“حنين حسام” و”الحق في الخطأ”

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

كتب “جان جاك روسو” في أحد مؤلفاته: “وُلد الناس ليكونوا أحرارًا، لكنهم يرسفون في الأغلال بكل مكان”، فعلّق أبو الاشتراكية الروسية “ألكسندر هيرزن”، بعدها بقرن على عبارة الفيلسوف السويسري: “ولدت الأسماك لتطير، لكنها تسبح سباحة في كل مكان”.

سخرية “هيرزن” السوداوية ربما عبّرت عن واقع عاشه المفكر الروسي أكثر مما دلّت على قناعة فكرية، فالرجل المشار إليه باعتباره مَن مَهّد لتحرير العبيد في روسيا، قال جملته تنفيسًا لا اعتقادًا، حسرة لا إقرارًا بواقع. وما استدعى تعليقه الساخر حادثة لا تزال تداعياتها ممتدة، تخص “الإنفلونسر” الشهيرة الطالبة “حنين حسام” بعدما تسببت فيديوهاتها على إحدى الشبكات الاجتماعية في أزمة عنيفة لها ولأسرتها.

ربما لم تتصور “حنين” يومًا أنّ شبكات اجتماعية خصّتها بشهرة واسعة، وهي لا تزال طالبة بالجامعة، سوف ترتدّ عليها فتتهددها بالفصل من كليتها، وتكون مسوِّغًا لحبسها على ذمة تهم، كالاتجار بالبشر، ودفع الفتيات إلى أعمال منافية لمبادئ وقيم المجتمع استغلالًا لحاجتهن إلى المال.. إلخ، اتهامات تليق بعصابة مخضرمة في العمل الإجرامي، أما الحرز ففيديو دعت فيه “حنين” الفتيات فوق 18 سنة إلى وكالة أسّستها على تطبيق من تطبيقات الدردشة، مشترطة -بحسب بيان النائب العام- أن تكون لدى المشتركات مواهب في تجميل النساء، أو الطبخ، أو العزف، أو الغناء، وإجادة التحاور مع متابعيهن، مقابل ذلك تحصل كل واحدة منهن على مبلغ مالي تتفاوت قيمته.

التطبيقات والارتزاق منها معروف قبل “حنين”، حيث ارتبطت تطبيقات -مثل: “تيك توك” و”ميوزكلي” و”لايكي”- بفئة المراهقين في البداية، ثم ضمّت فئات عمرية أكبر ليرتاد تلك الشبكات حتى مشاهير الفن، بينما المحتوى السائد لا يختلف كثيرًا عما تقدمه “حنين”، والتوضيح ليس تبريرًا، فغرض المقال يتجاوز تقييم ما فعلته الإنفلونسر المعروفة.

بدأ اللغط من مستصغر خبر يقول: فيديو لفتاة على “التيك توك” يُثير استياء رواد التواصل الاجتماعي، لتتسع دائرة الاهتمام بـ”حنين” وفيديوهاتها، ويتدافع مقدمو برامج التوك شو لإدانة الفتاة والتشهير بها!، وتدخل جامعة القاهرة على خط “التريند”، فوفق بيان الجامعة، فقد تلقت شكاوى ضد الطالبة بكلية الآثار بسبب محتوى فيديوهاتها، ليتخذ رئيس الجامعة الدكتور “محمد الخشت” قراره بإحالتها إلى التحقيق، ويتوعدها بالفصل النهائي.

مأساة “حنين” التي تواجه اليوم اتهامًا رسميًّا بالضلوع في الاتجار بالبشر، واتهامًا مجتمعيًّا بتسهيل الدعارة والتحريض على الفسق والفجور؛ تعود إلى أصلٍ طرحه المفكر المغربي “عبدالصمد كباص” في أحد كتبه، من كون الناس بمجتمعاتنا يعتقدون أن مشكلتهم الحقيقية مع الحاكم، فهو في تصوّرهم المصدر الوحيد لاضطهادهم، دون الانتباه إلى كون الاضطهاد الأكبر يُحرضه نظام ثقافي قد استولى على عقولهم، وسيطر على حياتهم، ووظّفهم ضد حرياتهم الخاصة.

استدعاء مؤسسات السلطة لمعاقبة فتاة لم تبلغ بعد سن الرشد، وتوجيه اتهامات متمادية في قسوتها؛ يُدلل على أن المجتمع يشترك مع “حنين” في عدم بلوغه سن الرشد، ومسايرة من هو مثل الدكتور “الخشت” لثقافة يسودها التشنج والهستيريا الأخلاقية يدعونا لأن نستيئس مثل “ألكسندر هيزرن” من بلوغ المجتمع رشده يومًا.

واقعة “حنين” صَنعت -في جانبٍ منها- مفارقةً طرفها الثاني تدلّى من رؤية تنويرية زعمها رئيس جامعة القاهرة في كلمته الشهيرة بمؤتمر الأزهر. فصاحب دعوة تجديد الخطاب الديني غفل عن أن التجديد ليس غايةً في ذاته؛ لأن المستهدَف حياة تتماهى مع روح العصر، وشرطها الذي صاغه أهم فلاسفة التنوير أمثال “جون لوك” و”روسو” و”ستيورات ميل” هو: تقبل طرق متنوعة ومغايرة في التفكير والسلوك دون المصادقة عليها.

هذه الحَرفية في التفكير والممارسة تَمثّلها رئيس أسبق على الدكتور “الخشت” لجامعة القاهرة، فرغم تخصصه البعيد عن مجال الفكر وبُعد الفترة الزمنية التي تولّى فيها رئاسة الجامعة (1999-2004) كان الأستاذ بكلية الزراعة “نجيب هلالي جوهر” أكثر خدمة للتنوير من “الخشت” أستاذ الفلسفة، ومن غير حاجةٍ لعقد مؤتمرات، أو تدبيج وثائق، أو تأسيس مجلس أعلى للتنوير.

في موقف متطابق إلى حدٍّ كبير، يقتضي المقارنة مع واقعة “حنين”، تحرّى الدكتور “جوهر” في فعله، أو بالأحرى “لا فعله”، روح العصر حيال قنبلة ألقتها المغنية “روبي” سنة 2003 على الفضائيات هي “انت عارف ليه”، ثم تبعتها بأخرى أشد فتكًا في 2004 “ليه بيداري كده”، وفاق محتوى “الفيديو كليبين” في جرأتهما كل ما قدمته “حنين”، علاوةً على انتشارهما الواسع بالفضائيات فيما لا يقارن مع فيديوهات “حنين”.

أثار “الكليبان” -خاصة “ليه بيداري كده”- ضجة كبيرة، وكانت “روبي” حينها طالبة بحقوق بني سويف التابعة لجامعة القاهرة. مع ذلك، انصرف رئيس الجامعة عن مجاراة الحشود المطالِبة برأس المغنية، فلم يكلف بالتحقيق معها أو يتوعدها بالفصل، وإن لزم التنويه إلى أن المجتمع وقتها كان أقل تشنجًا وأبعد عن تلك الحالة من الهستيريا الأخلاقية.

كان موقف الدكتور “جوهر” أقرب إلى ما نادى به “فولتير”: كلنا ضعفاء وكلنا ميالون للخطأ، فدعونا نتسامح مع بعضنا بعضًا، نتسامح مع حماقاتنا بشكل متبادل، ذلك هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة، المبدأ الأول لكافة حقوق الإنسان.

التَمَسَ “لا فعل” الرئيس الأسبق لجامعة القاهرة مضمون التنوير، في حين توقف فعل الدكتور “الخشت” عند خطاب التنوير. وبينما تماهى موقف “جوهر” مع أساس المنظومة الأخلاقية الحداثية، في منح كل فرد “حقه في الخطأ”، بتعبير الفيلسوفة “روزا لوكسمبورغ”؛ سها “الخشت” عن كون تجديد الخطاب الديني مجرد وسيلة لغاية هي تمثل المجتمع لروح عصره.

قد يكون من العسير أن يتعاطى الناس مع حديث المفكر المغربي “كباص” عن كون الاضطهاد الأشد ضراوة مصدره نظام ثقافي يستبد بعقولهم، ويوظفهم ضد حرياتهم وحقوقهم، لكن لعل الدكتور “الخشت” ينتبه إلى أن التنوير لن تستجلبه خطبة عصماء، أو وثيقة بليغة، أو مؤتمر حاشد، في الوقت الذي يُحجم فيه عن إعطاء طالبته “حقها في الخطأ” ليجيئها بالذبح.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram