ثقافة وفن

حوار | أمينة أوكادا.. لدى حفيدة طه حسين رأي آخر

بعد عام من توقيع معاهدة 1936 مع بريطانيا، ندبت الحكومة المصرية -ممثلة في وزارة المعارف- طه حسين لتمثيلها في مؤتمر اللجان الوطنية للتعاون الفكري.

كما أوفدته الجامعة المصرية لحضور مؤتمر التعليم العالي، وهي الفعاليات المنعقدة في العاصمة الفرنسية باريس في صيف ذلك العام.

قضى طه حسين ما يقرب من الشهر مترددًا على أروقة تلك المؤتمرات بانتظام كالتزام الطلاب، ما أثار في نفسه، كما يقول، خواطر وعواطف وآمالًا أغرته بإملاء كتابه الذائع “مستقبل الثقافة في مصر“، الذي قرَّر فيه ردًا على دعاوى شاعت وقتئذ بتفوّق العقل الأوروبي والعرق الأبيض، أنَّ مستقبل الثقافة في مصر رهنٌ بماضيها القومي من جهة، وغير منفكٍ عن محيطه المتوسطيّ من جهة أخرى. أي أنه أقرب إلى ثقافة أوروبا منه إلى ثقافة الشرق الأقصى.

وتسائل طه حسين قائلًا: “أيهما أيسر على العقل المصري، أن يفهم الرجل الصيني أو الياباني، أو أن يفهم الرجل الفرنسي أو الإنجليزي؟”.

اقرأ أيضًا: ألبير كامو: لماذا علينا أن نحب عبثية الحياة؟

بعد مضي نحو 90 عامًا على المسألة التي طرحها طه حسين، نجد إجابة أخرى على لسان حفيدته أمينة مؤنس طه حسين، أو أمينة أوكادا، والتي هي أيضًا حفيدة أمير الشعراء أحمد شوقي من جهة الأم.

المفارقة أن أمينة وجدت شغفها في الشرق الأقصى، جغرافيًا وثقافيًا، فارتحلت إليه، وتعلمت لغته وتاريخه وحضارته، ونشرت حوالي ستة كتبٍ حول الشرق الأقصى وحضارته. وفي مفارقة ثانية، تزوجت أمينة من ياباني، وقررت حمل لقبه: أوكادا.

تعيش أمينة في باريس، حيث تعمل بالمتحف الوطني للفن الآسيوي. ومن هناك أجريت معها مقابلة تحدثت فيها عن مولدها بالقاهرة، وشغفها بالشرق الأوسط، وعن جدها طه حسين وزوجته سوزان. ننقل لكم هذه المقابلة مترجمة عن “ديلي موشن“، في ما يلي:


كيف كانت نشأتك لعائلة مصرية في القاهرة، ولما كان ارتحالك إلى فرنسا؟

كنتُ محظوظة لأنني ولدت لعائلة كوسموبوليتية تمامًا في مصر عندما كانت وقتها دولة رفيعة الثقافة للغاية، ومنفتحة كثيرًا على الآخر، على الرغم من أن الأمر سيتغير لاحقًا، وكنت دائمًا غارقة، إذا جاز التعبير، في بوتقة تنصهر فيها مختلف الثقافات واللغات والديانات التي تتعايش في تناغم رائع.

عشتُ في القاهرة في تلك الأيام، وكانت ما بين أواخر الخمسينيات وأوائل السيتينيات، في عالم تجاورت فيه الثقافات بلا أية مشاكل.

وعندما تركتُ القاهرة متجهةً إلى فرنسا بغرض الالتحاق بالدراسة الجامعية، خطر ببالي أن العالم العربي ومصر، وكل ما هو مألوف بالنسبة لي، هو جزء مني وسيظل معي دائمًا وبشكل أساسي، ولست بحاجة إلى السير على خطى أسرتي، فلماذا إذًا لا أتطلع لفهم واكتشاف أشياء جديدة في أماكن أخرى؟.

كيف انصرف اهتمامك إلى الشرق الأقصى وحضارته؟

ذلك لأنني كنت مهتمة كثيرًا بقارة آسيا، فبدأتُ في دراسة تاريخ الصين. كان الأمر جذابًا بالنسبة لي في البداية، ثم تعزز هذا الاهتمام بقراءة رواية “الشرط الإنساني” لأندريه مارلو، التي أثرت فيّ كثيرًا في هذا الوقت بسبب حديثها عن الصين الثورية، التي أجاد المؤلف تصويرها بشدة.

أمينة أوكادا
أمينة أوكادا

ومن الصين، انتقلت إلى اليابان، ودرست اللغة اليابانية. ومن اليابان، تحوّل تركيزي نحو الهند، لأن الهند بشكل جوهري هي رحم حضارات آسيا.

تلعب الهند في تاريخ آسيا، الدور الذي لعبته اليونان في التاريخ الأوروبي. فهي الرحم الحقيقي للحضارات فيما يتعلق بالثقافة، والبنية الجمالية والفنية، والدين بالطبع.

ومن الصين إلى الهند، غزوتُ آسيا. ولأنني بالأساس مهتمة بالفنون، فقد كان من الطبيعي أن ينتهي بي المطاف في المتحف الوطني للفن الآسيوي بباريس، حيث تلتقي كل هذه الحضارات.

كان جدك داعية للحوار بين جانبي المتوسط، فما هي جهوده في هذا الصدد؟

كان طه حسين، جدي لأبي، كاتبًا ومفكرًا وكاتب مقالات، وروائيًا معروفًا، فرضت مكانته الأدبية والفكرية الكبيرة نفسها على الفنون العربية. وقد لقّب بعميد الأدب العربي.

ترك طه حسين بصمة على عصره، وبطريقة أو بأخرى، تواصل أعماله التأثير على عصرنا اليوم.

كان جدي من بين أولئك المؤيدين لإجراء حوار حقيقي مع الغرب. وكمؤيد يُحتذى به لهذا الحوار، فقد بذل جهده ليتعلم الفرنسية والإنجليزية، بالإضافة إلى اليونانية واللاتينية. ثم سعى إلى ترجمة العديد من الأعمال، لأنه اعتقد بصدق أن السبيل الأفضل للوصول إلى الغرب وآدابه وكنوزه الفكرية، يمر عبر الترجمات.

ولذلك ترجم العديد من الأعمال الأدبية الفرنسية بنفسه، ليتيح الفرصة لقراء العربية للاطلاع عليها. وعندما كان وزيرًا للمعارف، شجّع على ترجمة عدد من الأعمال بواسطة مترجمين آخرين ممن واصلوا جهوده.

أراد طه حسين بإخلاص أن يستفيد العالم العربي الذي كان يشهد نوعًا من التجدد الأدبي يُعرف بـ”النهضة”، من المساهمات التي يمكن أن يضيفها الغرب للمنطقة العربية.

“على الرغم من كونه أعمى، إلا أن طه حسين كان لديه بعد نظر أكثر من الآخرين جميعًا” – جان كوكتو

وفي بعض الأحيان تعرض للانتقاد، إذ اعتقد البعض أنه ذهب بعيدًا وأدار ظهره لتراثه العربي الإسلامي، وهي وجهة نظر قاصرة بوضوح، لم يكن ليتمسك بها.

لقد كان صاحب بصيرة، واعتقد أنه كلما تعمّق المرء في ثقافته التي ينتمي إليها، وتراثه اللغوي والأدبي، زاد تطلعه لاستيعاب تراث الثقافات والحضارات الأخرى بخلاف جذوره وحدوده.

مع ذلك، نَقِمَ البعض في مصر آنذاك بسبب حبه الشديد لفرنسا. لقد عشق فرنسا بأكثر من معنى، فعلى الرغم من زواجه بامرأة فرنسية لعبت دورًا مهمًا معه طوال حياته في مشواره المميز، إلا أن حبه لفرنسا كان أكبر من ذلك، وقد كتب صفحات باهرة عن باريس (أثناء الاحتلال الألماني لها*)، وعن الولاء الذي ينبغي أن نشعر به نحو كفاح فرنسا لنيل الحرية (من النازية*)، ونحو دول البحر المتوسط جميعًا، ونحو الحرية ليس من أجل فرنسا فقط، ولكن من أجل الحرية بمعناها الأعمّ.

لقد كان شخصًا صاحب رؤية، حارب بشجاعة دفاعًا عمّا يعتقده.

على ذكر جدتك الفرنسية، لطالما هيأت الأجواء المناسبة لزوجها، وقد ساهمت في تأسيس صالون طه حسين في القاهرة، فمن كان يحضر إلى هذا الصالون؟

كانت جدتي، سوزان طه حسين، مقربة جدًا من زوجها. كانت الضوء الذي ينير له الطريق، وواصلت دعمها المستمر له في جميع نضالاته، بما في ذلك معاركه بين الحين والآخر.

لقد كانا زوجان قريبان من بعضهما بقوة. وقد نجحت في جعل منزلهما (أو منازلهما، لأنهما تنقلا مرات عديدة، ولهما عدة منازل في مصر) صالونًا أدبيًا بحق على غرار صالونات القرن الـ18، حيث يجتمع فيه كبار الفنانين والموسيقيين، والقادة، والمثقفين، والمفكرين، والكتاب، والشعراء، الذين يعيشون في مصر أو يأتون لزيارتها، أو القادمين من لبنان أو دول حوض المتوسط، خاصة في يوم الأحد، للحديث مع طه حسين وزوجته.

طه حسين وزوجته
طه حسين وزوجته سوزان

وعادة ما كان يجتمع 10 أو 20 شخصية بارزة ومعروفة، وربما كان أندريه جيد أحد أبرز هؤلاء الأشخاص، حيث نشأت صداقة خالصة على المستويين الفكري والإنساني بينه وبين طه حسين.

وتردد جيد على صالون سوزان وطه حسين، وكان منبهرًا للغاية بالهالة الساطعة من وراء النظارة السوداء التي يضعها جدي، الذي تفوّق صوته الدافئ على تلك العدسات السوداء، والتي بدت لأندريه جيد معبرةً عن حضور قويّ  أكثر من كونها معبرة عن نظرة ساهمة.

وعندما اقتُرِح على دار نشر “جاليمار” أن تُصدر طبعة فرنسية من كتاب “الأيام” لطه حسين، أصرّ أندريه جيد على الإشراف بنفسه على الترجمة من العربية إلى الفرنسية. وقد عمل على الترجمة مترجمون ماهرون للغاية. ثم كتب جيد مقدمة رائعة للكتاب وضّح فيها ما الذي يعنيه هذه اللقاء مع طه حسين بالنسبة إليه.

في ظل الأوضاع المعقدة وسط عالم مفعم بالتوترات، خاصة في إقليم الشرق الأوسط، ما الذي تبقى اليوم من إرث طه حسين؟

أعتقد أكثر من أي وقت مضى أننا بحاجة إلى إعادة قراءة ما أدركه وشخّصه طه حسين قبل أي أحد آخر، ببصيرة المكفوفين.

“إنّه يرى”، هكذا قال مفكرون فرنسيون زاروا مصر مثل جان كوكتو وأندريه جيد، ممن اعتادوا زيارة منزل العائلة والتردد على الصالون الذي أقامته جدتي في ذلك الوقت بالقاهرة.

اقرأ أيضًا: عندما تجرأ الشاب طه حسين على ابن خلدون

وكثيرًا ما قال جان كوكتو: “على الرغم من كونه أعمى، إلا أن طه حسين كان لديه بعد نظر أكثر من الآخرين جميعًا. في الواقع، لقد رأى أبعد مما هو مسموح له، ما وضعه في بعض المواقف الصعبة مع السلطات القائمة”.

اليوم، نحن بحاجة إلى قراءة  أعماله التي دافع فيها عن هذا الحوار بين الثقافات، وهو ما يتناغم تمامًا مع الثقافة أو الهويات الوطنية، ويشكّل مشتركًا إنسانيًا خصبًا ساعد على بدئه من خلال المعارك الصعبة للغاية التي خاضها طوال حياته.

لقد اضطر طه حسين إلى خوض هذه المعارك بمفرده، لكنه لم يتردد أبدًا. واليوم، يؤكد العديد من المثقفين العرب ذلك الأمر، اليوم أكثر من أي وقت مضى: نحن بحاجة إلى العودة إلى ما قاله وما سطّره للمساهمة في إرساء بعض السلام ولتهدئة الخصومات والتوترات التي تتفاقم حاليًا على جانبي المتوسط.

____

* إضافات من المترجم

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى