سياسة

حوار |رئيس “هيئة مناهضة التهويد”: الاحتلال يخلق ثغرة لنموذج استيطاني جديد في “الشيخ جراح”

في يوم وليلة تبدلت الأحوال ليس فقط في مدينة القدس، بل في كل أنحاء فلسطين المحتلة، وذلك بعدما حاول المستوطنون الإسرائيليون في مدينة القدس تنفيذ سياسات إسرائيلية استيطانية بالاعتداء على المقدسيين من سكان حيّ الشيخ جراح، تمهيدًا لتهجيرهم من أراضيهم، ليقف بعدها الصف الفلسطيني موحدًا بأطرافه المختلفة في القدس وخارجها في الضفة وغزة، وأيضًا في داخل الأراضي المحتلة؛ وذلك في رسالة اعتراض كبيرة للاحتلال فحواها “لن نسمح لكم بالسيطرة على أراضينا”.

ناصر الهدمي رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد تحدث لـ”ذات مصر” عن سياسات التهجير والتهويد الإسرائيلية في مدينة القدس، مؤكدًا تنوع الأساليب الإسرائيلية لجلب المستوطنيين بدلًا من المقدسيين بعد تهجيرهم.. وإلى نص الحوار:

رئيس "الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد": وقف الشارع الفلسطيني بأكمله في وجه الاحتلال في أحداث الشيخ جراح
رئيس “الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد”: وقف الشارع الفلسطيني بأكمله في وجه الاحتلال في أحداث الشيخ جراح

ما الأساليب التي تستخدمها إسرائيل للتهجير؟

الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين قائم على مبدأ تهجير الشعب الفلسطيني، والاستيلاء على أرضه وممتلكاته، واستيطان من يجلبهم من يهود من بقاع الأرض ليستوطنوا أرض الشعب الفلسطيني، لذلك فالاحتلال يسعى لتنويع أساليب التهجير دائمًا من أجل تنفيذ مشروعه المحوري وهو تفريغ مدينة القدس تماما من العرب.

إن الصهاينة منذ الاحتلال البريطاني لفلسطين -وقبله حتى- عملوا على استغلال وتهيئة الظروف أمام اليهود القادمين من الشتات إلى أرض فلسطين، ليجدوا الأمور مهيأة لهم للاستيلاء على الأراضي والممتلكات الفلسطينية بشكل عام، والمقدسيين بشكل خاص، للاعتبارات التي ينظر بها اليهود لهذه المنطقة المقدسة كما يعلم الجميع.

قبل حرب النكبة، قامت الإدارة البريطانية بوضع خارطة للقدس تستثني منها الأحياء الفلسطينية والتي بها كثافة سكانية مقدسية فلسطينية عاليَّة، وضم الإنجليز لتلك الخارطة الأحياء الجديدة التي نمت إلى غرب القدس القديمة، وفيها أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود الذين ساعدهم الاحتلال البريطاني على الاستيطان، كما أجرى الاحتلال البريطاني حينها إحصائية لسكان المدينة، جعلوا فيها الأغلبية لصالح اليهود عبر حيل قانونية انتحلها الإنجليز لتغليب عدد السكان اليهود على الأغلبية العربية الفلسطينية.

ثم جاء الاحتلال الصهيوني ليعزز هذا التوجه، ويُظهر غالبية سكان القدس على أنهم من اليهود، كما دفع الاحتلال الإسرائيلي بأعداد كبيرة من المستوطنين ليأتوا ويعيشوا في القدس ويطردوا المقدسيين.

وعندما احتل الاحتلال الصهيوني عام 1948 القسم الغربي من القدس قام بتهجير 70 ألف مقدسي، واستولى على منازلهم، ووطَّن بدلا منهم يهود من الشرق والغرب، وأصبح المقدسيون لاجئون في مدينتهم، وانتقلوا بعدها إلى القسم الشرقي من المدينة الذي ظل تحت الإدارة الأردنية حتى العام 1967، قبل أن يقوم الإسرائيليون باحتلاله، وضموا إليها أجزاء كبيرة من الضفة الغربية لتصبح جزءا من مدينة القدس، والتي تعتبر -وفق القانون الدولي- مدينة محتلة بجزئيها الشرقي والغربيّ، إلا أن هذا الاحتلال ضرب بالقرارات الدولية عرض الحائط، واعتبرها عاصمة له.

ناصر هدومي : هدف الاحتلال من عملية الشيخ جراح، بخلاف قضية التهويد وزرع مستوطنين في هذه المنطقة، هو خلق نموذج يمكن تطبيقه في بقية الأحياء المقدسية
ناصر هدومي : هدف الاحتلال من عملية الشيخ جراح، بخلاف قضية التهويد وزرع مستوطنين في هذه المنطقة، هو خلق نموذج يمكن تطبيقه في بقية الأحياء المقدسية

وماذا عن القوانين التي سنَّها الاحتلال لمساعدته على تحقيق أهدافه؟

تم سن العديد من قوانين من أجل التهويد والاستيطان، أبرزها قانون “حارس أملاك الغائبين“، وهذا القانون يعطي ما يسمى بـ”دائرة أراضي إسرائيل” الحق على الاستيلاء على أي عقار مالكه أو جزء من مالكه (سواء أو ورثة أو غيره) يسكن خارج حدود مدينة القدس أو خارج فلسطين، وتحويلها إلى الجمعيات الاستيطانية، وقد ساعد هذا القانون دولة الاحتلال على السيطرة على كثير من العقارات سواء للمقدسيِّين أو غيرهم، كذلك قام الاحتلال بسن قانون يسمح بتصنيف أراضي مدينة القدس وفقا لما يرتأيه، حيث يسمح القانون لإدارة الاحتلال الإسرائيلية بتصنيف العديد من أراضي القدس على أنها أراضي زراعية خضراء، وبالتبعية يُمنع البناء عليها، ويتبقيها إدارة الاحتلال مساحات فارغة ومفتوحة يمكن أن تستخدم للمنفعة العامة، وبلدية الاحتلال فقط هي المخولة بتحويلها للمنفعة العامة، وفي أغلب الأحيان يتم تحويلها إلى مدرسة دينية، أو حديقة توراتية، أو ضمها لقطاع إسكان المستوطنين.

كما سن الاحتلال قانون “مركز الحياة” في العام 1995، وهو قانون قائم على أن المقدسي يجب عليه أن يثبت أن مركز حياته في مدينة القدس، أي عليه أن يقدم إثباتات بفواتير كهرباء وماء وغيرها، فإذا استطاع إثبات هذه الأمور، عندها يستطيع أن يحتفظ ببطاقة الهُويَّة التي تعطيها حكومة الاحتلال للمقدسيين، ومن لا يستطيع إثبات ذلك لا يسمح له الدخول للمدينة عند خروجه منها، ويتم تهجيره. ومن يخرج للدراسة في الخارج لأكثر من سنتين متتاليتين خارج القدس، معرض بشكل كبير لفقد حقه في الدخول إلى المدينة.

وهناك أيضا الكثير من الحالات التي تثبث مدى تحايل الاحتلال لتفريغ مدينة القدس من الفلسطينيين، حيث يمنع قانون الاحتلال المواطن الفلسطيني-غير المقدسي- والذي يتزوج مقدسية أن يعيش معها في القدس، وإذا ذهبت زوجته إلى أي مدينة أخرى تفقد حقها في الحياة بالقدس.

وإلى جانب هذا، هناك “قانون الولاء”، بمعنى أنه على المقدسي أن يكون ولاءه للاحتلال الإسرائيلي بناء على مواقف واضحة، وأكبر دليل على ذلك نواب القدس لعام 2006 والذين تم طردهم من القدس بسبب انتماءاتهم السياسية المعارضة.

إجمالا، الاحتلال يحاول تحويل الواقع الديمغرافي في المدينة، ودفع المقدسيين إلى الهجرة خارج حدودها، وهو هنا يقوم باستحداث أساليب كثيرة لفرض هذا الأمر.

وماذا الذي جدَّ هذه المرة في قضية الشيخ جراح؟

أحداث الشيخ جراح حالة خاصة تحولت إلى حالة جماهيرية وقف فيها الشارع المقدسي بقوة في وجه سلطات الاحتلال، والحق أنه حتى هذه اللحظة لم يتحقق انتصار قانوني فعليّ على الأرض، لكن ما تحقق هو الممانعة التي واجهها الاحتلال، وأيضا التفاهم والتناغم بين الفلسطينيّين سواء في داخل الأراضي المحتلة أو خارجها، وهو ما نعتبره انتصارًا وإنجازا استراتيجيا يمكن البناء عليه لاحقا، لكن دعني أقول أن هناك انتصار مرحلي وهو أن المواجهة الأخيرة في القدس دفعت الاحتلال إلى تأجيل تنفيذ عملية طرد سكان حي الشيخ جراح.

 ماذا يهدف الاحتلال من السيطرة على الشيخ جراح؟

هدف الاحتلال من عملية الشيخ جراح، بخلاف قضية التهويد وزرع مستوطنين في هذه المنطقة، هو خلق نموذج يمكن تطبيقه في بقية الأحياء المقدسية، بمعنى أنه إذا انتصر الاحتلال في الشيخ جراح، ونفذ سياساته، وقام بطرد العائلات منها فسيتم نقل نفس الاستراتيجية إلى أحياء مقدسيّة أخرى لتفريغها من قاطنيها من المقدسييِّن.

ولماذا منطقة الشيخ جراح تحديدًا؟

لأن منطقة الشيخ جراح بها ثغرة قانونية كبيرة، وهو غياب أوراق ثبوتية لدى المقدسيين بهذا الحي لإثبات ملكيتهم لهذه البيوت والأراضي، على الرغم من أن هناك أوراق تم تقديمها من قبل الحكومة الأردنية في آخر جلسة للمحكمة الإسرائيلية التي تنظر الدعوى. وعلى الجانب الآخر، الاحتلال ليس لديه أوراق تثبت عدم ملكية المقدسيين -بحي الشيخ جراح- لأراضيهم التي يريد نزعها منهم، على الرغم من إدعائه بأن الأرض التي بنيت عليها البيوت كان يملكها يهود، وهي مزاعم ليست تدعمها أي أوراق تثبت ذلك.

لن أنسى أن أنوه أن هناك مخطط تهجيري أيضا بحق الفلسطينيين في يافا، وبالفعل تم تهجير أعداد كبيرة منهم، وإحلال  مستوطنين مكانهم، ووقعت مواجهات بين الشرطة الإسرائيلية وبين العرب في يافا على نفس الشاكلة التي وقعت في “حي الشيخ جراح”، لكنها لم تأخذ اهتماما إعلاميا كافيّا.

 وما خطوات “الهيئة المقدسية لمقاومة التهويد” في الفترة المقبلة؟

الهيئة المقدسية لمقاومة التهويد عملها توعوي ورقابي وإعلامي بالأساس، تقوم بمراقبة سياسات الاحتلال، وممارساته التهويدية في المدينة، ثم وضع هذه السياسات في أوراق عمل، وبيانات إعلامية، ثم توم الهيئة بعدها بتنبيه الرأي العام المحلي والعالمي لمخاطر هذه الممارسات.

وما توقعاتك بشأن نهاية الأحداث الحالية؟

الأمور كما نرى وصلت إلى مواجهة كبيرة بين الاحتلال وبين الفلسطينيين في القدس وقطاع غزة، وحتى في الداخل الأراضي المحتلة في محيط مدن قديمة مثل “اللد”، وهو ما ينذر بخطورة تطور الأوضاع لأوضاع أصعب ما لم يتراجع الاحتلال عن مخططاته لتهويد منطقة الشيخ جراح.

من جانبنا نحن في القدس، نحيي أهلنا في قطاع غزة، فهم اليوم يدفعون ثمن هذا الموقف المتقدم الذي قامت به المقاومة من غالب الفصائل الفلسطينية، ونقول إننا نتمنى لهم السلامة، أحب أن أقدم الشكر أيضا لكل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، في حيفا ويافا واللد، والذين شاركوا في الوقفات التضامنية مع الشيخ جراح، فهذا التغير في الصورة وعناصرها، يغير الواقع في وجه الاحتلال الذي يعاني من نقاط ضعف في الفترة الحالية، خصوصا بعد عجز نتنياهو عن تشكيل حكومة جديدة.

"الشيخ جرّاح" في القدس المحتلة، صمود فلسطيني أمام سياسة التهجير الإسرائيلية
“الشيخ جرّاح” في القدس المحتلة، صمود فلسطيني أمام سياسة التهجير الإسرائيلية

وكيف تتوقع أن تنتهي الأمور؟

نتنياهو مهتم للغاية بتصدير أزمته السياسية، وهي خطوة بمثابة الهروب للأمام لأنه يرى في ذلك تأجيلا لسجنه، وتصعيبًا لمنافسيه في عملية تشكيل الحكومة مما سيؤدي إلى وضع موعد جديد لانتخابات إسرائيلية خامسة يستطيع خلالها على الحصول على بضعه أشهر يمكنه بعدها أن يغير في الوضع السياسي المتأزم في المشهد السياسي. وهنا قد تأتي الفرصة لمعارضي نتنياهو كي يمنعوه من الدخول في مواجهة أو مغامرة غير محسوبة، لأن دولة الاحتلال ليست مهيأة أو مجهزة لدخول معركة كبيرة هذه الفترة، لكن الأمر مرتهن بمدى الضغط الذي يمكن أن يمارسه معارضو نتنياهو على حكومة الأخير.

غير ذلك نقول إن الأمور تتجه إلى المجهول، هناك نُذر بحرب طاحنة، ما لم تحدث تدخلات إقليمية ودولية،وواضح أن المقاومة الفلسطينية معنية بوضع قواعد جديدة للمواجهة مع الاحتلال، حيث تريد توصيل رسالة للإسرائيليين مفادها أنهم لم يعد لديهم الاستطاعة لتنفيذ ما يريدون في القدس، وأن المقاومة تقف لهم بالمرصاد في سياسة التهجير والاستيطان.

إقرأ أيضا: حي الشيخ جراح.. أحدث صيحات إسرائيل في التهجير القسري

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى