"حوامل" في زمن الوباء

مُعاناة مُضاعفة وفرحة منقوصة

على مدار 9 أشهر، كانت “ياسمين نجيب” تنتظر موعد ولادة طفلها الأول، لكنّ فرحتها المنتظرة تحوّلت إلى قلق مشوب بالرعب، بعد انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).

في نهاية فبراير الماضي، سجلت مصر أولى حالات الإصابة بفيروس كورونا، ومنذ ذلك الحين لم ينقطع تفكير “ياسمين” في العدوى، بينما ساورها قلق خاص على طفلها الذي كان مقررًا أن تضعه في آخر أبريل، كما تقول لـ”ذات مصر”.

تضيف “ياسمين” أن الحوامل أضعف مناعة من غيرهن، لذا فإنني كنت أخشى الإصابة بالفيروس خلال الأيام الأخيرة في الحمل، أو خلال تواجدي في المستشفى لإجراء عملية الولادة.

مكثت “ياسمين” أيامها الأخيرة في المنزل، ولم تخرج منه، كما لجأت لتناول أقراص الفيتامين لتقوية المناعة، إضافةً إلى شرب الليمون بالعسل، واستخدام الماء والملح في عملية المضمضة يوميًّا لقتل الفيروس، على حد وصفها.

وسط حالة القلق، وصلت “ياسمين” إلى قرار بوضع طفلها الأول في مستشفى تخصصي للولادة، حتى تقلل من فرصة مخالطة المصابين المحتملين بالفيروس.

أجنّة مُهددون بالتوحد

“القلق المبالغ فيه لدى الحوامل يؤثر سلبًا على وصول الدم للجنين، لأنه يؤثر على ضغط دم الأم”.. بهذه الكلمات يشرح الدكتور “رضا إسماعيل”، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب قصر العيني، تأثير القلق على الحوامل.

ويضيف “إسماعيل” أن مكوث الحوامل بالمنزل، وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى؛ أفضل وسيلة للوقاية من الإصابة بفيروس كورونا المستجد، مشيرًا إلى عدم وجود دراسات كافية حتى الآن حول انتقال كورونا من الأم المصابة إلى الجنين، أو تأثير الدواء المستخدم في العلاج على صحة الحامل.

ويُشدد أستاذ أمراض النساء والتوليد على ضرورة اتّخاذ إجراءات السلامة الشخصية والوقائية داخل العيادات الخاصة ومستشفيات الولادة، كتغيير أغطية الأسرّة بين كل حالة وأخرى، وارتداء الكمامات والسترات الوقائية الصفراء عند الفحص الطبي، واستخدام الكحول في تعقيم أيدي المرضى حال دخولهم إلى العيادة أو المستشفى.

من جانبها، تقول الدكتورة “أسماء عيسى”، استشاري الصحة النفسية بمستشفى العباسية (حكومي)، إن الضغوط النفسية والقلق أثناء الحمل يؤثران على نمو دماغ الجنين وقد يؤديان لإصابته بمرض التوحد.

وتُضيف “عيسى” أن إجراءات تقييد الحركة المفروضة في ظل أزمة كورونا قد تحول دون متابعة بعض الحوامل مع الطبيب، أو إجرائهن بعض التحاليل الخاصة بالحمل، وهو ما يزيد من مخاوف الحامل ويؤثر سلبًا على حالتها النفسية، وقد يؤثر على النمو العصبي للجنين.

وتنصح استشاري الصحة النفسية الحوامل بالراحة التامة، والبعد عن متابعة الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي، والبعد عن كل مصدر للطاقة السلبية، سواء من الأهل أو الأصدقاء، وعدم التفكير في المستقبل بصورة سلبية، أو الإفراط في استخدام الكحول لأنه قد يُسبب حساسية لبعض الحوامل. 

عيادات "واتساب"

مع بدء انتشار كورونا داخل مصر، قرر طبيب “مها أحمد” إغلاق عيادة أمراض النساء والتوليد الخاصة به في وجه الحالات العادية، واكتفى باستقبال الحالات الطارئة، ومتابعة بقية المريضات عبر تطبيق “واتساب” للتواصل الاجتماعي.

قبل ذلك القرار، اعتادت “مها” وزوجها زيارة الطبيب بصورة دورية كل أسبوعين، لمتابعة حالتها الصحية وإجراء فحص لحالة الجنين عبر جهاز السونار، كما تروي لـ”ذات مصر”.

تصف الزوجة العشرينية مشاعرها قائلة: “كنت فرحانة بأول حمل ليا بعد الزواج، لكن مع انتشار فيروس كورونا مبقناش عارفين نحس بحلاوة الموضوع، ولا عارفة أنزل أعمل التحاليل عشان أطمن على صحتي وصحة الجنين، ولا عارفة أنزل أتمشى عشان أسهل من عملية الولادة الطبيعية”.

مع ارتفاع معدل الإصابات بالفيروس، قررت “مها” وزوجها إلغاء الزيارات العائلية، ولجأ زوجها للعمل من المنزل، وعدم الخروج إلا في حالات الضرورة، مع تعقيم المشتريات بالكحول، خوفًا من التقاط العدوى.

ورغم الإجراءات التي اتخذتها أسرة “مها”، لكن الخوف والبكاء ظلّا يلازمانها، مع تلقيها أنباء إصابة ووفاة حوامل بفيروس كورونا.

مع دخول شهر رمضان واقتراب موسم الأعياد، قررت “مها” وزوجها الاستمرار في الابتعاد عن التجمعات العائلية والاكتفاء بالتهنئة الهاتفية، إضافةً لإلغاء الاحتفال بحفل “السبوع” الذي يقام للطفل بعد 7 أيام من ولادته في مصر.

العلاج "واتساب".. والطعام "دليفري"

أكثر من شهرين من الحمل مرّا على “مروة محمود” وهي تتابع الاستشارات الطبية، وتتلقى وصفات العلاج عبر تطبيق واتساب، كما تحكي لـ”ذات مصر”.

تقول “مروة”: “من آخر الشهر الرابع في الحمل وأنا مش بتابع عند الطبيبة الخاصة بي، ولا أعرف نوع الجنين حتى الآن برغم بلوغي الشهر السادس، خاصةً وأنها نصحتني بعدم الخروج من المنزل إلا للضرورة، والاكتفاء بمتابعة الحمل والاستفسار عن المشكلات عبر تطبيق واتساب”.

وتُضيف: “حددت موعدًا مع الطبيبة في الشهر الخامس، وكنت مشتاقة لعمل (أشعة 3 D) لمعرفة نوع الجنين، وكانت عزة بنتي (3 سنوات) تسألني كثيرًا لتجهيز ملابس للطفل، لكن بسبب الأزمة مبقتش عارفة أنزل للشارع”.

وتتابع: “مبقتش أعمل أي مجهود خوفًا من تعجيل موعد الولادة القيصرية والذهاب للمستشفيات في ظل الظروف الحالية، وحاليًّا أشتري كل احتياجات المنزل “دليفري” وأطهّرها أكثر من مرة، وإذا استمر الوضع بنفس معدل الإصابات سأطلب ملابس الطفل أونلاين وأعقّمها جيدًا عن طريق الغسيل والكيِّ، وهحاول أشتري ملابس تصلح للبنت أو الولد”.

نظام حياتي متوازن في مواجهة الفيروس

في المقابل، ترفض الدكتورة “أميمة إدريس”، أستاذ أمراض النساء والتوليد بقصر العيني، متابعة حالات الحمل عبر تطبيقات التواصل الإلكترونية. معتبرةً أنه أمر غير مجدٍ في حالة كان الحمل في أشهره الثلاثة الأخيرة، لأن الطبيب لن يتمكن من رؤية التغيرات في نمو الجنين، ولن يتمكّن من معرفة مشكلات الأم الصحية.

وتقترح “إدريس” تقليل مرات المتابعة للحامل في الشهور الأولى لتصبح مرة كل شهر، والتركيز على الحوامل في الشهور الأخيرة.

الدكتورة أميمة

وتنصح أستاذ أمراض النساء والتوليد الحوامل بالتهوية الجيدة، وممارسة الرياضة بشكل يومي لمدة لا تقل عن نصف ساعة، بجانب تناول السلطة والفواكه وعصائر الليمون والزنجبيل والعسل الأبيض، وعدم متابعة الأخبار المتعلقة بفيروس كورونا، لتقليل التوتر والضغط. موضحة أن الحامل ليست عرضة للإصابة في حال التزامها بالإجراءات الوقائية.

في حين، يقول الدكتور فايد عطية، أستاذ مساعد الفيروسات والمناعة بمدينة الأبحاث العلمية المصرية إن انتقال فيروس كورونا من الحامل المصابة للجنين إلى الجنين أثناء الحمل لم يثبت بشكل كاف، وحتى لو أُصيبت الأم فليس شرطًا أن يصاب الجنين أو يتوفى عند الولادة.

وتؤكد دراسة علمية نشرتها دورية دراسة (The Lancet) الطبية ذائعة الصيت أن الفيروس لا ينتقل من الأم للجنين عبر الحبل السري، ولا يتواجد في السوائل المحيطة بالجنين.

وتشير الدراسة التي أجراها فريق بحثي بمستشفى تشونغنان التابع لجامعة ووهان الصينية إلى أن الأطفال قد يتعرضون للعدوى في حالة الولادة الطبيعية بسبب تواجد الفيروس في القناة المهبلية للأم، موضحةً أن الأطفال المولودين قيصريا، أقل عرضة للعدوى.

كورونا يضاعف ألم الولادة

نهاية مارس الماضي، كانت “خديجة محمد” تضع مولودها الأول “سليمان” بأحد مستشفيات المنصورة مركز محافظة الدقهلية (شمال القاهرة)، بعد أيام طويلة قضتها مسكونة بفوبيا الإصابة بكورونا خلال عملية الولادة القيصرية، كما تقول لـ”ذات مصر”.

تُضيف: “كنت هموت من الرعب وأنا رايحة المستشفى عشان أولد، وعرفت قبل الولادة بيومين ارتفاع عدد الإصابات، وسمعت شائعات إن أغلب مستشفيات محافظة الدقهلية بها كورونا، وهنبقى شبه مدينة ووهان الصينية”.

تتابع: “تعب الولادة أصبح مضاعفًا بسبب الخوف من كورونا، ولجأت لغسل الملابس الجديدة، وتعقيمها بالكحول، واخترت مستشفى خاصًّا لضمان إجراءات التعقيم، ومع ذلك كنت خايفة إن غرفة العمليات متبقاش معقمة بالشكل الكافي، وإن طاقم التمريض ميكونش ملتزم بإجراءات الوقاية بالشكل الكافي، ويكونوا سبب في إصابتي أو طفلي بالفيروس”.

لا تزال “خديجة” تتذكر الساعات الأولى بعد الولادة كما تقول، إذ قضتها في حالة من القلق بعد أن أخذ زوجها المولود لتسجيل بياناته في السجل المدني، وإعطائه التطعيمات اللازمة في أقرب مستشفى حكومي.

لم تُقم أسرة خديجة “عقيقة” لطفلها، وامتنعت عن مصافحة والدتها ووالدة زوجها، واكتفت بالقول “القلوب مسلّمة” كما تذكر.

محروم من التطعيمات

كانت “أم سليم” وأسرتها يُعدون احتفالًا عائليًّا بمناسبة ولادة “سليم الصغير”، قبل أن يصل إلى أسماعهم نبأ تسجيل أولى حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في فبراير الماضي.

ورغم مرور أكثر من شهرين، لا تزال الأم الثلاثينية تخشى الخروج من المنزل، وتحيط طفلها برعاية فائقة خوفًا من إصابته بالفيروس، وفقًا لحديثها مع “ذات مصر”.

تقول “أم سليم” إنها لم تُعطِ طفلها تطعيمًا ضد مرض شلل الأطفال (أول تطعيم أساسي بعد الولادة)، بسبب خشيتها الخروج من المنزل. مضيفةً أنها تخشى الذهاب إلى مكتب الصحة التابع لمنطقة كفر طهرمس (جنوب الجيزة) خوفًا من الاختلاط والزحام الذي قد يؤدي للإصابة بفيروس كورونا. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

شاهندا قناوي

صحافية مصرية

عبدالله قدري

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search