ثقافة وفنحوارات

حوار| مخرج “خلي بالك من زيزي”: غامرت ضد السوق ونجحت

لم يلفت مسلسل “خلي بالك من زيزي” أنظار المشاهدين في بداية الموسم الرمضاني، لكنه تحول تدريجيًا إلى واحد من أكثر مسلسلات رمضان مشاهدةً وتناولًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تدور الكثير من المناقشات والجدل حول شخصيات المسلسل: “زيزي” و”مراد” و”تيتو”، وكذلك مرض الـADHD أو اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط الذي تحول بين ليلة وضحاها إلى الأكثر بحثًا على جوجل.

كريم الشناوي مخرج “خلي بالك من زيزي” حقق نجاحًا لافتًا من قبل في فيلم “عيار ناري” ومسلسلي “قابيل” و”عهد الدم”. والمسلسل الجديد هو نتاج ورشة كتابة لمريم نعوم ومنى الشيمي. ويتناول، بأسلوب مرح، المشكلات الاجتماعية التي تعيشها الطبقة الوسطى، فكل شخصية من شخصياته تعاني من مشكلات نفسية، مصدرها العائلة غالبًا.

ومن أجل معرفة كيف استطاع المخرج كريم الشناوي جذب المشاهدين حتى أصبح “خلي بالك من زيزي” واحد من أكثر المسلسلات مشاهدة في الثلث الأخير من موسم رمضان 2021، كان لنا معه هذا الحوار:


الأعمال التي أخرجتها من قبل كفيلم “عيار ناري” ومسلسلي “قابيل” و”عهد الدم” تدور في إطار بوليسي وتشويق وإثارة، كيف تفسر هذا التحول نحو الكوميديا الخفيفة؟ ولماذا تخليت عن الاهتمام بالصورة لصالح الحوار؟

هذه المرة أردت تغيير جلدي تمامًا لأقتحم شكلًا جديدًا، وذلك لسببين: الأول أن لديّ فضول دائم أن أجرب أشكالًا مختلفة من الفن. وأشعر أنه حينما أضع نفسي في منطقة مختلفة عن المنطقة المريحة بالنسبة إليّ يكون لديّ حماس أكبر للعمل.

وأثناء عملي على “خلي بالك من زيزي” كنت أقول دائمًا أنه مشروع صعب، كونه بعيد عمّا اعتدت عليه من ناحية الأداء والإيقاع والموسيقى وشكل الصورة، وحتى الأحجام المهمة للصورة مثل اللقطة المتوسطة التي تجمع شخصين، والتي لم تكن مغرية لي من قبل، فهي ليست باللقطة الطويلة أو القريبة (close up)، لكنها، أي اللقطة المتوسطة التي تجمع شخصين، مهمة جدًا في هذا النوع من الدراما.

المخرج كريم الشناوي
المخرج كريم الشناوي

والسبب الثاني هو أن السوق دائمًا ما تحصرك في منطقة معينة وترغمك على عدم المغامرة باقتحام مناطق جديدة.

عملنا فعلًا يمتلئ بالشعور بعدم اليقين، فأنا مثلاً لم أكن متوقعًا أبدًا هذا الاستقبال الإيجابي للعمل، وإن كنت عادة أهتم بالعملية نفسها ولا أفكر في النتيجة.

لكن بالتأكيد المشروع كله بمثابة تحدٍ بالنسبة إليّ، حيث كنت أريد كسر الانطباع السائد بأني مهتم بأنواع التشويق والإثارة فقط، وهو انطباع تأكد أكثر من أنواع المشاريع التي كانت تعرض عليّ مؤخرًا.

كيف جاءت فكرة مسلسل “خلي بالك من زيزي”؟

عُرضت عليّ أعمال كثيرة مختلفة من مصر والوطن العربي لهذا الموسم الرمضاني. لكن هذا المشروع لفت انتباهي وتحمست له لأن ينتمي إلى نوع مختلف من الفن هو الـ”دراميدي” أي دراما-كوميدي حيث مناطق كوميدية خفيفة تتعاقب ومناطق درامية حزينة. يشبه ذلك الحياة نفسها. وهذا مشروع أحب أن أختبر فيه كل المشاعر.

وأعجبتني أيضًا معالجة الموضوع من قبل ورشة الكتابة التي أدارتها مريم نعوم ومنى الشيمي، ورغم أنه أول مشروع طويل للشيمي إلا أنني شعرت أن لديها شيء جديد لتقوله.

اقرأ أيضًا: “خلي بالك من زيزي”.. دراما منزوعة الافتعال

وقد جمعت الورشة بين الكتاب الأكثر خبرة كنعوم والشيمي، وبين الكتاب الشباب، وهو مزيج جميل.

هل كان لك دور في الكتابة؟

كان لي دور بسيط كمخرج، حيث الملاحظات والمناقشات الطويلة مع كتاب السيناريو والحوار. المهم بالنسبة إليّ كان التأكيد على أن الشخصية هي التي تتكلم لا الموضوع، خاصة أن كل شخصية لديها مشكلة نفسية ما.

وبالتأكيد كنت محظوظًا بكتاب السيناريو، فهي تجربة مثمرة للغاية وأتمنى تكرار العمل معهم.

ما الذي جعلك تتحمس لمسلسل عن اضطراب نفسي وفي قالب كوميدي خفيف، وليس ميلودرامي جاد؟ العديد من المخرجين يرون ذلك مخاطرة، كيف أقدمت على ذلك؟

كنت مدركًا أن هذا المشروع لن يحظى باهتمام المشاهدين في أول خمس حلقات، حتى يبدأوا في توقع ما يريد العمل أن يوصله، لأن هذا العمل ليس كوميديًا فقط أو دراما فقط، بل يتأرجح بين الكوميديا والدراما وبوتيرة متسارعة.

توقعت أيضًا أن هناك لقطات لن يحب المشاهد رؤيتها، وأخرى سيتعلق بها، لكنه في النهاية سيتفهم هذا التأرجح وبالتالي يحب المسلسل.

خلي بالك من زيزي

بالتأكيد موضوع اضطراب AHAD كان من الطبيعي أن يتجسد في قالب أكثر ميلودرامية، لكن التناول الخفيف له يبدد الانطباع بأن الشخصيات غير سوية ومعقدة، ويؤكد في المقابل أن من يعانون من ذلك هم شخصيات تعيش حولنا في كل مكان، وفي رأيي أن هذا أصعب وأجمل.

ما المهم بالنسبة لك كمخرج، الموضوع أم طريقة تناول الموضوع؟

كلاهما. فهناك الكثير من المشروعات موضوعاتها مهمة لكن المعالجة ضعيفة، وهو ما يضيع قيمتها، فالموضوع لا يمكنه أن يحمل المشروع وحده. والمعالجة يجب أن تكون طازجة وبها الكثير من التجديد والمغامرة.

في “خلي بالك من زيزي” كنت أشعر بالخوف من ألا يكون الموضوع في مجال اهتمام المشاهدين، وألا يهتموا بالمشاكل النفسية للشخصيات، خاصة أنه قيل لنا في البداية أن المشروع جميل، لكنه غير مناسب للعرض في سباق شهر رمضان، لأنه خارج توقعات مشاهدي مسلسلات الموسم. لكنني كنت متحمسًا للغاية للمسلسل، وبالتأكيد للعلاقات بين شخصيات المسلسل وتفاعلهم مع بعض البعض.

باختصار، لن أدخل أبدًا في مشروع لا أكون مرتاحًا لمعالجته، أو أشعر أنني لن أضيف لموضوعه أي شيء من رؤيتي.

تعمل دائمًا مع نفس الممثلين مثل أمينة خليل ومحمد ممدوح وعلي قاسم وعلي الطيب ونهى عابدين بالإضافة إلى الفنيين. هل هذا ارتياح أم تراهم مناسبين في أدوارهم في هذه المشاريع؟

أول أمر هو أن الفريق مهم جدًا في صناعة الفن، ويجب أن يكون متفاهمًا وأن يبني على تجارب أفراده.

الأمر الثاني هو أني أحب هؤلاء الممثلين، وأرى أن العلاقة والكيمياء بين المخرج والممثل مهمة جدًا.

بالتأكيد أحب الممثل الملتزم بالعمل، لكن يجب أن أكون مقتنعًا بأنه مناسبًا للدور، وقادر على أداء هذه الشخصية، لأن غير ذلك سوف يؤذي كلًا من الممثل والمشروع.

خلي بالك من زيزي
مشهد من “خلي بالك من زيزي”

ولأني دخلت هذا المشروع بمنطق المغامرة، أردت أيضًا فريقًا لم يجرب هذا النوع من قبل ومستعدًا للمغامرة معي. هذا الأمر، رغم صعوبته، مفيد جدًا.

كل رؤساء الأقسام من مدير التصوير أحمد جبر ومهندس الديكور علي حسام ومصممة الملابس ناهد نصر الله والمونتير باهر رشيد والمؤلف الموسيقي خالد الكمار؛ لم يعملوا في أعمال من النوعية الاجتماعية الكوميدية الخفيفة من قبل، حيث كانوا دائمًا مهتمين بمشاريع أكثر تعقيدًا.

كيف تعاملت معهم ليكون العمل على هذا المستوى من الجودة؟

قلت مثلًا لأحمد جبر وعلي حسام: “أريد أن نقدم عكس ما فعلناه معًا من قبل في أي عمل آخر”.

وبشكل تفصيلي قلت لمدير التصوير لا أريد للصورة أن تكون كثيرة الظلال ومتباينة في الإضاءة، بل أريد صورة بإضاءة ساطعة، ولا أريد أيضًا التصوير في أماكن غريبة، بل أريد بيوتًا عادية تمامًا.

ونفس الأمر حدث مع الممثلين، إذ كنت أطلب منهم ألا يخشوا الذهاب إلى مساحات مختلفة من التجريب، فمثلًا علي قاسم قدم شخصية جادة جدًا، لكن في نفس الوقت يقع في مواقف تجعلنا نضحك. هذه شخصية صعبة، لكن قاسم أداها باحترافية كبيرة.

“زيزي” و”تيتو” هما محور المسلسل، كيف جعلت الطفلة ريم عبد القادر تنافس الممثلات الكبار؟

المسألة في النهاية هي أنني أثق بشكل كامل في الممثلين.

كان هناك تخوف من منح ريم عبد القادر دور كبير بمشاهد كثيرة، خاصة أننا نصنع مسلسلًا في رمضان، حيث التصوير لساعات طويلة. لكني كنت واثقًا فيها، ووضعت لها مشاهد مهمة وصعبة جدًا.

وقد حدث ذلك من البداية، منذ الكتابة، حيث قلت للمؤلفين علينا تقديم مساحة أكبر وجمل أكثر في الحوار لشخصية “تيتو”. ويبدو أن هذه الثقة انعكست في أداء ريم.

وكيف حولت أداء أمينة خليل من النقيض إلى النقيض؟

بالنسبة لأمينة خليل عملنا معًا في مسلسل “قابيل”، لكن دور “زيزي” مختلف تمامًا عما أدته قبل ذلك.

أشعر دائمًا أن لدى أمينة إمكانيات تمثيلية أكثر مما هو متوقع عنها. وعمومًا حين يشعر الممثل أنه جزء من مشروع، فإنه يقدم أفضل ما لديه.

وفي ما يخص الأداء، كنا قبل التصوير نتناقش جميعًا في كل جملة، وهكذا أثناء التصوير تكون ملاحظاتي أقل كثيرًا، لأن الممثلين توصلوا لمعرفة الشخصية ربما أكثر مني كمخرج، فالمخرج يعرف الشكل العام للشخصيات، لكن الممثلين يرون أنفسهم في الشخصيات التي يجسدونها.

أمينة خليل
أمينة خليل في “خلي بالك من زيزي”

الثقة والتحضير والكيمياء هي أهم عناصر علاقة الممثل بالمخرج. جزء كبير من الفن هو إجابة سؤال: هل نحن قادرون على التعامل مع بعض أم لا؟

وفي رأيي، أمينة خليل أخلصت للدور جدًا، وركزت فيه، ودرسته جيدًا، ولم تخف منه. وظهورها في أول الحلقات خارج التصور الذي يضعها الجمهور فيه، شجاعة كبيرة منها، وثقة في أن الجمهور سيراجع نفسه بعد ذلك، وسيعرف أن أداءها كان مناسبًا للدور منذ أول حلقة.

ما سبب اهتمامك بالمستجدات الجديدة في الموسيقى مثل الفرق الجديدة، أو التقاليع الجديدة مثل ورش التمثيل للعلاج النفسي وفرق الموتسيكلات؟

كل شخصيات المسلسل من الطبقة الوسطى، وبالتالي فإن ما يدور من أحداث في المسلسل يشبه ما يحدث لأبناء الطبقة الوسطى.

هذا المسلسل ليس عن أغنياء الكومباوندات وفاحشي الثراء، ولا عن فقراء العشوائيات ومدقعي الفقر. كل ما في المسلسل من تفاصيل يعكس حياة هذه الطبقة (الوسطى)، وأبناء هذه الطبقة يهتمون بهذه المستجدات.

لماذا أظهرت كل شخصيات المسلسل باضطرابات نفسية، بما في ذلك الطبيب النفسي؟

هي شخصيات حقيقية، فكل شخصية لها مشاكلها. وهم ليسوا مرضى، لكن لديهم مشكلات يحتاجون فيها إلى بعض الدعم النفسي.

الكثير من الناس، بسبب ضغوط الحياة، يحتاجون إلى هذا الدعم من أجل تقبل أنفسهم، وعلينا نحن أيضًا أن نتقبلهم ليطوروا من أنفسهم.

هذه المشكلات شائعة جدًا في مصر وتجاهلها أيضًا أمر شائع.

وما سبب هذا التجاهل في رأيك؟

لأن الطب النفسي له سمعة سيئة بين الناس.

لماذا تبدو السمات العامة للشخصيات غير محددة بشكل محسوم؟

لأن الشخصيات مركّبة، أي ليست طيبة فقط أو شريرة فقط. وهذا ما يجمع أعمالي كلها، إذ أحاول أن تكون الشخصيات في المنطقة الرمادية المركبة، لا أبيض ولا أسود، لأن هذا ليس موجود أصلًا في الحياة.

هل تتابع ردود الأفعال على المسلسل؟

بشكل مباشر لا. لكن الأصدقاء أحيانًا يرسلون لي تعليقات الناس.

أُفضل دائمًا أن أركّز في العمل، وحين أنتهي منه سأبدأ في استكشاف ردود الأفعال وآراء الناس. حينها سيكون لديّ فضول لأعرف هل استطعت توصيل ما أريده للناس أم لا، لأن هذا سيكون مفيدًا لي في أعمال التالية.

هل وصلك الهجوم على المسلسل واتهامه بالتقليل من أبناء المنصورة، والتنمر في مشهد “يا فلاحة” الشهير؟

بالتأكيد وصلني. لكنني كنت أرى أن الأمر سيحل نفسه بنفسه عبر أحداث المسلسل؛ فشخصية “مراد” لديها أخطاء بعينها، لكنها تتعامل معها خلال أحداث المسلسل. الشخصيات تخطئ وتستوعب خطأها وتدركه داخل الحكاية.

مسلسل خلي بالك من زيزي

لكن ما استغربته بالفعل هو أن أجد بعض من أهل مدينة المنصورة نفسها يقولون: “نحن لسنا فلاحين”، وأن القرى التي حول المنصورة هي التي بها فلاحين. أجد في ذلك عنصرية مضادة، في حين أن المسلسل يحاول أن يوصل أن تعبير “فلاح” ليس عيبًا أبدًا.

هل مثل هذه “التريندات” مفيدة للعمل أم لا في رأيك؟

حين تكون في مساحة النقاش فهي مفيدة بالتأكيد.

هل غيرتَ أيًّا من الأحداث بسبب هذه “التريندات”؟

أبدًا. هذا الخط، أي علاقة “مراد” بالمنصورة وأهله في المنصورة وقضية الأرض وخاله؛ جزء أساسي من الشخصية، وسوف يتضح ذلك في الحلقات القادمة. وهذا جزء من رحلة شخصية “مراد”.

ما المشاريع التي تخطط للعمل عليها بعد مسلسل “خلي بالك من زيزي”؟

سوف أبدأ في قراءة عدة أعمال. ولدي مجموعة من المشاريع غير المؤكدة. لدي أيضًا مشروع فيلم، لكن بسبب ظروف كورونا تم تأجيله. المؤكد في كل الأحوال أنني أفضل أخذ أجازة بين المشاريع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى