وجهات نظر

حوار ما قبل البربرية.. صورة الإسلام بين التشدد والعداء

الدكتور شارل سان برو

الدكتور شارل سان برو: المدير العام لمرصد الدراسات الجيوسياسية في باريس.. له العديد من المؤلفات المرجعية حول الإسلام، منها “الإسلام مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب، 2008″، “حركة الإصلاح في التراث الإسلامي، 2010″، “الإسلام وضرورة الاجتهاد في العالم المعاصر، فريضة الاجتهاد”، 2011، “التمويل الإسلامي وأزمة الاقتصاد المعاصر، 2012″، المترجم إلى الإنجليزية والعربية والإسبانية والصينية.

تواجه الدولة الفرنسية، خاصة في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، مشكلة خطيرة مع الدين، فبعد الكاثوليكية، ها هو الإسلام اليوم ينال قسطه من المواجهة.

من النافل الإنكار بأننا نشهد تزايدا في العداء حيال الإسلام، منذ نحو ثلاثة عقود سياسية، فغالبا ما اختلط الإسلام مع أيديولوجيات منحرفة عند بعض الجماعات التي اتخذت الدين كرهينة، ومما لا شك فيه أن الانحرافات والتطرفات عند بعض الجماعات التي تُعرف بـ”الإسلاموية” تعزز التفكير المعادي للإسلام. وبالتالي، تتضافر جهالتان اثنتان: من جهة، جهالة الغربيين الذين لا يعرفون شيئا عن الإسلام ويحصرونه في قوالب منمطة قديمة جدا ورسوم كاريكاتورية مسيئة، ومن جهة أخرى، جهالة المتطرفين (الإخوان المسلمون، الملالي الإيرانيون، الإرهابيون) الذين يقدمون صورة خاطئة عن الإسلام.

إن عبارة النزعة الانفصالية الإسلامية، التي استخدمها ماكرون، هزيلة، ففي المقام الأول، تجدر الإشارة إلى أن مفردة “انفصالي” غير ملائمة، إذ إنها عبارة سياسية تدل على مشروع جماعة (أو دولة أجنبية) بهدف الانفصال عن الكيان الوطني: مثال ذلك النزعة الانفصالية الكتالونية ضد وحدة إسبانيا، النزعة الانفصالية الكردية المعادية للأتراك من قبل حزب العمال الكردستاني PKK، انفصالية جبهة البوليساريو عن الصحراء المغربية، أضف إلى ذلك أن كلمة “إسلاموي” جامعة تشمل كل شيء ونقيضه: ثورة الملالي المتزمتين الإيرانية، الإخوان المسلمون، الجبهة السلفية، “حزب الله” والقاعدة أو داعش، لكن ما هو أكثر خطورة أن هذه الكلمة أصبحت رمزا للدلالة على مسلمين “لا نحبهم”، وتستخدم كلمة “إسلاموية” كسلاح سيكولوجي في “المعركة الأيديولوجية -على حد قول رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستكس- التي يسعى قادتنا إلى ترسيخها في أذهاننا”. وتحت غطاء واجب النضال ضد الظلاميين، عمد دعاة مزعومون، نصبوا أنفسهم للتشجيع على الصراع ضد الإسلام وراحوا يسكبون الزيت على النار. وندرك بالتالي أن الاستخدام المفرط لعبارة “إسلاموي” ليست سوى تمويه لكراهية حقيقة رسالة الإسلام، أي كراهية أكثر من مليار و600 مليون كائن بشري.

التضليل في الحديث عن حرية التعبير

يتمثل التضليل في الحديث عن حرية التعبير في كل فرصة مواتية.. بيد أن حرية التعبير شيء، والشتيمة والاستفزاز شيء آخر، فلدى وفاة الجنرال ديجول، الذي كان يُعد بطلاً فرنسيا في القرن العشرين، نشرت مجلة “إبدو هارا كيري” – والتي تشكل شارلي إبدو وريثا مباشرا لها- عنوانا يسخر من وفاة الجنرال ديجول مضمونه يقول: “رقصة مأساوية في كولومبي – مقر إقامة ديجول- تسفر عن مقتل شخص واحد”.. وهو الأمر الذي أدى إلى حظر مطبوعة “هارا كيري”.. ما يعني أن صورة الغلاف التي نشرت هذه تمنع أي ديجولي من الادعاء بأنه “شارلي”.

كذلك، من المسيء نشر رسوم خليعة للبابا والكنيسة أو الإسلام، إذ إن في ذلك احتقارا لمئات الملايين من المؤمنين، وبصورة مستمرة، عرفت فرنسا ملحدين -نذكر منهم فولتير- وجهوا انتقادات للكاثوليكية، وأحيانا بصورة مفرطة، لكنهم تحاشوا تجاوز الخط الأحمر، وقد بلغت الإهانات التي نشرتها شارلي إبدو ذروة المهانة على غرار التجاوزات الدموية التي شهدتها الثورة الفرنسية عندما نبش المتعصبون جثث الرهبان والراهبات لتدنيسهم، وبالتالي، أن يكون المرء سفيها لا يعني حرية التعبير.. هنا أيضا ارتكب ماكرون التباسا سلبيا، خاصة أن رئيس الدولة تقاعس عن القيام بواجبه لدى تسامحه مع أي شيء.. يبقى أن هذه الدولة مزدوجة المعايير ومزدوجة التدابير وتنتهج أهدافا انتخابية، ولا شك أن ماكرون، ولنفس الأسباب، يتخذ ضد تركيا موقفا قلما يتماشى مع السياسة التقليدية العربية والسياسة الإسلامية في فرنسا.

ملابسات قانون عام 1905

إن القانون الصادر في 9 ديسمبر/ كانون الأول عام 1905، المتعلق بالفصل بين الكنيسة والدولة، يكرس تأكيد حياد الدولة فيما يتعلق بالمسألة الدينية، وما يجدر ذكره هو أن هذا القانون سعى إلى وضع حد لمرحلة تميزت بالعداء الشعبي المتشدد للإكليروس (تعود بنا الذاكرة إلى قضية البطاقات التي حددت ترقية المسؤولين ومنع ترقية كل الأفراد الذين حضروا القداس)، لكنها كانت تعبيرا عن فلسفة مثيرة للجدل.

والواقع أن تأكيد حياد الدولة فيما يتعلق بالمسألة الدينية نصت عليه المادة 2 من القانون على أن الجمهورية الفرنسية “لا تعترف ولا تدفع رواتب ولا تموّل نفقات أي عبادة”.. لقد نص القانون المذكور على احترام حرية المعتقد (المادة الأولى)، لكنه وضع الكاثوليكية، الدين التقليدي للفرنسيين، في مصاف الأقليات الدينية كالبروتستانتية واليهودية والأيديولوجيا الملحدة.. لقد ألغى هذا القانون، بصور أحادية الجانب، الالتزامات الفرنسية المتعلقة بالنظام الائتلافي الفرنسي لعام 1801، الذي نظّم العلاقات بين الحكومة والكنيسة الكاثوليكية وابتكر العلمانية على الطريقة الفرنسية التي ارتقت كقيمة سامية.

   ما قيم الجمهورية اليوم؟ هل تكمن القيم في أيديولوجيا زواج المثليين أو الإجهاض وفق المشيئة الشخصية أو كراهية الدين؟ ينبغي عدم الخلط بين القيمة وبين ما لا يُعدّ سوى أيديولوجيا أو هراء.. يجب الإقرار بأن الناس بحاجة إلى شعور روحاني، والحال هذه، لم يعتمد الطاقم السياسي منح هذا الشعور، بل هو مخوّل فقط بإعطائه تعبيرا شرعيا، لذلك، لا تعتبر القوانين الدينية من نفس طبيعة القوانين الإنسانية.

النضال في سبيل القيم المشتركة

لهذا السبب تحديدا، عبثا يحاول بعض المشعوذين خلق دين عقيم يرتسم في مخيلتهم.. الإسلام هو الإسلام كما الكاثوليكية هي الكاثوليكية.. كلتا العقيدتين لا يتبعان أنماط المرحلة الراهنة، بل هما لكل الأزمنة والأمكنة، بمعنى أنهما تقليديان، وهذا لا يعني أنهما متجمدان في عقلية محافظة نمطية غريبة عن هذين الدينين، وفق هذه الشروط، لا يقتصر الجدل على تعارض وهمي بين مفهومين مبهمين هما “الحداثة” و”الأصولية”، والواقع أنه لا يوجد أي تناقض بين التراث الإسلامي والتطور، وتقتصر المسألة، بالنسبة للمسلمين، على إيجاد هذا الدافع التطوري في الإسلام.

في الحقيقة أن الإسلام ليس في حاجة إلى مفكرين جدد مفترضين يسعون إلى ابتكار دين آخر، لأن الإسلام دين إصلاحي بالدرجة الأولى.. إن تاريخه وتقاليده تزوده بالقدرة على الصمود واستئصال الضلالات المنحرفة لدى التيارات الضيّقة والمتعصبة التي لا تشكل بالنسبة إليه سوى رسم كاريكاتوري لا يخلق بدوره سوى كارهي الإسلام.. إنه في جوهره دين الحق والإصلاح الدائم، وليس دين التعصب والتزمت والتأسن.. فالإصلاح ليس خيارا يمكن أن يلوّح به أناس يعتقدون أنهم اكتشفوا كل شيء، بل هو مفهوم يوجد تحديدا في صلب الإسلام، الذي يحتفظ بإمكانية الإجابة، بصورة إيجابية وبناءة، على تحديات العالم المعاصر.. هو ذا التراث الإسلامي الإصلاحي.

في هذا السياق، يشكل الجهل والانغلاقات المذهبية على قناعاتها عقبة رئيسة في فهم الآخر المغاير، وليس خفيا أنه لا يمكن إجراء حوار حقيقي دون معرفة! تجدر الإشارة إلى أنه توجد فجوات خطيرة في معرفة حضاراتنا الخاصة، فإذا أخذنا الإسلام على سبيل المثال، نجد أن مؤلفات غزيرة كُرّست له لكنها كانت في معظم الأحيان عبارة عن تحليلات مختصرة لبعض القوالب النمطية المتكررة.

جزء كبير من العقبات، التي يقابلها الإسلام كغيره من الأديان، يتمثل في أنها تواجه حضارات قديمة مريضة ومتبلدة، مصابة بفيروسات العولمة التجارية والعالمية، وبالفردانية الإباحية وبالنزعة المادية.. ذلك أن أزمة الاقتصاد الافتراضي الحقيقية وتخبطات المراكز المالية هو الازدياد الكاسح للمادية على حساب الروحانية. ويتميز عالم العولمة على وجه الخصوص بالشعور بالخسارة أو بغياب الحساسية المعنوية، أما الخطر الأكبر في “المغزى”، الذي يعني بكل بساطة الانزلاق الجامح نحو مجتمع معولم، أحادي الشكل ونفعي، مازجا بين أحادية الثقافات وتعظيم الفرد الذي لا مأوى له، وهو مجتمع يجازف بحرمانه من العنصر الأخلاقي في الحياة.

والواقع أن الخطر الذي يتربص بنا ليس صدام الحضارات غير المحتمل، بل اختفاء حضاراتنا، وتكمن المواجهة الحقيقية بين الحضارات وخطر ظهور بربرية جديدة. في آنٍ، ينبغي أن يشجع هذا الوعي على الحوار بين الديانتين السماويتين العالميتين، المسيحية والإسلام.. عندئذ، يصبح بَدَهيا أن حضاراتنا لن تتعامل بالتصادم مع التحديات التي تواجهها، فالأوفق لها أن تلتقي حول قيم مشتركة كي تستمر كعامل فعّال عبر التاريخ.

د. شارل سان برو

المدير العام لمرصد الدراسات الجيوسياسية في باريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى