حوار| عبدالوهاب رفيقي:

"الإسلام السياسي" يمضي إلى نهايته

يمثل “محمد عبدالوهاب رفيقي” الملقب بـ”أبي حفص” أحد أهم الرموز الفكرية والحركية بالمغرب في الفترة الأخيرة، والذي تعكس تجربته جُملة من التحولات التي عايشتها الحركة الإسلامية، خاصة “السلفية” منها، على مدار العقدين الفائتين.

فخلال مسيرته الفكرية والعملية انتقل “رفيقي” بين محطات مختلفة، بدءًا بالمرحلة الجهادية التي انتقل خلالها إلى أفغانستان وهو لا يزال مُراهقًا في الخامسة عشرة من عمره، مرورًا بالسلفية الوهابية، حينما تلقى علومه بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. ثم أحداث الدار البيضاء عام 2003 التي انتهت بسجنه لمدة تسعة أعوام أنجز خلالها مراجعاته الفكرية التي كانت بمثابة انقلاب صريح على مجمل تاريخه السابق، ليبدأ مرحلة جديدة من التجديد.

في هذا الحوار، يقارب “رفيقي” التطور الذي لحق بالسلفية الجهادية بدءًا من 2003 وما تمخض عنه من تنظيمات جهادية، خاصة “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) و”القاعدة”، ويتحدث الباحث عن ظاهرة الإسلام السياسي ورؤيته لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، وحجم التمايز بينها وبين حركتي “العدالة والتنمية” في المغرب و”النهضة” في تونس من خلال علاقاتهما بالسلطة والعمل السياسي.

كيف ترى واقع السلفية بعد تطورات "الربيع العربي"؟ وما تقييمك لدورها السياسي؟

في الواقع، أتفق بشدة مع من يقول إننا نعيش في عصر “ما بعد السلفية”؛ إذ إننا بحق في مرحلة تفكيك المقولات السلفية، وأظن أن الحركات والتيارات السلفية على مدار متوالياتها الزمنية المعاصرة لم تشهد مرحلة يمكن وصفها بـ”الضعف” كما تعيش اليوم، في ظل تنامي الموجات المعادية لها.

ومن خلال متابعتي الدقيقة ومعرفتي بالأشخاص والأفراد المنتمين لهذا التيار؛ أرى أن هناك عملية هجرة كبيرة من داخل هذه التيارات إلى خارجها، وهو أمر أشبه بـ”انتكاسة” تعيشها هذه التيارات، بفعل عدة عوامل، أبرزها: احتجاجات الربيع العربي، والثورة المعلوماتية والتكنولوجية المتسارعة من جهة، ونتائج التجربة السلفية، والإسلامية بشكل عام، في الحكم من جهة أخرى.

كما أن ظهور “داعش” ذي الخلفية السلفية أيضًا كان له دور كبير في هذه الانتكاسة، ولذا أعتقد أن السلفية، وبعد أنْ مرت بمراحل ازدهار في السباق، تعيش اليوم مرحلة “الاحتضار”، ولن يكون لها أي دور في الأعوام المقبلة.

إذن، ما تقييمك لمراحل الازدهار السلفي؟

الأعوام السابقة التي كانت السلفية في صدارة المشهد حملت سلبيات عدة تجاوزت الكثير من الإيجابيات التي رافقتها أو تولدت عنها، نتيجة لعبها دورًا سلبيًّا، سواء في تدبير المرحلة الماضية أو التفاعل مع عدد من القضايا التي مست الوطن العربي.

والمراقب لحالها اليوم يجد أنها تنكشف عوراتها يومًا بعد يوم، ويتفكك خطاباتها بالتدريج، وتظهر كثير من الثغرات داخل أيديولوجيتها التي تضم الكثير من التناقضات.

تعرضتَ للاعتقال بالتزامن مع هجمات "الدار البيضاء" عام 2003.. كيف اختلفت السلفية الجهادية في ذلك الوقت عنها اليوم خاصة مع ظهور "داعش"؟

السلفية الجهادية في المغرب لم تكن تنظيمًا منعزلًا عن سياق السلفية الجهادية في العالم، فالتيارات السلفية المغربية، سواء أكانت جهادية أو غيرها، كانت بمثابة انعكاس للتيارات التي تُولَد في المشرق.

فلا توجد تيارات سلفية وليدة المغرب، باستثناء ما يمكن وصفها بـ”السلفية الوطنية” التي ارتبطت فكريًّا بحركة النهضة العربية في المشرق، ولكنها اشتغلت على “توطين” سلفيتها. ومثال ذلك “علال الفاسي” أحد رموز السلفية الوطنية، فرغم تأثره بحركة المشرق إلا أنه لم يكن يومًا يعكس الأفكار المشرقية على الواقع المغربي، بل حاول “توطين” هذه السلفية.

أما باقي السلفيات فلا تؤمن بمفهوم “التوطين” والخصوصية، وبالتالي هي انعكاس للسلفية التي ظهرت في المشرق، فهناك السلفية المدخلية والسلفية العلمية والسلفية الجهادية، وداخل السلفية العلمية هناك السلفية البازية والسلفية الألبانية، وهي التقسيمات نفسها في المشرق وقد أُعيد إنتاجها في المغرب، وحتى السلفية الجهادية وضعها مرتبط بالوضع العام للسلفية الجهادية في العالم.

بالطبع، يختلف الوضع اليوم عما كان عليه قبل أحداث 2003، إذ كانت السلفية الجهادية تنقسم إلى نوعين: “السلفية الجهادية التضامنية” التي كانت في الغالب تُعنَى بـ”قضايا الأمة”: فلسطين، العراق، أفغانستان، كشمير، الفلبين.. وغيرها، وهي القضايا التي تجد فيها نوعًا من نصرة “الحركات المجاهدة” في تلك البلدان.

والنوع الثاني هو “الجهادية القتالية” التي تطورت عن الأولى داخل حدود الأنظمة العربية، خاصة بعد أن تحوّل تنظيم “القاعدة” من تنظيم يستهدف القوى الكبرى فقط إلى استهداف البلدان التي يعدها حليفةً للقوى الكبرى.

وفي هذا السياق، كانت تفجيرات الرياض وتفجيرات عمان وتفجيرات الدار البيضاء بالمغرب ذات دلالات كبيرة على التحولات بواقع هذه السلفية، فكان المغرب في ذلك الوقت يختبر لأول مرة عملًا جهاديًا محليًا متأثرًا بـالدعوات التي كانت تطلقها “القاعدة” لإقامة الجهاد في كل بقاع الأرض بهدف الضرب في كل الأماكن التي يمكن أن تُضعف “العدو وحلفاءه”.

وعليه، أصبحت السلفية الجهادية التي ظهرت في 2003 تسير على نسق استهداف بعض المصالح داخل البلدان المحلية، وإنْ كان تأثيرها العملي على المغرب ضعيفًا جدًا، فالعمليات الإرهابية التي عرفها المغرب محدودة لدرجة كبيرة، ولا تتجاوز في تاريخ المغرب كله أرْبع أو خمس عمليات، وما تبقى هو عدد كبير من الخلايا التي تم توقيفها واكتشافها قبل تنفيذ العمليات، وبالتالي لم تزدهر السلفية الجهادية في المغرب كثيرًا.

وكيف انعكس ظهور "داعش" على المشهد المغربي؟

حين تطورت فكرة السلفية الجهادية عالميًّا من “القاعدة” إلى “داعش”، كان لهذا الأمر انعكاس على المغرب، وانقسم الجهاديون داخل المغرب أيضًا، داخل السجون وخارجها، إلى فصيلين: فصيل يؤيد (القاعدة، جبهة النصرة، حركة تحرير الشام والحركات القريبة من فكر القاعدة) وهم الكثرة.

وفصيل آخر مناصر لـ”داعش”، ويظهر من خلال الخلايا الكثيرة التي كانت تكشفها السلطات المغربية أحيانًا بمعدل خلية كل شهر. كما ظهر أيضًا من خلال أعداد المقاتلين المغاربة الذين التحقوا بـ”داعش”. وبحسب تقدير السلطات كان هناك 1600 مقاتل مغربي بالتنظيم.

وكان المغاربة تقريبًا في المرتبة الثالثة أو الرابعة من حيث عدد أفراد الجنسيات الملتحقة بـ”داعش”، وكثير من الجهاديين الذين كانوا على منهج “القاعدة” تحولوا إلى “داعشيين”، وأكاد أقول إن المشهد الجهادي اليوم في المغرب، سواء ما يظهر من خلال الاعتقالات أو بعض المنشورات على الإنترنت، هو “داعشي” بامتياز.

إذن، كيف ترى مستقبل كلٍّ من "داعش" و"القاعدة"؟

بالطبع لا تشذ حالة “داعش” و”القاعدة” عن سياق الانتكاسة التي تعرفها الحالة السلفية في عمومها، لاشتراك هذه التيارات في عددٍ من الأفكار التي تتفكك يومًا بعد يوم؛ لكن الحالة الجهادية أكثر تفككًا من الحالات الأخرى بسبب الشكل المتوحش الذي ظهرت عليه “داعش” والذي أدى إلى نفور الكبير من الشبان من هذا التيار.

 إضافةً إلى حجم الهزائم الميدانية التي لحقت بالتنظيم في العراق وسوريا، وكل هذا كان له تداعيات مباشرة وغير مباشرة على الحالة الجهادية داخل المنطقة العربية.

ولا يعني ذلك موت الفكرة الجهادية بشكل نهائي، فربما نعيش بالسنوات المقبلة حالة جهادية أخرى، فكثير من الأسباب التي أدت إلى بروز الحالة الجهادية لا تزال قائمة ولم يتغير منها شيء، رغم الثورة المعلوماتية التي نعيشها اليوم.

فرغم كل هذه التحولات، فإن الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية التي ساهمت في إنتاج الحالة الجهادية لا تزال هي نفسها التي من المحتمل أن تنتج أجيالًا غير محصنة بما يكفي من استقطاب هذه الجماعات.

وكيف يمكنك تقييم تجربة الإسلام السياسي في السلطة، لو ابتدأنا بـ"العدالة والتنمية" المغربي، ثم "النهضة" في تونس، وأخيرًا إخوان مصر؟

أنظر بعدم الارتياح إلى هذه التجارب ولست مرتاحًا لها، لعدة أسباب: أولها أنني لا أؤمن بفكرة الإسلام السياسي رغم أني كنت أعتنق هذه الفكرة في الماضي، إذ إن أهم المراجعات الفكرية التي كتبتُ عنها والتي أدعو لها اليوم تتمثل في الانتقاد الحاد لفكرة الإسلام السياسي.

في الواقع لا أؤمن بفكرة وجود جماعات إسلامية كأحزاب سياسية تريد تطبيق الشريعة أو تريد وضع برامج اجتماعية واقتصادية بناءً على أيديولوجيا إسلامية معينة.

لذا أرى أن السياق الموجود اليوم مغاير تمامًا للسياق الذي وُلدت فيه ونشأت فكرة “الإسلام السياسي”، وإن كان هناك في ذلك الوقت حاجة لمثل هذه الحركات فالسياق الذي نعيشه اليوم لا نحتاج فيه إطلاقًا لمعنى الإسلام السياسي.

وثانيها: أنه يجب على هذه الحركات أن تحل نفسها، وأن تتحول إلى حركات مدنية مجتمعية دون صبغة أيديولوجية، وأن تشتغل داخل المجتمع بأدوات ينظمها القانون والدولة الحديثة، والقطيعة مع كافة الدعوات والشعارات الأيديولوجية السابقة.

فحتى المنطق الدعوي الذي قامت عليه أصبح مُتجَاوَزًا، ونحن في عصر المعلومات وعصر الإنترنت، عصر تحكمه “العقلانية”، ولسنا في حاجة إلى مواعظ من فلان أو علان بحجة الدعوة إلى الله.

وما يؤكد موقفي الناقد من هذه الحركات هو الأداء السياسي الذي غير المرضي، وأعتبر بكل موضوعية وإنصاف تجربتهم في الحكم “تجربة سيئة”، فلم يقدموا نموذجًا جيدًا للحزب المدني الذي يشتغل بالسياسة وليس بالأيديولوجيا في قضايا متعلقة بشعب كبير مثل مصر.

وحاولوا ممارسة نوع من الاستبداد الذي تمتد جذوره داخل التاريخ الإسلامي الذي في أغلب فتراته شرعن للاستبداد وكرسه على مستوى التنفيذ، وهذه الجماعات حاولت استعادة التجربة الاستبدادية نفسها بدلًا من تطوير نفسها وتقديم نموذجٍ مغايرٍ وتجربة كان من الممكن أن تكون مثالًا.

لكننا رأينا منهم التصرفات الاستبدادية والسلوكيات والممارسات نفسها، والتغول نفسه، ومحاولة الهجوم على المجتمع وحيازته، وهو ما كانت له نتائج سيئة.

كنا نتمنى أن تقدم جماعة الإخوان في الحكم نموذجًا آخر، وصورة أخرى، حتى نؤمن بشعاراتها المرفوعة حول المراجعة والاعتدال والانفتاح على الآخر، ومحاولة بناء الأوطان وليس تشتيتها وتفريقها، لكن للأسف الشديد لم نر ذلك. لذا، أرى تجربة مصر تجربة سيئة جدًّا، فيما قد تختلف بشكل كبير عنه في المغرب وتونس.

ورغم انتقادي لتجربة كل من المغرب وتونس، إلا أنها كانت أفضل من نظيرتها في مصر، على مستوى الحكمة والاعتدال فيما يخص مراعاة التوازن تحديدًا.

وبالطبع ليس الأمر كما آمل حين أتحدث عن التجربة المغربية، وأرى أنها تحتاج إلى كثير من المراجعة والإصلاح، ولكنّ تعاملها مع الظروف الصعبة إلى اليوم، ومراعاتها لكثير من التوازنات المحلية والدولية، وبقاءها في الحكم رغم الانتقادات الشديدة التي توجَّه لها، وكيف تفادت العاصفة التي مرت على كل حركات الإسلام السياسي الموجودة في الحكم؛ لا شك أنه أمر إيجابي يُحسب لها.

الشيء نفسه أقوله عن تونس من ناحية كيفية التعامل مع كثير من المراحل شديدة الحساسية في تاريخ تونس.

لكن، رغم كلّ هذه الإيجابيات التي يمكن أن تُسجَّل للتجربتين مقارنة بالتجربة المصرية؛ أرى أن تجربة الإسلام السياسي بعمومها، سواء في تونس والمغرب ومصر؛ تحتاج ليس إلى مراجعات شكلية أو مراجعات على مستوى الشعارات كما حدث في كثير من الأحيان، وإنما لمراجعات جذرية لكل الأسس والأصول التي قامت عليها هذه الحركات حتى تتحول إلى حركات مدنية بعيدة كل البعد عن الأيديولوجيا.

برأيك.. هل أثّر الدور الذي لعبه العدالة والتنمية على صورته أمام الشارع المغربي؟ وما موقع "الغنوشي" داخل المشهد التونسي المضطرب؟

أعتقد أن الدور الذي لعبه حزب العدالة والتنمية بالمغرب جعل الناس ترى في أداء الحركات الإسلامية بالحكم جوانب سلبية كثيرة، لذا كنت أفضل ألا تدخل هذه الحركات في مضمار الحكم إلا بعد إجراء عدد من المراجعات الجذرية والأيديولوجية والتحول نحو أحزاب مدنية حقيقية.

لكنّ الذي حصل أن هذه الأحزاب فضلت الوصول إلى الحكم سريعًا، مما كان سببًا في نفور كثير من الناس من المشروع الإسلامي.

أما تجربة النهضة و”الغنوشي” ورغم كل ما يمكن أن يثار ضدهما من انتقادات، فأظن أن لديهما الكثير من القدرة على مراعاة التوازنات السياسية.

لكن أحيانًا تبرز بعض صور الحنين لدى “النهضة” للماضي الأيديولوجي والتعاطف مع قضايا خارج تونس، خصوصًا أن الحزب لا يزال جزءًا من المشروع الإسلامي رغم البُعد المحلي التي يتعامل في إطاره.

وبين فينة وأخرى يبرز هذا الحنين إلى مفهوم الأمة، وإلى الحركات الإسلامية التي تحمل الأيديولوجيا نفسها في البلاد الأخرى، والحنين إلى مشروع الخلافة الإسلامية أو تخيل تركيا كراعية الخلافة الإسلامية والمشروع الإسلامي.

لكن مع كلّ هذا، فإن تجربَتَيِ النهضة والعدالة والتنمية كذلك أنجح من التجارب الأخرى، ولا أعتقد بأي حال من الأحوال أن يتكرر مشهد مصر 2013 في تونس أو المغرب لحسن تدبير الحركتين في تونس والمغرب للمرحلة، رغم كل الانتقادات الموجهة لهما.

لكن على المدى الطويل ستتفكك حركات الإسلام السياسي في المنطقة شيئًا فشيئًا، وأغلبها سيتحول إلى أحزاب مدنية، والأجيال الجديدة داخل هذه الحركات ستقدم نموذجًا آخر، هذا ما أتمناه وأتوقعه شخصيًّا، وأستشرفه أيضًا.

إذا انتقلنا من عالم الحركات إلى عالم الأفكار، كانت لك عدة رؤى وفتاوى أثارت جدلًا وعدها البعض تراجعات لا مراجعات؟ ما ردك على ذلك؟

هذه المواقف وهذه الأفكار التي أعبر عنها بين حين وآخر، يظن الكثير أنها هي مجرد تفاعل مع الحدث أو مواقف أسستها بناءً على ذلك الحدث أو ذاك، وهذا ليس بصحيح، هذه المواقف التي أعلن عنها اليوم في مختلف القضايا لو أننا جمعناها لوجدنا بينها خيطًا ناظمًا.

فكلّ هذه الآراء التي أُصدرها اليوم نتيجة للجهد الكبير الذي أخذ سنوات كثيرة من عمري، وبذلت فيه وقتي وفكري وطاقتي النفسية، وعشت فيه عددًا من الصراعات الداخلية، ورجعت فيه لعشرات ومئات الكتب في مختلف العلوم والفنون والآداب.

حتى وجدت نفسي تلقائيًّا أؤسس لقناعات جديدة، وأضع أصولًا مختلفة عما كان عليه الأمر في السابق، ولم يكن الأمر باليسير عليّ؛ بل عانيت أثناء عملية الانتقال من عالم المنقولات إلى عالم المعقولات، والتحول من عالم التسليم والتقليد إلى عالم التحرر والاجتهاد. وأنا سعيد بهذا التحول، وأعتبره أحد أكبر الإنجازات التي حققتها في مسيرتي الفكرية.

هذه المواقف التي أُعبّر عنها اليوم، سواء ما يتعلق بحرية المعتقد وضرورة النص عليها في الدستور، وتنزيلها في الواقع المجتمعي، سواء ما يتعلق بنقد الآراء الخرافية الواردة في التراث الإسلامي، أو حتى نقد كثير مما في هذا التراث ووضعه في سياقه التاريخي.

وكذلك إنتاج اجتهادات معاصرة وفقه جديد متناسب مع الواقع الذي نعيشه اليوم، سواء فيما يتعلق بالآخر أيًّا كان هذا الآخر يهوديًا أو نصرانيًا أو لا دينيًا أو ملحدًا، وتوسيع باب الرحمة على الجميع كما حدث مع قضية “سارة حجازي” الفتاه المصرية التي انتحرت في الفترة الأخيرة، كل هذه المواقف والأفكار وليدة هذا الجهد الكبير جدًّا الذي بذلت فيه سنوات من عمري.

ماذا في مسيرة "عبدالوهاب رفيقي" يمكن أن يُضيء الطريق لأجيال شابة ويحميها من الوقوع في فخ الجماعات المتطرفة؟

ما أعمل عليه اليوم هو توظيف هذه التجربة واستثمارها في إضاءة الطريق أمام الأجيال الجديدة وحمايتها من الوقوع فيما وقعنا فيه ضحية لخطابات الآخرين وسياساتهم، حتى يتنبهوا إلى الخطر مبكرًا ولا يضطروا إلى قطع كل هذه المسافات وقضاء كل هذه السنوات للوصول إلى الحقائق التي وصلت إليها اليوم.

أجتهد في ذلك كثيرًا، أتحدث كثيرًا، أشارك تجربتي مع الشباب في كل المنتديات، أتحدث بكل صدق وأحكي التفاصيل الصغيرة لتجربتي بكل تجرد، وأدعو الشباب إلى التصالح مع الذات.

هذه إحدى القضايا الأساسية التي اشتغلت عليها في تجربتي الخاصة. كيف أنتقل من شخص يعيش نوعًا من الازدواجية بسبب الأفكار الدينية إلى شخص متصالح مع ذاته وأفكاره، ويصالح باطنُهُ ظاهرَه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

حوار

مصطفى زهران

باحث وكاتب مصري

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram