"حوتان يلتقيان على الشاطئ"

جيل مراهق يموت خلف الشاشات

في نهايات عام 2016 ألقت الشرطة الروسية القبض على فيليب بوديكن، 21 عامًا، مخترع لعبة “الحوت الأزرق” عام 2013، بتهمة تحريض المراهقين على الانتحار، واعترف بوديكن بأن التحدي “طريقة لتطهير المجتمع من العناصر المجتمعية غير المفيدة” وحكم عليه بالسجن 3 سنوات.

انتشرت اللعبة التفاعلية على الإنترنت في نطاق واسع، خصوصًا وسط المراهقين، وهي 50 تحديًا في 50 يومًا، وتكون المهام الأولى غير ضارة مثل “استيقظ في منتصف الليل” أو “شاهد فيلمًا مُخيفًا”، لكن بمرور الوقت تصبح الأشياء أكثر خبثًا مثل “ارسم حوتًا على ذراعك بشفرة الحلاقة” أو “تسلق إلى حافة سطح المنزل”، وأحيانًا يتبقى للاعب تحدٍّ أكبر مثل “احرق سيارة جارك”، وهكذا يسير التحدي حتى تطلب اللعبة من اللاعب أن يقتل نفسه.

مشهد من فيلم "50 أو حوتان يلتقيان على الشاطئ"
لنرقص معًا ونطلق الرصاص

المخرج المكسيكي الشاب خورخي كوتشي أنجز فيلمه الأول “50 أو حوتان يلتقيان على الشاطئ” حول مراهقين “إليسا” (كارلا كوروناد) و”فيلكس” (خوسيه أنطونيو توليدانو) يلعبان “الحوت الأزرق” القاتلة علىwhat’s app  ويعتبر التحدي بداية قصة حب حماسية ومُخلصة.

وفي خضم الأحداث، يناقش الفيلم مشكلات العنف الأسري وانفصال الوالدين والتفكك الأسري وكراهية الحياة، إلى غير ذلك من مشكلات المراهقين التي تدفعهم للجوء إلى مثل هذه الألعاب والبوح للغرباء وإفشاء أسرار عائلاتهم.

تمنح “إليسا”، 17 عامًا، “فيلكس”، الذي لم تره من قبل، تحديًا مختلفًا كل يوم، وكان أول تحدٍّ تطلبه هو أن يرقص مع فتاة عشوائية في حلبة التزلج على الجليد، وقد كان أن اختار فتاة للرقص معها، واتضح أنها “إليسا”، التي كذبت لتقابله، ومنذ لقائهما اتفقا أن يستكملا التحدي معًا.

عندما لا يجمع المشهد الثنائي معًا تنقسم الشاشة إلى قسمين، حيث يظهر علاقة كل منهما بوالديه، اللذين يظهران في خلفية المشهد، في دلالة على أن اللوم يقع على الوالدين بما أنهما غير مرئيين لأطفالهما، وغير موجودين في المشهد اليومي لهما، فقط يصدرون الأوامر ويتوقعون الطاعة دون أن يعرفوا أن أطفالهم يتعرضون لسوء المعاملة من جانبهم.

تبدأ الأحداث في التصاعد عندما ترسل “إليسا” رسائل إلى “فيلكس” تخبره بأن المهمة التالية هي قتل شخص ما، وتسرق بندقية زوج أمها ثم يلتقي الاثنان ويبدآن في إطلاق النار العشوائي على السيارات.

فرغم الميل الشديد الذي أحسته “كارلا” تجاه “فيلكس”، استمرت في إرسال التكليفات إليه تطلب منه أمورًا أكثر دموية، فالفيلم يكرّس لفكرة جيل لا مُنتمٍ، لا يتسم بالعزلة أو الانغماس في ذاته أو التخفي خلف أجهزته اللوحية فقط، لكنه يحمل قدرًا هائلاً من التمرد والعنف والغضب العشوائي مثل عملية إطلاق النار على السيارات التي تؤدي إلى حادثة عنيفة ومطاردة شعبية تُختتم بمزيد من الدم والموت.

مشهد من الفيلم
لم يعُد لنا مكان في العالم

فيما بعد، وكما لقنته “كارلا” القدرة على القتل، يلقنها “فيلكس” أصول الانتحار السليم في عملية تبادل شاعرية غير مباشرة.

ويعيدنا مشهد تلقين “فيلكس” لحبيبته طرائق الانتحار الفعالة إلى ذلك الحلم الغرائبي الذي ترى فيه “كارلا” نفسها على شاطئ رمادي واسع وحولها حيتان ضخمة ميتة وتسير هي عارية وحيدة، وندرك أن هذا الحلم/ المستقبل المتخيل ما هو إلا المصير الذي تريد “كارلا” أن تصل إليه عبر اللعبة المميتة التي يعرف الجميع مسبقًا أن التكليف الأخير فيها، رقم 50، هو الانتحار.

ولكن “كارلا” لا تريد أن تذهب إلى هذا الشاطئ بمفردها، لهذا قررت أن تطلق التحدي من أجل أن تختار شريكًا لها أو رفيقًا يسير معها على هذا الشاطئ الأبدي، حيث ترقد كل الحيتان التي لم يعد لها مكان في العالم، كما تعتقد.

تأتي ذروة الصراع الخفي بين “فيلكس” و”كارلا” حين يكتشف “فيلكس” أنها الشخص المسؤول عن إرسال التكليفات إليه، ولكن السيناريو لا يتوقف أمام هذه اللحظة الميلودرامية، وإن كان يعتبرها لحظة تنوير بالنسبة إلى شخصية “فيلكس”، إلا أن الفيلم لا يأخذ تلك اللحظة إلى مواجهة عاطفية أو اتهام بالخيانة والخداع، صحيح أن “فيلكس” يتعرض لصدمة عاتية، لكنها صدمة المعرفة أكثر مما هي صدمة الشعور بالطعن من الخلف، فـ”كارلا” هي التي قادته لاكتشاف نفسه واكتشاف الطريق الذي يريد أن يمضي فيه، ورغم أنه لا يحلم مثلها بالشاطئ الذي ترقد فوقه الحيتان الميتة، يبدو كأنه ينتظر الذهاب إلى هناك.

هذا الانتظار الذي لا يكتمل يجعلنا ندرك لماذا أخذ “فيلكس” قرار المغاردة خلف “كارلا” في النهاية رغم المشهد الطويل الذي نراه في المستشفى وقد تعافى وأُنقذ من محاولة الانتحار، بل بدت كل إجاباته عن أسئلة الاختصاصية النفسية متزنة جدًّا وسوية.

هذا المشهد ينفي عن “فيلكس”، و”كارلا” بالتبيعة، تهمة المرض النفسي الذي يمكن أن يرفعها المتلقي كلافتة لما يعاونه، فالسيناريو يريد أن يقول إن هؤلاء الشباب لا يعانون أمراضًا نفسية أدت بهم إلى التحول إلى تلك الكائنات الدموية البغيضة ولكنهم ضحايا لواقع مجتمعي وأسري هو ما أنتج هذه الحيتان التي نراها ميتة على الشاطئ الغريب.

يعتبر “حوتان يلتقيان على الشاطئ”، الذي استطاع أن ينتزع جائزة أفضل سيناريو في مسابقة الدورة الثانية والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي (2- 10 ديسمبر/ كانون الأول) أشبه بصرخة دموية في وجه العالم الذي يتعرض فيه المراهقون لعملية طحن شعوري وإهمال عاطفي ونفسي ووجودي يحولهم في النهاية إلى تلك المسوخ المشوهة -كما نرى المعادل البصري في الجروح التي تملأ أجسامهم- والتي لا سبيل إلى إيقافها إلا بقتل المستقبل نفسه، لأن مراهقي اليوم هم أصحاب الغد وغيابهم عن المشهد الحياتي يعني أن تتوقف الشمس عن الاستيقاظ في اليوم التالي.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

نرمين يسر‎

كاتبة مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram