ثقافة وفنمختارات

حنان يوسف.. إنما الفن ما تعمدت قلوبكم

 

دون الثامنة عشرة، في ثياب بسيطة، تقطع “حنان” طريق الجيش في باب شرق متجهة إلى كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، لتحضر أولى محاضراتها في قسم الفلسفة بالكلية.. العام الجامعي هو 1970/1971 بدأ بعد الوفاة المفاجئة للرئيس جمال عبد الناصر بأيام.. مصر ما زالت في ذهول.. هو أيضا عام ثالث لحركة الشباب الثائر والمتمرد في معظم دول العالم.. الفتاة الصغيرة ذات الملامح الهادئة لا يعوزها الوعي ولا تنقصها المعرفة.. هي ابنة لأم فلسطينية خرجت للتو من مأساة الوطن المُستلب.. أرضعتها مع اللبن الإيمان بعدالة القضية وما يترتب على ذلك من مبادئ وانحيازات وتوجهات.. اختيارها قسم الفلسفة له دلالته بالطبع.. ثمة سؤال كان يبحث عن إجابة، شيء ما يدفع الفتاة نحو فهم الوجود على نحو أعمق وأكثر وضوحا.. تبصرُ الحب فتصير زوجة وهي ما زالت طالبة تروِّض عقلها ليهضم أرسطو وأفلاطون فيؤرقها الكِنْدي والرازي وشروح ابن رشد.. تفطن إلى هذا الرابط بين علم الجمال والفن وتذوق الحياة.. فتعرف الطريق وإنْ لم تجد في نفسها الجَلَد للسير فيه.. تحاول التنصل غير مرة.. لم يكن ثَمَّ مفرٌ.

في روضة المنيل تجلس إلى زميل دراسة الفلسفة، المسكون بالفن على شاكلتها، رضوان الكاشف.. كان شيء ما قد صار مؤرقا في الإسكندرية.. “جليم” ناشدتها أن تبتعد قليلا، ليتوهج في الروح حنين جديد.. “ندَّاهة” الفن تستدرجها إلى القاهرة، حيث تتعاظم المخاوف في هذا العالم الفسيح الذي يرصد الغرباء ويفتك بهم.. وتلك العيون الساهمة التي تتحدث بصدق جارح عن معاناة إنسانية قاسية، لا يُسكتها الخجل ولا عجز اللسان، وذلك الصخب الذي تشعله تلك النظرات المتوجسة يغني على أي حال.. لكنه لا يردُّ عن القلب تحنانه المُمض ورهبته الموغلة.

حنان يوسف

“لا أريد العمل بالفن.. أي عمل في مجال آخر سيكون أفضل”.. يغضب “رضوان” على عكس طبيعته: “هذا تمادٍ في العناد لا طائل من ورائه”.. يصحبها إلى الثقافة الجماهيرية.. ومنها إلى مسرح السامر، حيث كان المخرج أحمد إسماعيل يستعد لتقديم عرضه “سهرة ريفية” تهيئ الأقدار لها المسار مبكرا.. العرض شبه مرتجل، لا ضوابط صارمة تكبل الأداء: “قولي ما شئتِ! واقفة أو جالسة لا يهم”، رغم ذلك أحسَّت ثقلا لا يبعث على الارتياح.. التجربة رغم فرادتها ينقصها شيء يمنحها ما يفك القيد ويطلق العنان للبوح.. هنا داخل هذه الجدران مخالفة واضحة لروح التجريب والارتجال والأصالة والتواصل مع الجمهور الحقيقي لعمل عن الفلاحين.. يأتي الجواب شافيا عن تلك التساؤلات من أحمد إسماعيل بنقل العرض المسرحي إلى قريته “شبرا بخوم”.. يخف الثقل رويدا رويدا وتنزاح الحُجُبُ استشرافا لكشف يزيل آخر الشكوك.

في “شبرا بخوم” تجلى الفن مطلبا مُلِحا للناس.. ارتباط حقيقي لا لبس فيه.. لا شبهة تتعلق بنخبوية الفن وانعزاليته.. ليس عن هذا الدور الرسالي، ولا حتى عن الإفصاح الفني بلسان الجموع أتحدث.. الأدق أن ما رأته “حنان” وجعلها تحسم أمرها بشأن العمل بالفن، هو هذا التفاعل الوجداني المتحقق.. وتلك المساحة الواسعة المفتوحة على آفاق تموج بأنماط جمالية باذخة، وصيغ فنية مبتكرة لا تغريبَ فيها ولا ادعاء.. فن يتزين بغبار الطريق الوعر، وعرق الكادحين والانتصار للقيمة، والانصهار في بوتقة الوجد، لتصير ملامح الفنان وجها للوطن ومعبِّرا عن واقع الحال دون انفصال أو افتعال أو جفوة.

كان من الضروري أن تبقى ابنة “جليم”، المتلهفة للعودة إلى “إسكندريتها”، لفترة أطول تتعمَّد خلالها بماء الفن الدافئ الفوَّار كالدم في عمل مسرحي آخر من نسج نجيب سرور، شاعر الوطن المجنون، لتصير الأمور أكثر وضوحا وإيلاما في آنٍ.. عمل مسرحي مثل “منين أجيب ناس” كان وما زال بمثابة “إنجيل” الوطن الذي تتفتح رؤاه وتتجلى في صور تَجِلُّ عن الحصر منذ الستينيات، وحتى اليوم.. بعناية مخرج يكتشف المواهب ويصقلها في هذه الملحمة الرائعة.. مراد منير، الذي أعاد اكتشاف “حنان” في دور رئيسي يستبقيها مستأذنا حتى يمنحها تلك الفرصة للبحث مجددا عن الوطن وناسه في أمثولة التاريخ “إيزيس وأوزوريس” المتجسدة عبر الزمن في قصة “نعيمة” و”حسن المغنواتي”، العاشق المغدور.

على الرغم من نجاح العرض وتلك النشوة العارمة التي اجتاحت روح “حنان”، فإن إحساسا بالرغبة في إنهاء كل شيء والعودة إلى “جليم” والبحر وليالي الشتاء السكندرية ظل قويا وضاغطا.. لا يختفي إلا ليعود، حتى بعد مرور عقود في صحبة الفن.. وانتصارها لخياراتها دون ندم، حتى وإنْ دفعت الثمن باهظا غير مرة.. ستفصح “حنان” عن ذلك صراحة في “آخر أيام المدينة” عام 2016، وكانت العودة المأمولة مشهدا بديعا قرب نهاية الفيلم.

حنان يوسف

شيء من القسوة ربما يوازن هذا الشعور المتأرجح المفعم بالحنين والتردد.. هل قال خيري بشارة ذلك في معرض وصفه لدور “الحدَّادة”، الذي عرضه عليها وهي تنافح عن رفضها بقولها: “لا أجيد التمثيل”، فيرد مبتسما “هذا ما أحتاجه تماما”.. لكن قسوتها في “الطوق والإسورة” كانت مختلفة، إذ عرفت الشخصية منذ زمن حين قرأت قصة يحيى الطاهر عبد الله.. قسوة الحديد الذي يتشكل بالطرق فيُذيب الروح في أتون المشاعر المضطربة.. يد “الحدَّادة” التي ألانت الحديد.. احتفظت بقلب صُلب شكّلته الأحزان فظل عصيا على الفرح.. والرحمة أيضا.

بعد عامين.. في “يوم مر ويوم حلو” تستمر الرحلة مع الحسرة من خلال “سناء” المسكينة المغلوبة على أمرها المطيعة لأمها التي استطال يومها المر ليشمل معظم أيام حياتها.. تبحث عبثا عن “يوم حلو” بتزويج “سناء” بـ”عرابي” الفاشل المتبجِّح المقامر الذي لا يعرف حُرمة للبيت الذي يعيش تحت سقفه، فلا يتورع عن خيانتها مع أختها.. لكن “سناء” تعرفه جيدا منذ البداية، لكنها تتغافل وتخادع نفسها، ليس أملا في شيء.. لكنه موقف أقرب إلى الاستسلام الحذر المترقب لنهاية مفجعة.

وفي استمرار لتجسيد قسوة المعاناة الإنسانية تشارك “حنان” المخرجة أسماء البكري تجربتها الأهم في “شحاذون ونبلاء” في دور فتاة معتلة الصحة تضطرها الظروف للعمل في أحد البيوت السرية.. وتتعرض للاستغلال من المعلمة “أمينة” التي تدير البيت.. لكن الأقدار ترسل لها الشاب الثائر “كردي” الذي يحبها بصدق، محاولا إنقاذها من هذا المستنقع.. لكنه يقف عاجزا أمام مأساة تكتمل فصولها بمقتل إحدى فتيات البيت، مما يعقد الأمر بالكلية.

يتناقض الحب الجارف للفن مع عدم المعرفة به.. لا تكفي الموهبة لإنقاذ تلك العلاقة المضطربة.. في مطلع التسعينيات كان أوان الدراسة الأكاديمية قد فات بالنسبة لها.. تتنازعها مشاعر عدة ويمثُل شبح الابتعاد والانزواء مجددا.. لكن أقدارها المتلطفة توفر لها هذه المرة ما هو أكبر بكثير من الدراسة في معهد الفنون المسرحية.. فرقة الورشة التي أسسها حسن الجريتلي، خريج جامعتي “بريستول” و”السوربون”.. لم تكن معهدا للمسرح فحسب، بل كانت جامعة دولية للمسرح.. في بداية التحاق فنانتنا بالورشة كانت الفرقة تقدم عملا بعنوان “داير.. داير”، شاركت به في مهرجان “أفينيون” بفرنسا ثم المهرجان الدولي للمسرح بزيورخ، قبل أن تمثل الفرقة مصر في مهرجان قرطاج بتونس عام 1991.

العمل بفرقة الورشة يعني دراسة متصلة لكل ما يتعلق بفن المسرح.. مع تدريب مستمر على أيدي متخصصين، بالإضافة إلى ما تقدمه الفرقة من عروض، وما تشارك فيه من فاعليات داخل مصر وخارجها.. هذا العالم الفريد استغرقت فيه “حنان” لعقد ونصف.. في حالة من الاغتناء الفني ملكت عليها نفسها وروحها وأشبعت فيها ذلك التوق المتجدد للاستغراق بالكامل في الحالة الفنية فيما يشبه الانقطاع الصوفي عن العالم الذي كان قد خطا خمس خطوات في ألفيته الجديدة دون أن تنتبه.

في تلك الفترة شاركت في أعمال عديدة بالسينما والدراما لكنها كانت أقل بكثير من قدراتها الفنية التي نمت باطراد في الورشة.. كانت حاضرة بقوة –مع ذلك- في أعمال سينمائية ذات قيمة فنية عالية شاركت في العديد من المهرجانات الدولية، ونالت جوائز نذكر منها “إيثاكي” و”عين شمس” و”حاوي” للمخرج إبراهيم البطوط، و”أوضة الفيران” مع أحمد مجدي مرسي، و”آخر أيام المدينة ” لتامر السعيد.

في رمضان الماضي لفتت “حنان” الأنظار بقوة في دور “أم سكر” في مسلسل “بـ100 وش”، الذي حقق نجاحا هائلا بأداء شديد البساطة لشخصية لا تحمّل الأمور بأكثر مما تحتمل وفق وجهة نظر خاصة ترى في أعمال ابنتها غير المشروعة طوق نجاة وحيد للأسرة، في مجتمع لم يعد يعرف سوى اللهاث وراء المادة .. لكن الإنصاف يقتضي القول أن أداءها الأروع في الدراما التليفزيونية لا يبتعد كثيرا عن دور “أم عاطف” في “ذات”.. دور يحمل كثيرا من الشجن والقلق والشعور الخانق بالعجز.. “أم عاطف” سيدة قبطية فقيرة تساعد في الخدمة.. تدخل بيت “ذات” فترى فيها طيبة تغريها بأن تشتري شريط ترانيم من الكنيسة لتسمعه على جهاز الكاسيت الموجود في المنزل بعد الاستئذان.. في هذا المشهد تعبر “حنان” بعمق عن شعورين مختلفين.. فمن ناحية هي مستمتعة بالاستماع للترانيم، ومن ناحية أخرى تشعر بتحقق وجودها في هذا المكان الذي تعمل فيه.. تشعر أنها مقبولة باحترام.. وليست مرفوضة ولا مدفوعة بالأبواب.. دور آخر مع نفس المخرجة، كاملة أبو زكري، في “سجن النسا”، تكسر فيه ذلك القالب الأبدي عن القوَّادة التي تدفع بابنتيها نحو السقوط دون اكتراث في تمرد مبطن على كل ما أدى بها إلى هذا الدرك السحيق.

الاسم: حنان يوسف.

تاريخ الميلاد: 28 يونيو 1953.

مكان الميلاد: جليم- الإسكندرية.

الدراسة: ليسانس آداب- قسم الفلسفة.

الأعمال: أكثر من 100 عمل متنوع بين المسرح والسينما والتليفزيون والدبلجة.

حنان يوسف وهيثم أحمد زكي

لم تُظهر خفة في الأداء ولا تجملا.. وكأنها تقول إن الخَطْب أفدحُ من أي تجمّل.. بالإضافة إلى دور “مبروكة”، المرأة الكادحة حارسة العقار التي تبيع الخضار على الرصيف في “دوران شبرا” وتحاول إنقاذ ابنتها من الاستمرار في علاقة زوجية فاشلة مع زوج انجرف في طريق منحرف وحرام دون حساب للعواقب.

تقف الفنانة حنان يوسف الآن بيقين فني كامل على حافة السبعين دون حاجة إلى مزيد من التقدير.. فلقد أعطت الفن بقدر ما أخذت منه.. وهي لم تكن منذ البداية طالبة مال أو شهرة، بل راهبة فن أتاحت لها الأقدار أن تنصهر بقوة في ناره، وأن تتمثله صادقا في أنفاسها والتماعة عينيها وملامحها الطيبة التي ما زالت تراوغ الزمن بخفة وجمال، لتكتمل فيها آية الإبداع على نحو يثير الدهشة.

 

ماهر الشيال

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى