

 

⪡ المحور الاول

أولًا: الهرولة ودراما المرحلة الانتقالية

يبدو أن ثورة التوقعات المتزايدة التي ارتبطت بسقوط نظام البشير تتحول شيئا فشيئا إلى إحباطات متزايدة بسبب نهج حكومة حمدوك المتردد والخوف من اتخاذ قرارات سياسية حاسمة.. تضع الحكومة المدنية نصب أعينها دوما إرضاء كبار السياسيين وجنرالات الجيش على السواء، وهي مهمة تكاد تكون مستحيلة، إن تأخير استبدال الحكام العسكريين للولايات على مستوى الدولة بحكام مدنيين جدد والتراجع عن قرار رفع الدعم عن المحروقات الذي يستنزف أموال الخزانة العامة يدل على مدى تخبط الحكومة المدنية وظهورها بمظهر العاجز غير القادر على الانجاز.

حمدوك

استنادا لذلك السياق وطبيعة تشكيل مجلس السيادة ومؤسسات السلطة الانتقالية يمكن فهم التحركات الدراماتيكية من قبل كل من الحكومة المدنية من جهة ورئيس مجلس السيادة من جهة أخرى. لقد تم الكشف عن طلب رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، من مجلس الأمن الدولي في أواخر يناير 2020 التفويض لإنشاء بعثة سياسية خاصة من الأمم المتحدة تحت الفصل السادس في أقرب وقت ممكن، على أن تضم عنصرا قويا لبناء السلام، وينبغي أن تشمل ولاية البعثة المرتقبة كامل أراضي السودان. ولا شك أن هذا الطلب خطير، لأن من حق مجلس الأمن أن يتجه إلى إعمال نصوص البند السابع دون موافقة الخرطوم، وهو ما يعني تدويل عملية الانتقال السياسي في السودان وبطلب من حكومتها غير المنتخبة. وفي هذا الاتجاه جاء إعلان الحكومة المدنية عن نيتها تسليم الرئيس المخلوع عمر البشير ورفاقه المتهمين إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولا يخفى أن طلب الاستقواء بمجلس الأمن وتسليم مواطنين سودانيين للجنائية الدولية يتعارض بشكل صارخ مع مصالح الجيش السوداني الاستراتيجية؟ فكيف يمكن تفسير ذلك؟

دقلو

ثمة تناقضات واضحة بين مكونات مؤسسات الحكم الانتقالي في السودان من جهة وبين أطراف الدولة العميقة والقوى الثورية من جهة أخرى. ويمكن القول إن قوات الدعم السريع تحت زعامة محمد حمدان دقلو (حميدتي) تمثل أقوى مركز للقوة في البلاد وتهدد الدور التقليدي للجيش. وما زالت ميليشيا حميدتي تسيطر على مناجم الذهب ولديها احتياطي مالي كبير، بالإضافة إلى امتلاكها مصادر تجنيد لعشرات الآلاف من المجندين الجدد. هذا الصعود المتنامي لقوات الدعم السريع كان مصدر استياء من قبل قوات الجيش السوداني التي رأت في قوات الدعم السريع مركزا لقوة منافسة غير منضبطة وتفتقر إلى التدريب الاحترافي.

وقد مثل عام 2019 تقدما نوعيا في مسار تطور الدعم السريع من الناحية السياسية، حيث أصبح قائدها الجنرال حميدتي نائبا لرئيس مجلس السيادة، كما اكتسبت قواته وضعا دستوريا عندما تم إدراجها ضمن قوات المؤسسة العسكرية الحكومية في الوثيقة الدستورية التي وقع عليها المجلس العسكري وإعلان قوي الحرية والتغيير. ومع ذلك  فإن وضع الدعم السريع تحت إشراف القائد الأعلى للقوات المسلحة يخلق وضعا عسكريا معقدا. على سبيل المثال كيف يمكن من الناحية العملية لقائد عسكري يؤمن بقيم المهنية والاحتراف العسكري الإشراف على ميليشيات مستقلة ماليا ولم يتخرج أفرادها من أي معاهد أو مدارس عسكرية.

البشير- رويترز

فهل يمكن النظر إلى الإعلان عن إمكانية تسليم البشير وإقامة علاقة سودانية رسمية مع المحكمة الجنائية الدولية على أنه يعبر عن صراع الجنرالات في السودان ومحاولة تهديد حميدتي. انطلاقا من وجهة النظر هذه، فإن تسليم المتهمين الخمسة الذين تلاحقهم المحكمة بتهم ارتكاب جرائم الحرب في دارفور، بمن فيهم الرئيس السوداني المعزول عمر البشير، قد يقود محاميي المحكمة الجنائية الدولية للنظر في انتهاكات حميدتي السابقة. ربما يدفع ذلك قائد ميليشيا الدعم السريع إلى استخدام قوته المالية وقوته العسكرية لتقويض الحكومة الانتقالية التي لاتزال تفتقر إلى الشرعية الشعبية نظرا لضعف أدائها. صحيح أن لائحة الاتهام الصادرة عام 2008 من قبل المحكمة الجنائية الدولية لا تحدد اسم الجنرال محمد حمدان دقلو، قائد ميليشيا الجنجويد السابقة، بيد أنها تضم أحد قادة الجنجويد الآخرين، وهو علي كوشيب، مما يشير إلى أن أي تعاون سوداني مع المحكمة يمكن أن يعرض أدلة جديدة لإدانة حميدتي.

ربما يحاول جنرالات الجيش من خلال التحالف مع القوى المدنية الرئيسية انتهاج مسلك المناورة الاستراتيجية لتهميش قوات الدعم السريع، مقابل دعم قوات الجيش النظامي في ظل نظام سياسي جديد يحظى بالدعم الخارجي والداخلي على السواء. وعليه يمكن فهم التلويح بسيف العدالة الدولية لترويع بعض المنافسين في الداخل السوداني (ميليشيا الدعم السريع) كما أن الاستقواء بمجلس الأمن يهدف إلى كسر شوكة الجنرالات في الداخل، ومن جهة ثالثة يشكل قرار التطبيع مع إسرائيل جواز سفر لرفع اسم السودان من قائمة الإرهاب وعودتها إلى الأسرة الدولية، وهنا تلتقي مصالح فرقاء المرحلة الانتقالية في السودان من مدنيين وعسكرين.

 

⪡ المحور الثاني

ثانيًا: دلالات اجتماع البرهان- نتنياهو

نتنياهو- البرهان

إن لقاء البرهان نتنياهو يحمل في طياته العديد من الدلالات التي تتجاوز مكاسبها الآنية. أولا، قد يعني من الناحية الرمزية نهاية زمن الحروب العربية الإسرائيلية، ففي أعقاب نكسة 1967، عقدت القمة العربية في الخرطوم وأصدرت ما أصبح يعرف بإعلان الخرطوم، أو ببساطة اللاءات الثلاثة”: لا سلام مع إسرائيل، ولا اعتراف بإسرائيل، ولا مفاوضات مع إسرائيل”. ولاشك أن التطبيع الإسرائيلي اليوم مع السودان يجب ما قبله، بحيث يصبح إعلان الخرطوم الخاص بالصراع الإسرائيلي مجرد حدث تذكره كتب التاريخ.

 ثانيا، يعني سقوط نظام البشير وضع حد لأسوأ الصراعات التي واجهتها إسرائيل في جوارها الإقليمي. فقد وجدت العديد من التنظيمات الإسلامية المسلحة الرئيسية بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية، وحزب الله، وحتى منظمة التحرير الفلسطينية، قبل اتفاقات أوسلو 1993، في السودان ملاذا آمنا يمكنهم من خلاله الحصول على التدريب والسلاح. ألم يكن السودان مأوى زعيم القاعدة أسامة بن لادن، قبل انتقاله إلى أفغانستان عام 1996؟

ثالثا، ساعد نظام الإنقاذ من خلال توثيق علاقاته مع إيران على تحقيق التواصل بين تنظيم القاعدة والحرس الثوري الإيراني، وهو ما يعني محورية دور السودان في استراتيجية إيران التوسعية في المنطقة. لقد تمكنت طهران من الوصول إلى بورسودان على البحر الأحمر. وقد اعتقدت إسرائيل أن هذا المنفذ البحري لإيران قد مثل خطط امداد رئيسي بالأسلحة للمنظمات الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة.

 رابعا، على الرغم من بعد السودان جغرافيا عن منطقة القلب في الشرق الأوسط، فإن سياسات نظام الإنقاذ جعلته جزءًا من شبكة إقليمية معقدة تقف أمام إسرائيل موقف الصدام والعداء. على أن هرولة السودان نحو بناء علاقات جديدة مع إسرائيل، تعني في جوهرها تفكك وتقسيم تلك الشبكة المعادية لإسرائيل في المنطقة.

 

⪡ المحور الثالث

ثالثًا: ماذا وراء التطبيع مع إسرائيل؟

البرهان

تشكل السودان نقطة ارتكاز أساسية في استراتيجية إسرائيل الهادفة لمحاصرة النفوذ الإيراني والتركي في إفريقيا. ويتمثل سلاح تل أبيب الرئيسي في كسب حلفاء جدد داخل إفريقيا في توفير الدعم الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي من قبل الولايات المتحدة، بالإضافة إلى التعاون الأمني وإمدادات الأسلحة بين إسرائيل والدول الإفريقية.. وفي 2019، أثناء زيارة نتنياهو لتشاد، أعلن عن إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وتكتسب هذه الخطوة أهمية كبرى في حركة إسرائيل الإفريقية نظرا لمركزية الوضع الجيوسياسي لتشاد وسط منطقة الساحل، بالإضافة إلى أنها سوف تساعد إسرائيل في إرساء الأسس المرجوة لتطبيع العلاقات مع الدول ذات الغالبية المسلمة مثل السودان ومالي والنيجر.

وفي سياق صفقة القرن تحاول إسرائيل جاهدة إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع المغرب. ولتحقيق ذلك فإنه طبقا لموقع Axios الأمريكي تناقش كل من إسرائيل والولايات المتحدة صفقة من شأنها أن تعترف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية في الصحراء الغربية مقابل اتخاذ المغرب خطوات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل”.

إن اهتمام إسرائيل بالسودان على وجه الخصوص يرتبط بحركتها في منطقة جنوب الصحراء الكبرى والتي تعزى لمجموعة من العوامل الرئيسة:

أولا: إنها تشكل مجالا استراتيجيا حيويا في الجوار الجغرافي للدولة العبرية، فضلا عن إنها تمثل كتلة تصويت رئيسة في الأمم المتحدة والمحافل الدولية. كما تحتل هذه الدول مكانا بارزا في كل من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. وعلى أية حال فإن التقارب مع إفريقيا يعد جزءا من رؤية استراتيجية بعيدة المدى تحاول اجتذاب حلفاء جدد يبتعدون تدريجيا عن مواقف دول الاتحاد الإفريقي المناهضة لإسرائيل في المنتديات والمحافل الدولية.

دول حوض النيل

ثانيا: محاولة كسب النفوذ والتأثير في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل بما في ذلك الصومال، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية هذه المنطقة في مصادر المياه وإمدادات الطاقة إلى البحر المتوسط. طبقا لتقرير أفريكا انتيلجنس، فإن إعلان الرئيس الأوغندي يوويري موسيفيني عن إطلاق 190 مشروعًا صغيرًا للري وبناء 15 مشروعًا كبيرا للري في جميع أنحاء البلاد يؤكد على وجود روابط قوية بين أوغندا وإسرائيل، والتي تتعاون بالفعل في مجال السياحة. على سبيل المثال، عملت الشركتان الإسرائيليتان نتافيم للري وجامعة بن غوريون في النقب مع شركات تروج للخبرات الإسرائيلية في هذا القطاع مثل أجروماكس AgroMax، وبالتون سي بي Balton CP، ومؤسسة الابتكار الإفريقية لتطوير برنامج دولي يسمى نظام الري بالتنقيط العائلي للأراضي القاحلة في أوغندا.

ومن المعلوم أن الوكالة الدولية للتنمية التابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية (ماشاف)، دربت منذ عام 2014 نحو تسعمائة من الفنيين الزراعيين الكينيين والأوغنديين في جامعات إسرائيلية مثل مركز روبن الأكاديمي و”كفار سيلفر”. ويحاول موسيفيني مواجهة مشاكل المياه في بلاده في ظل تصاعد حدة الخلافات حول تقاسم موارد حوض النيل في إطار مبادرة حوض النيل. ووفقا للحكومة الأوغندية، فإنه لتجنب مخاطر الجفاف بشكل فعال في البلاد على أساس دائم، سوف يتعين على كل من مصر والسودان تقليل استخدامهما للمياه بنسبة 4٪.

نتنياهو والرئيس الكيني أوهوروا كينياتا

ومن جهة أخرى تعد كينيا منذ سنوات بمثابة بوابة إسرائيل إلى إفريقيا.. تستخدم إسرائيل علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية القوية مع نيروبي كوسيلة لتوسيع دائرة نفوذها في القارة وتحويل الدول الإفريقية الأخرى ضد القضية الفلسطينية. ويبدو أن استراتيجية إسرائيل، في ظل الأوضاع الدولية والإقليمية منذ تولي إدارة ترامب بدأت تؤتي أكلها من حيث تناقص الدعم الإفريقي التاريخي للكفاح الفلسطيني على الساحة الدولية.

ثالثا: تعتبر تل أبيب واحدة من أبرز الموردين الأساسيين للأسلحة الرئيسية وغيرها من المعدات العسكرية والأمنية لإفريقيا جنوب الصحراء. وغالبا ما تصاحب صفقات الأسلحة عقود لجنرالات إسرائيليين متقاعدين ومتعهدين مدنيين يعملون كمدربين ومستشارين. وعلى أي حال تعتبر التجارة العسكرية مجالًا مهمًا نظرًا لأن الأجهزة العسكرية الإسرائيلية وتقنيات المراقبة وجمع البيانات والحرب السيبرانية مطلوبة للغاية في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها الدول الإفريقية. في عام 2016، بلغت صادرات إسرائيل العسكرية إلى إفريقيا 275 مليون دولار وفقًا لوزارة الدفاع الإسرائيلية. ومع ذلك – حتى مع استمرار نمو الصادرات – لا تزال إفريقيا تمثل سوقًا متواضعًا نسبيًا لإسرائيل بالمقارنة مع آسيا والاتحاد الأوروبي اللذين يتصدران القائمة.

رابعا: الأهمية المتزايدة للقارة في الجغرافيا السياسية العالمية وزيادة التدافع الدولي عليها. يعني ذلك أن توسيع دائرة الوجود الإسرائيلي في إفريقيا، يمكن تل أبيب من احتواء خصومها الذين يبدون اهتمامًا أيضًا بالمنطقة، وخاصة إيران وتركيا. ولا يخفى أن الاختراق الإسرائيلي لإفريقيا يتداخل ويتقاطع بشكل رئيسي مع تأثير ونفوذ الدول الغربية الأخرى. علاوة على ذلك، فإن العديد من الحكومات الإفريقية تعتبر أن تطبيع علاقتها مع إسرائيل يمثل جواز مرور لها من أجل إقامة علاقات أوثق مع واشنطن.

أفارقة في إسرائيل يتظاهرون ضد دعوات ترحيلهم

خامسا: إشكالية اللاجئين الأفارقة. يوجد في إسرائيل حوالي 40 ألف مهاجر إفريقي طبقا لتقديرات هيئة الهجرة الإسرائيلية نهاية عام 2018. وهم يشكلون 0.5 % فقط من مجموع السكان. وتنظر إسرائيل إلى اللاجئين الأفارقة على أنهم غير مرحب بهام ويمثلون تهديدا لهوية الدولة اليهودية. وقد أطلق نتنياهو على المهاجرين الأفارقة اسم “المتسللين”، الذين “لديهم إما خيار الرحيل وأخذ أموالهم أو قضاء بقية حياتهم في سجن إسرائيلي”. يتعين على المهاجرين المعترف بهم في إسرائيل دفع 20% من رواتبهم بالإضافة إلى 16% أخرى يدفعها أصحاب العمل لصندوق حكومي.. وعند مغادرة هؤلاء المهاجرين البلاد يحصلون على أموالهم. ومن المثير للاهتمام أنه تم تبني سياسة مماثلة تجاه اليهود الأفارقة الذين يهدفون إلى الاستقرار في إسرائيل. هناك حديث داخل إسرائيل عن “التهديد الإفريقي” – وهو مصطلح يستخدمه السياسيون الإسرائيليون من أحزاب مختلفة عندما يتعلق الأمر بالأفارقة، بغض النظر عما إذا كانوا يهودا أم لا.

استدعاء التاريخ والدور الأوغندي

عند استدعاء الذاكرة التاريخية نجد أن الهجوم الإسرائيلي الناعم والخشن على السودان قديما وحديثا انطلق من المحطة الأوغندية.

سيلفا كير

في أثناء زيارته لإسرائيل أواخر ديسمبر 2011، أعرب رئيس جنوب السودان سلفا كير عن إعجابه ودعمه لدولة إسرائيل حيث قال: “أنا سعيد للغاية لوجودي في إسرائيل والسير على تراب أرض الميعاد، ولاشك أن شعب جنوب السودان بأسره يشعر معي بهذه السعادة” وأضاف كير: “بدونكم (أي إسرائيل)، لما قامت لنا قائمة. لقد ناضلتم معنا من أجل استقلال جنوب السودان، ونحن حريصون على التعلم من تجاربكم وخبراتكم الواسعة”. وفي المقابل، أشار الرئيس الإسرائيلي الراحل شيمون بيريز أن إسرائيل لديها مصالح دائمة من أجل تطوير ودعم بلدان شرق إفريقيا. “نحن نعلم أنكم ناضلتم بكل شجاعة وحكمة وواجهتم جميع الصعاب من أجل إقامة بلدكم وبالنسبة لنا، فإن ولادة جنوب السودان هي علامة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط لتعزيز قيم الحرية والمساواة والسعي نحو السلام والخير واقامة علاقات حسن جوار”.

ومن اللافت للانتباه أن زيارة كير لإسرائيل استمرت فقط لمدة 24 ساعة حرص خلالها على زيارة ياد فاشيم Yad Vashem، وهو متحف تاريخ المحرقة اليهودية. ولعل ذلك يعكس في رمزيته معاناة كل من الشعب اليهودي وشعب جنوب السودان في مواجهة الظلم والتمييز العنصري وفقا للدعاية الإسرائيلية.  

⪡ المحور الرابع

رابعًا: جوزيف لاغو يتذكر

جوزيف لاغو

 ربما تعزى متانة العلاقات الوثيقة بين إسرائيل وحركات التمرد في جنوب السودان إلى جملة من المصالح المتبادلة والاعتبارات الاستراتيجية التي ترتبط بمكانة إسرائيل الإقليمية ومحاصرتها لمنظومة الأمن القومي العربي وما إلى ذلك من عوامل ومحفزات أخرى. ومع ذلك يمكن الاعتماد على مذكرات قائد التمرد الجنوبي جوزيف لاغو للتعرف على بعض خصائص العلاقات الإسرائيلية بالنخبة العسكرية والسياسية التي قادت التمرد في جنوب السودان. يعد جوزيف لاغو، المولود عام 1931 في منطقة ماديلاند جنوب جوبا واحدا من أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية في جنوب السودان. فقد تخرج من الكلية العسكرية في أم درمان لكنه سرعان ما أعلن انشقاقه عام 1963 وشكل حركة المقاومة الجنوبية المعروفة باسم أنيانيا (أي سم الأفعى). وقد كان الراحل جون جارانج من بين صغار الضباط الذين انضموا لحركة جوزيف لاغو.

ليفي أشكول

 في أعقاب حرب الأيام الستة أرسل جوزيف لاغو خطاب تهنئة لرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ليفي أشكول يقول فيه: “عزيزي رئيس الوزراء.. تهانينا الحارة لانتصاركم على العرب. إنكم بحق شعب الله المختار”. وسرعان ما بدأت الاتصالات مع المخابرات الإسرائيلية بواسطة المسئول في السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأوغندية كمبالا، حيث شهدت منطقة شرق إفريقيا وجودا إسرائيليا متزايدا نهاية الستينيات من القرن الماضي.

وقد عرض لاغو صفقة على المسئول الإسرائيلي مفادها أن العرب يمثلون عدوا مشتركا وأنه إذا ساعدت إسرائيل حركة أنيانيا فإنها سوف تعمل على دحر جيش شمال السودان، وهو ما يعني انعدام فرصة انضمامه للجيوش المصرية والعربية في حالة نشوب حروب مستقبلية ضد إسرائيل. وبالفعل تم التفاوض في ظل رئاسة غولدا مائير لمجلس الوزراء الإسرائيلي. فقد سافر لاغو إلى إسرائيل والأراضي المحتلة في سيناء والجولان والضفة الغربية حيث مكث مدة أسبوعين التقى خلالها غولدا مائير في القدس.

جولدا مائير

كانت المحادثات بين لاغو وغولدا مائير حول كافة النواحي الدينية والعسكرية. فقد تحدث لاغو عن أن المسيحيين في جنوب السودان ينظرون إلى اليهود بحسبانهم أبناء عمومة المسيح. على أن الأمر الأكثر أهمية هو التوصل لاتفاق تم بمقتضاه توصيل شحنة من الأسلحة إلى جوبا. وقد تضمنت هذه الشحنة قذائف هاون وصواريخ مضادة للدبابات ورشاشات خفيفة كانت القوات الإسرائيلية قد غنمتها من الجيوش العربية في حرب عام 1967.

ويبدو أن إسرائيل كانت حريصة على عدم إظهار علاقتها المباشرة بتسليح حركة التمرد في جنوب السودان وهو ما يبرر تزويد المتمردين بأسلحة قديمة غير إسرائيلية. ومع ذلك زودت إسرائيل المتمردين السودانيين بالمستشارين العسكريين والفنيين والأطباء. ومع تمكن المتمردين من الحصول على السلاح من مصادر أخرى مثل حركات التمرد في الكونغو الديموقراطية وسوق السلاح الدولية أضحت أنيانيا قوة تمرد يعتد بها في مواجهة الحكومة السودانية.

⪡ المحور الخامس

خامسًا: إسرائيل وتصادم المصالح

على الرغم من أهمية ومحورية علاقة حركة التمرد في جنوب السودان بإسرائيل فإنها لم تستمر طويلا وتوقفت بعض الوقت بفعل عوامل ثلاثة: أولها قيام الرئيس الأوغندي الراحل عايدي أمين عام 1972 بطرد المستشارين العسكريين الإسرائيليين من بلاده، بل وإغلاق السفارة الإسرائيلية في كمبالا. ولا شك أن ذلك يعني حرمان الإسرائيليين من خط مضمون لتهريب الأسلحة إلى جنوب السودان. فقد كان البديل الآخر مكلفا حيث يتم إسقاط هذه الأسلحة بالطائرات عبر الأجواء الإثيوبية ويتم تزويدها بالوقود في كينيا.

أما العامل الثاني فهو توقيع اتفاقية أديس أبابا للسلام بين شمال السودان وجنوبه في نفس العام وذلك بوساطة الإمبراطور هيلاسلاسي حاكم أثيوبيا. وقد حصل جنوب السودان على حقه في الحكم الذاتي بمقتضى هذا الاتفاق الذي ربما أغضب الإسرائيليين. وكان على جوزيف لاغو أن يذهب إلى نيروبي لشرح وجهة نظره في الاتفاق للمسئولين الإسرائيليين. ويتمثل العامل الثالث في وجود اتفاق سري بين الرئيس السوداني الراحل جعفر نميري وآريل شارون الذي تولى وزارة الدفاع الإسرائيلية في ذلك الوقت. وعليه عندما بدأت المرحلة الثانية من الحرب الأهلية في السودان لم تتدخل إسرائيل بشكل مباشر في بدايتها.

هيلاسلاسي

ومع ذلك فإن دولا إفريقية أخرى على رأسها ليبيا في ظل معمر القذافي وأثيوبيا في ظل حكم منجستو هيلا مريام زودت الجيش الشعبي لتحرير السودان بزعامة الراحل جون جارانج بأسلحة ومعدات حديثة أفضل بكثير مما كانت تمتلكه حركة التمرد الجنوبية من قبل. وتشير الوثائق الإسرائيلية إلى أن الدعم الإسرائيلي لجنوب السودان لم ينقطع أبدا في حقيقة أمره وظل قائما حتى لو كان بشكل غير معلن. فالكتاب الوثائقي الذي صدر عام 2002 عن مركز موشيه ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا بجامعة تل أبيب والذي ألفه العميد المتقاعد في الموساد موشي فرجي بعنوان “إسرائيل وحركات تحرير السودان” يؤكد على خيار إسرائيل الاستراتيجي في دعم الأقليات العرقية والوثنية في الوطن العربي وذلك وفقا لمبدأ “شد الأطراف”.

 وعليه فإن لقاء أوغندا بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، ما هو إلا مجرد فصل آخر في تاريخ العلاقة المضطربة بين البلدين. إنها قصة شد وجذب وتهريب أشخاص وأسلحة ومؤامرات ودسائس، وفوق ذلك كله، علاقة اكتنفتها السرية والغموض في معظم مراحلها. في عام 1956 التقى ممثلو حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي في لندن سرا مع الدبلوماسيين الإسرائيليين، ومن بينهم مردخاي غازيت، السكرتير الأول للسفارة الإسرائيلية في لندن. كان الهدف من اللقاء هو الحصول على الدعم الدبلوماسي في مواجهة طموحات جمال عبد الناصر العروبية. وفي عام 1981، التقى وزير الدفاع أرييل شارون – كما ذكرنا- سرا في كينيا بالرئيس السوداني جعفر النميري لمناقشة قضية ترحيل يهود الفلاشا من أثيوبيا ومواجهة مخاطر إيران الثورية.

خريطة السودان

وعلى الرغم من تاريخ العلاقات العدائية بين نظام الإنقاذ وإسرائيل فإن السنوات الخمس الأخيرة من حكم البشير شهدت محاولة نظامه مغازلة إسرائيل. كان لدي البشير دوافع ومصالح خاصة: كان يأمل أن يتمكن نتنياهو والموساد من الاستفادة من النفوذ السياسي لجماعة الايباك والمنظمات اليهودية الأمريكية لتخليصه من سيف الجنائية الدولية المسلط على رقبته في مقابل إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. وفقا لتقارير دبلوماسية، التقى رئيس الموساد يوسي كوهين مع نظيره السوداني الجنرال صلاح غوش لمناقشة إقامة شكل من أشكال العلاقات التجارية والدبلوماسية بين البلدين. لكن الاضطرابات الداخلية في السودان وموجة الاحتجاجات الشعبية أعاقت تنفيذ التفاهمات الأمنية بين السودان وإسرائيل. وفي نهاية المطاف أدرك الموساد أن البشير بمثابة الحصان الخاسر حيث كانت أيامه في السلطة معدودة. وبالفعل تم خلعه أخيرًا في أبريل 2019.

مع رحيل البشير، وفي ظل تعقيدات المرحلة الانتقالية وتحدياتها يمكن أن تكون الظروف مهيأة لإقامة العلاقات بين تل أبيب والخرطوم. وربما يساعد على ذلك مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المؤيدة لإسرائيل ومحاولته دعم قيام محور اعتدال عربي إسلامي مناهض لإيران. وبالفعل وجدت حكومة نتنياهو الفرصة سانحة لجعل السودان وهي دولة عربية سنية إقليمية كبرى تحول مواقفها لتصبح في مصاف الدول الصديقة لإسرائيل.  ويبدو أن المطلب الإسرائيلي الآني يبدو متواضعا في قيمته عظيما في دلالته وهو السماح للطائرات الإسرائيلية بالطيران فوق الأجواء السودانية.

 

⪡ الخلاصة

 

الخلاصة

على الرغم من الهرولة السودانية والإفريقية صوب إسرائيل فإن إشكالية كبرى تظل متمثلة في أن إسرائيل تعد من الناحية الواقعية دولة استعمارية جديدة، تطبق بالفعل نفس ممارسات الفصل العنصري على أراضيها، كما يتم معاملة اليهود الإثيوبيين كمواطنين من الدرجة الثانية.

والناظر لمكونات صفقة القرن التي تحاول إدارة ترامب فرضها من جانب واحد ولو بثمن بخس يجد أنها تعيد نظام المعازل والبانتوستانات البغيض الذي مارسته حكومة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. وعلى أرض الواقع نجد أن وعود الرخاء والمساعدات التي تحاول الحكومة الإسرائيلية أن تمني بها الأفارقة لا تعدو أن تكون سرابا بقيعة يحسبه الظمآن ماء. فإسرائيل دولة محدودة الموارد والإمكانات وتعتمد على الشراكات الغربية الإنمائية في تحقيق أهداف حركتها الخارجية. وعلى الرغم من هرولة بعض الدول الإفريقية إليها مثل جنوب السودان وتشاد فإن أزماتها الاقتصادية والأمنية والسياسية تزداد سوءا. وتُظهر الصورة الكبرى واستشراف آفاق المستقبل أن هناك تحديات خطيرة تواجه تعزيز الوجود الإسرائيلي في إفريقيا. ثمة شعور متزايد داخل المجتمع الإسرائيلي ضد اللاجئين الأفارقة وحتى جماعات اليهود السود، ولا يخفى أن بنيامين نتنياهو نفسه دعا إلى طرد المهاجرين الأفارقة من البلاد وإعادة توطينهم في إفريقيا مرة أخرى. ومن جهة أخرى قد يدفع الوجود الإسرائيلي في إفريقيا إلى زيادة أنشطة الجماعات الإسلامية المتشددة التي تستخدم هذا الوجود مسوغا لنزع الشرعية عن الحكومات الإفريقية وتبرير عمليات الجهاد المقدس ضدهم وفقا لمنطق الاسلاموية الجهادية.

بمشاركة

مونتاج

محمود أسامة

غُلاف

أحمد بيكا

دراسة

د. حمدي عبدالرحمن

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram