ثقافة وفن

حوار| الروائي علاء خالد: المثقفون يهتمون بالسياسة وليس المجتمع

هو واحد من أبرز شعراء قصيدة النثر في مصر.. صدر ديوانه الأول “الجسد عالق بمشيئة حبر” عام 1990، وصدرت له 6 دواوين شعرية ومجموعة من الكتب النثرية وكِتاب مقالات وأدب رحلات و3 روايات: “ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر” 2009، “أشباح بيت هاينريش بُل” 2017، “بيت الحرير” 2019، بالإضافة للعديد من المقالات المتنوعة في عدد من الصحف.. إنه الروائي والشاعر علاء خالد.

و”علاء خالد” هو مؤسس مجلة “أمكنة” مع الفنانة سلوى رشاد والشاعر مهاب نصر، 1999، بالمجهودات الذاتية والتشاركية، وهي من أهم المجلات الثقافية المستقلة في مصر والعالم العربي، وتُعنى بثقافة المكان والتوثيق والتصوير الفوتوغرافي والسفر، واستمرت في تحليل المجتمع ورصد تحولاته المتعددة على مدار عقدين من الزمان تخللها لحظات من التوقف عن الإصدار ثم العودة مرة أخرى.

صدر 12 عددا من المجلة التي تتناول ثيمات متعددة يجمعها ثقافة المكان منها: الصحراء، المدينة، الفلاح، نهر النيل، الجامعة، النوبة، مسارات الثورة، وكان آخرها “حيوات بديلة” في ديسمبر 2019 الماضي.

العدد الأخير من “أمكنة” تناول 3 ملفات: “الحياة هي في مكان آخر”، “ارتحالات”، “يوتوبيات قديمة”، ترصد تجارب الحيوات البديلة على مستوى الأفراد والجماعات والتقاطع بينهما من خلال تناول موضوعات عدة بعدسة تحليلية نقدية وحس أنثروبولوجي، مستخدمة أشكالا مختلفة وتجريبية في الكتابة.

لم تمض شهور على إصدار عدد “حيوات بديلة” حتى اجتاح فيروس كورونا العالم، في تلك الفترة، ظهرت أشكال ومحاولات بديلة لمقاومة العزلة التي حاصرت البشرية في محاولة للتشبث بسبل الحياة، والتكيف مع ضغوطات الوضع الراهن وحالة اللا يقين والشلل والتًرنح، التي أصابت المجتمع بجميع مؤسساته في مصر والعالم، في زمن الجائحة، تصاعدت أسئلة، عن كفاءة بنية المنظومات الصحية، وكل أشكال التطور والحداثة، التي تباهى بها الإنسان، في تطويعه للطبيعة، لخدمة بقائه وتَسيد جنسه على الأرض، تلك العلاقة، وكل ما أنتجه الإنسان، من أنظمة ورأس مال ومؤسسات، صارت محل تساؤل وتشكك.

مراسلة ذات مصر مع علاء خالد
مراسلة ذات مصر مع علاء خالد

لنتعرف أكثر على تجربة مجلة “أمكنة”  كان لنا مع الشاعر علاء خالد هذا الحوار:

مضى على مجلة أمكنة 21 عاما، في العقد الثاني حدث انقطاع، ثم كانت العودة بعدد “حيوات بديلة”.. كيف يصف علاء خالد العودة؟

عادت المجلة بعدد “حيوات بديلة”، بعد التوقف المؤقت، لوجود روح وطاقة واحتياج للكتابة عن التغييرات الحاصلة في المجتمع بعد سنوات إحباط الثورة، وسؤال أجيال الثورة عن المجلة لمراجعة ما حدث، وهو ما لمسته زوجتي سلوى رشاد، ودفعتني بالحماس للانطلاق بفكرة “حيوات بديلة”.

وعندما ذهبنا في رحلة إلى “القصير” بمحافظة البحر الأحمر، كنا كأننا قد دخلنا في روح العدد بمزاجية تجميع المقالات والأفكار، فقد كان هناك تَعدد في دفعة العدد، هذا التعدد، ذكرني بفكرة “حنة آرنت” عن الثورة الأمريكية.

فـ”حنة آرنت” تعتبر الثورة الأمريكية الثورة النموذجية التي لا شبيه لها، ثورة أحدثت تحوّلاً في هذه الدولة المُقسمة، والتي غدت أهم دولة في العالم: فقد تخلى كل فرد من أطرافها عن شيء ما حتى يحدث اتفاق، ولم يجتمعوا إلا عن طريق قبول التعدد.

فمُعادلة السلطة أصبحت نسبية جدا وتغيرت لكل فرد، فهناك فكرة أكبر كانت تؤثر على فكرة السلطة، لذا أشعر أنه كلما وضعت نفسك في فكرة أكبر من سلطتك الذاتية، ستقل “أَنَانيتك”، فالتَعدد يأتي من روح معينة، وأنا هنا لا أشبه تعددية الثورة الأمريكية بتعددية عدد “حيوات بديلة”، ولكنني أشعر أن قوة الدفع الحاصلة، أقصد قوة التعدد، تصبغ هذا العدد.

كيف أثر التوقف الإجباري لظرف جائحة الكورونا على مجلة أمكنة؟

وددت العمل على العدد الثاني مباشرة بعد “حيوات بديلة”، ولكن ما الذي يمكن إنتاجه في وسط حالة الخوف والتوجس المتزامنة مع الجائحة؟

جميعنا مبعثرون، وهناك احتياج لقراءة اللحظة، ولكنه مرتبط باسْتيعابك للأزمة وتخَطيك لها، وفي نفس الوقت ظهور أشكال مختلفة للتعبير عنها ووجود جدل مجتمعي، وهذا الجدل لم يحدث بعد، فالمجتمع في حالة incubation مغلقة.

المرحلة الحالية تحتاج إلى النقاش، فأقمت ورشة عن أيام العزلة، لذا فإنني لا أعتبر المجلة متوقفة بقدر ما كان الأمر استيعابا للمرحلة.

مجلة أمكنة
مجلة أمكنة للشاعر علاء خالد

اقرأ أيضًا: “دفتر مصروفات عائلة عبده”.. يوميات أسرة قاهرية منذ 61 سنة

ما العوامل التي تؤدي إلى توقف الكثير من الإصدارات الثقافية بشكل عام؟

لشرح أهمية وتوقيت توقف الإصدارات الثقافية، سأحكي عن مجلة “الكتابة الأخرى” للصديق هشام قشطة، وهي مجلة راديكالية مرتبطة بالشعر، نصوصها تحررية، صدرت سنة 1990- 2000.

كانت الفترة منذ 1990 تحتاج إلى من يهزها، فظهرت مجلة “الكتابة الأخرى”، إلى جانب كتابات ضد “الحزب الهاشمي” لسيد القمني وأخرى تنقد الدين، كأنها تكمل في هذه الفكرة الجذرية التي تمنح المجتمع سبيله للتحرر من التابُوهَات الثلاثة: “الدين-الجنس-السياسة”.

فمَجلة “الكتابة الأخرى” كانت تصدر بشكل منتظم واستطاعت ملء فراغ المشهد الثقافي، عدا بعض المجلات الحكومية ضعيفة المستوى، ثم توقفت المجلة عام 1999، لأن منهجها لم يعد قادرا على قراءة الواقع، وأصبح المجتمع أكثر تعقيدا ولم يعد يمتلك طاقة لهذه المواضيع، ثم تسلمت مجلة “أمكنة” المشهد الثقافي سنة 1999 باستخدام المنهج التحليلي للمجتمع.

حين جاءت ثورة 2011، شعر صاحب “الكتابة الأخرى” بأهمية المجلة فعادت في أثناء الأشهر الثلاثة الأولى للثورة، حيث الآمال، والاتجاه المتعصب غير التحليلي، كانت فترة كل الناس بها مُنمّطون، ولم يستطع أحد تفهّم عمق اختلاف الأشخاص، ولحظة التحول العنيفة، توقفت هذه المجلة وكل المجلات التي ظهرت في لحظات الثورة الأولى، لأن المرحلة نفسها تحتاج إلى عمل الصحافة وليس مجلة مهمتها التحليل.

ويمكن القول إن لحظة كورونا الحالية شبيهة بالفترة الأولى للثورة، فهي لحظة مركبة جدا وتحتاج إلى تأمل، لذا لا يمنع اللجوء إلى أشكال بحثية، حتى لو تأجل إصدار “أمكنة” قليلا، وأنا أشعر أنّ حلقة “أمكنة” عن أيام العزلة تعتبر نموذجا مُصغرا، ربما غير ممثل للمرحلة، لكن به حيوية جلية.

قدم عدد “أمكنة” عن الجامعة تحليلا واسعا للتعليم في مصر منذ الأربعينيات حتى الألفية، وتطرق إلى الحركة الطلابية في السبعينيات المتأثرة بالحركة الطلابية المنفجرة من جامعة نانتير في باريس.. تحت أي إطار تهتم المجلة بالجامعة؟

عدد الجامعة عدد تنبؤي بالثورة، بمعنى أنه لمس فراغا في المجتمع الذي أنتج أشكالا لتمَرده غير كافية، فالحَركات البديلة للتغيير مثل حركة “كِفاية” ومؤسسات المجتمع المَدَني -رغم أصالة فكرتها وأهميتها- نخبوية، فَجاء تأثيرها ضعيفا، وبالتالي كانت “أمكنة” بطَابعها التحليلي تبحث عن متن وليس هامش، متن أساسي به خصوصية ثقافية مثل متن الجامعة، وهو مكان التمثيل والتغيير الحقيقي في المجتمع.

وبما أن المجلة ثقافية فكان التفكير في عدد الجامعة لأهمية تاريخه الثقافي، خصوصا بعد فترة مبارك وإحساس الموت المصاحب لتلك المرحلة.

الحركة الطلابية سنة 1972 من أكثر ما تَأثرتُ به في حياتي، فهي فترة مُنتجة لأشكال من الخيال والأيقونات، وأي مجتمع يمتلك هذه الرموز هو مجتمع غني ومؤثر، وتحليله هو تحليل اللا وعي الجمعي الذي ينتج تجارب ثبتت لها قوة تمثيل كبيرة داخله.

وماذا عن حلقة “أمكنة” التي تناولت سيرة سنوات الجامعة؟

فكرت في حلقة “أمكنة” عن سيرة سنوات الجامعة سنة 2018، بعد إحساس الإحباط المجتمعي، وكانت رغبة مني في إعادة قراءة اللحظة من خلال المحصلة الثقافية في الوعي، حتى بعد مرور 2011، خصوصا أن الحلقة أتت بعد مخزون مهم منذ ظهور عدد الجامعة سنة 2010، الحلقة كانت قراءة نقدية للشخصية الثورية المهزومة، والتعامل مع هذه الفكرة على أرضية جديدة للتحول والنمذجة بشكل نقاشي واسع.

عدد "حيوات بديلة" من مجلة أمكنة
عدد “حيوات بديلة” من مجلة أمكنة

في عدد “حيوات بديلة” رصد العديد من المثقفين تجارب عن التعلم البديل والحالة الثقافية، ثم جاءت جائحة كورونا وأصبح هناك حاجة إلى المعرفة والتعلم الافتراضي كبديل لظروف المرحلة.. كيف تصف هذا البديل الافتراضي؟

فكرة الجامعة مرتبطة بالاحتكاك والتعامل مع الآخر، أما التعليم الافتراضي فهو مؤثر داخل نطاقه، لذا صار لدينا عالمان، عالم أصلي وآخر افتراضي، ودائما سيحدث ترحيل زمني حتى ينضج هذا التعليم الافتراضي ويصبح مادة عمل فَاعلة.

يمكننا رصد ظهور العالم الافتراضي بالعودة إلى بداية سنوات الثورة 2011، الذي وضعنا جميعا في مكان قطبي/حاد في التأثير، فالخطاب دائما ما يكون ضاغطا لضرورة اتخاذ قرار/انحياز، ومع “ميديا” لا يتضح فيها كل أشكال الجدل والتنوع، تسود آراء ُتسهل صُنع ترِند/غالبية، بينما في الشارع كانت توجد جموع أخرى.

وهذا لا يعني صحة أي منهما، أقصد الكثافة غير المرئية و المرئية، الكثافة غير المرئية تُكوِّن انحيازا حدسيا وليس انحيازا للفكرة، بينما الكثافة المرئية في الشارع ربما تكون أقوى، فالانتماء الجسدي للآخرين انتماء به اطمئنان وقدرة أكبر على التغيير.

هل تعتبر الحيوات البديلة محاولات هروب من ضغوط التغيرات السياسية في العالم في ظل النظام النيو ليبرالي خصوصا مع ظهور وباء عالمي؟ 

الحياة البديلة هي رد فعل لنَوع النمط الاستهلاكي لفترة الستينيات وما بعد الحرب العالمية الثانية والثورة الصناعية، وثورة المعلومات، والقوى الخفية غير المباشرة المتحكمة في السوق، والنظام النيو ليبرالي.

فكرة الانفصال عن السياق الأساسي كبديل موجودة، كما في الاتجاهات الأناركية، وغيرها في الدول الأوروبية وأمريكا، فالانْفِصال له علاقة بالفكرة الشخصية وبه هروب واختيار ولا أريد التفريق بينهما.

الاختيارات بها نوع من الهروب واليوتوبيا، كأنها إعادة تكوين فكرة أخلاقية داخل مجتمع صراعه غير أخلاقي -هذا لا يعني أن جميع المجتمعات ليست أخلاقية- داخل هذا النوع من الأفكار دائما ما تتولد إما مجتمعات أو “هروبات” صغيرة، طالما توجد قدرة وإرادة، ومن عمق هذه التجارب تحدث تحولات استثنائية.

الأنظمة الآن في لحظة ترنح، وهذه المجتمعات البديلة، ستستوعب التغييرات القادمة، فهناك أشكال جُزئية من حَيَوات وتَعاونِيات، داخل المدينة بها حياة بديلة، تأخذ تَوجُها اقتصاديا معينا، كالزِراعة في البيوت مثلا وغيرها، توجد الآن طاقة محفزة ووسائل اتصال -لم يكن الوضع الطبقي يسمح به سابقا- منحت الفرد القدرة على خلق سياق جديد للحياة في العالم.

لاحظت في ملف “اليوتوبيات القديمة” بالمجلة أن معظم كتاب المقالات نوبيون.. كما أن هناك حضورا قويا للنوبة بالعدد الثالث من “أمكنة”، وكذلك في مسارات الثورة.. هل كان ذلك مقصودا؟

لم يكن مقصودا، وإنما صادف عند ترتيب المقالات الملف وجود أربعة كتاب معظمهم ذوو أصول نوبية: “ياسر عبد اللطيف، هند بكر، هيثم الشاطر، مريم ياسين دهب”.. وهي صدفة تبدو كأنها مقصودة، ربما يكون الكتاب حاملين لمشهد ثقافي مختلف، كل فرد منهم يطبقه بشكل مختلف، فمنهم من يقرأ به المكان ونشأة العائلة ومنهم من يستخدم ثقافته كنظرة ناقدة للحياة، -باختلاف كتابة ياسر عبداللطيف النقدية للمجتمع الثقافي في مصر- فالمُجتمعات النوبية والسودانية مجتمعات مترابطة وأفرادها مرتبطون بها، الجيل الجديد ربما يكون ناقِما بعض الشيء.

زرت النوبة 1996 وكانت من أكثر الأماكن التي هزتني إنسانيا، عدت من الرحلة مسحورا بالعمارة، وسهولة خروج النوبيين من بيوتهم واستقبالهم الغرباء، جمال النساء المتعدد من أصول إثيوبية وسودانية، قوة وضع المرأة وقدرتها على الرقص في المساحات العامة، النظافة عموما ونظافة أماكن التهجير مثل كوم أمبو، إيقاع الحياة، الخصوصية الثقافية.

لا أنظر إلى النوبة كمكان فلكلوري غريب، فأنا لست متورطا ومُتداخلا في المجتمع النوبي بقوة، لكن يمكنني القول إنني ترددت على المكان كثيرا، ولم تتغير فكرتي ولا شغفي بها، فالمجتمعات النوبية أعتبرها مجتمعات بديلة، بها تشاركية، “قريبة” متناثرة داخل المدينة، و”بعيدة”، بمعنى أن لها نظاما لحياتها، لأن ثقافتها مختلفة لها خصوصيتها وإيقاعها.

تهتم المجلة بقضية البيئية وبالزراعة المائية ومكافحة التلوث البيئي.. أين موقع هذه القضية في المجتمع الثقافي المصري؟

المجتمع الثقافي في مصر هَامشه السياسة، السلطة، الدولة، ولم يُكوّن هامشا آخر.. وربما في الفترات الأخيرة أصبحت الفكرة المسيطرة تتعلق بالرحلة والانفتاح، ولكنها ليست مركزا داخل الكتابات، يمكن أن ننظر إلى تاريخ الكتابة في مصر، والذي لم يكن قائما على هذه الفكرة.

لدينا القليل من الكتابات التي تناولت البيئة: مثل رواية صبري موسى “فساد الأمكنة”، فهو لا يمجد فقط “فكرة الرحلة”، وإنما يرى المجتمع بعين غير استشراقية وحقيقية، وفكرة البيئة حية جدا لديه، وفي حالة جدل مع أكثر من علاقة، فهي عن مُستكشف روسي يذهب إلى صحراء “عيذاب” لاستكشاف الجبال ويصف العلاقات مع السكان الأصليين.

يمكن القول إن هناك بعض الكتابات في ثقافتنا التي تتحدث عن مجتمع العرب، مثل كتابات ميرال الطحاوي والكتابات عن البدو، لكنها في سياق منحصر بالثقافة، وهذا بدأ في التسعينيات أو الألفيات.

لذا أعتقد أن المجتمع الثقافي في مصر لم يتناول موضوع البيئة، فالهَامش الثقافي لدينا دائما ما يرتبط بالمكان الاجتماعي والصراع المَديني، ثم مؤخرا صراع العشوائيات، وهو صراع مُسَيّس نوعا ما.

رسول حمزاتوف
رسول حمزاتوف

بينما الدراسات والثقافة الأوروبية قائمة على المجتمع بشكل غير مباشر، وبها وصف للمكان، فالهَامش الأوروبي ليس أناركيا مسيسا فقط، بل بداخله تعدد كبير جدا، به هامش الارتباط بالبيئة مثل فن الأرض، وبالمثل الكتابة الأوروبية، بها قراءة للأماكن بشكل أسطوري: مثل رسول حمزاتوف وروايته “داغستان بلدي“، والرُوس وكتابتهم عن الطبيعة، هناك شيء ما باختلاف الحكم الموجود، وهناك أيضا إدراك للمكان المختلف.

أرى أهمية فكرة البيئة لأن داخلها مجتمعا مختلفا ولم يوثق لها بعد، وقد كنتُ أستمتع بأدب الرحلات والصحراء عندما بدأت الكتابة، مثل رحلات أحمد حسنين باشا في الأربعينيات، هذه الكتابات نادرة في الثقافة المصرية وكلها مرتبطة بالمكان الآخر وفيه نقل دقيق وحساس للبيئة تستطيع أن ترى منه جغرافيا أخرى لحياتك.

تهتم “أمكنة” بما يسمى بحراك الجنوب العالمي، وبالتجارب الحياتية البديلة في الجنوب مثل المدرسة المستقلة ذاتيا في الهند.. أيْن تقع مصر من هذا الحراك كبديل للمشهد ما بعد الاستعماري؟

أصبحنا جميعا في مساحة قريبة جدا وفي لحظة تشابك مع العالم، مع سهولة الاطلاع على تجارب قوية -ربما تكون عابرة- في مصر والعالم، عبر المِيديا، وهو ما كان محدود التأثير سابقا.

هذه التجارب أصبحت مدعومة بالتمويل من المجتمع المدني، في مصر والعالم، واتجه رأس المال إلى دعم الأنشطة والسفر إلى أماكن مختلفة عن أوروبا وأمريكا اللتين كانتا وجهتا السفر للحصول على دراسة أكاديمية سابقا، وهذه نقطة تغيير جديدة.

جاياتري سبيفاك
جاياتري سبيفاك

ظهرت في هذه الأماكن مراكز تفكير ما بعد فترة الاستعمار أنتجت تنظيرا جديدا للحياة يختلف عن التنظير الاستعماري وما بعد الاستعماري، فقوة المكان الآخر أنه يعيد الفكرة الاستعمارية، أذكر مثلا المنظرة الهندية “جاياتري سبيفاك” ودورها النقدي المهم.

هذا الفكر جعل رأس المال يتجه إلى تنشيط منظمات المجتمع المدني ودعم هذه التجارب، لأن رأس المال الاستعماري “مَأزُوم” وهو بدعمه في النهاية لهذه التجارب يخدم الفكرة الاستعمارية أمام مأزق الأفكار الجديدة المُنتجة ضده، فَالدَعم بغرض إصلاح الأفكار الجديدة، أو إغناء الأماكن الجنوبية المختلفة المُستعمَرة سابقا.

مع ظهور جيل جديد لديه تصور آخر يختلف عن الحياة في أوروبا، بالسفر والتشابك مع آخرين يشبهونه في التجربة، والتخلي عن النظريات القديمة الدُونية العنصرية العنيفة التي تضعه في حالة دفاع عن نفسه أمام المُستعِمر أو التعامل معه بنظرة استعلاء -بعض هذه النظريات لها أفكار عظيمة مثل إدوارد سعيد- إلا أن تَجاوز مثل هذه النظريات يحتاج إلى نضج كبير قد يصعب الوصول إليه.

ظهور مراكز الأبحاث والتحليل والنقد وتجارب في بلاد من العالم غير أوروبا وأمريكا، بالإضافة إلى التجارب الجديدة -مثل رحلة هدير ماهر من مصر “وهي غير مُسيسة”، وإقامتها – في مدرسة مجتمعية مستقلة ذاتيا- في قرية “كوتشيلا” في ولاية غرب البنغال في الهند، يمنح خبرة إنسانية وأنثروبولوجيا عادلة، “أنثروبولوجيا شبيهة”، في مجتمع شبيه.

يتجه المصريون إلى هذه الفكرة وإلى التجارب المختلفة لتحسين الحياة اليومية وظروف البيئة، سواء استمرت أو لم تستمر مثل “دار جان” في نويبع ونموذج “سيكم” وغيرها، تغيير نوع التجربة وعدم تعقيدها ولكن جَذْرِيتها في اختيار أشكال جديدة من الحياة جعل مصر مرتبطة جدا بشبكة من العلاقات بمدن لديها مشاكل شبيهة.

كيف استقبلت النخبة والقارئ العدد الجديد، وكيف يمكن وصف النخبة والوسط الثقافي الآن في ظل وجود وسائط متعددة وأشكال هجينة من التعبير؟

يوجد الآن أكثر من نخبة، وبالتالي استقبال العدد يختلف باختلاف الأجيال، بالإضافة أن العدد به مفاجأة وتحول عن الشكل المتعارف عليه سابقا، وتجارب الكتابة بها ارتجال وحرية، فَالاستقبال سيختلف عن القاعدة الأدبية المتعارف عليها.

الجيل الجديد مندمج نوعا ما مع العدد، ربما لأنه لا يملك مرجعا يقيس عليه، بينما تختلف الأجيال الأكبر في قراءتها، فمنها من يمتلك وعيا بأهمية التحول في العدد، والبعض الآخر أكثر تحفظا ورفضا للشكل الجديد للمجلة.

في التسعينيات و الألفينات كانت الصحافة والأدب فقط هما المرجعية الثقافية، وفي تلك الفترة كنت أراسل المثقفين بخصوص المجلة، منهم جمال الغيطاني الذي يكتب مقالاً عن “أمكنة” فيُمهد لاستقبال العدد، وبالتالي الإقبال عليه، أما الآن توجد قلة من المؤثرين بآرائهم، وأصبح القارئ داخل الجماعات هو المؤثر الحقيقي والمحرك لها.

المجلة في اللحظة الحالية لم تصل إلى كل المجموعات لضيق الوقت، حيث صدر عدد “حيوات بديلة” ديسمبر 2019 وتم توزيع نحو 500 نسخة ولم تصلني كل المراجعات من القراء، ثم ظهرت جائحة الكورونا، فتوقف الجدل، والجدل لا يحسم إلا بجدل آخر، فالفكرة لا تزال معلقة، وهذا لا يعني نسيان العدد، ولو أصدرنا عددا آخر فَالتراكم الجديد سيحيي القديم، فكل عدد من أعداد المجلة يصنع جسده، ما يعني أن المجلة تتكون حول محور وتصنع جسدها وستكون حاضرة ولها مكانها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى