وجهات نظر

حياة الإنسانية على يد علماء الدين

“إن تدمير بلد لا يتطلب استعمال القنابل الذرية أو الصواريخ بعيدة المدى، يكفى تخفيض نوعية التربية والتعليم، والسماح بالغش فى الامتحانات، حينها سيموت المريض بين يدى الطبيب، وستنهار المبانى على يد المهندسين، وسيهدر المال على يد الاقتصاديين والمحاسبين، وستموت الإنسانية على يد علماء الدين، وستضيع العدالة على يد القضاة. إن انهيار التربية والتعليم كفيل بانهيار الأمة”.

قرأت هذه المقولة فى أكثر من مقال، أكد الجميع أنها موجودة على لافتة تتصدر مدخل جامعة فى جنوب إفريقيا، وتلخص هذه المقولة الضرر الكبير الذى يقع على الأفراد والمجتمعات نتيجة الغش فى الامتحانات، فشملت المقولة أضرارا ذات أبعاد إنسانية واقتصادية ودينية وتربوية وعلمية.

فمن الطبيعى أن تستوقف هذه المقولة الحكيمة الكتاب والمفكرين الذين يحذرون من خطورة الغش فى الامتحانات، والذى استوقفني على المستوى الشخصى هو أن يستهل إمام مسجد خطبة الجمعة بإلقاء المقولة على أسماع المصلين وربطها بتعاليم الإسلام التى تؤكد على ضرورة الالتزام بالأمانة فى السلوك والمعاملات، وعدم المساواة بين العالم والجاهل إعمالا بقول الله تعالى فى سورة الزمر، آية 9 :”قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون“.

ولأنى أعتبر نفسى من المهتمين بتجديد الخطاب الدينى، أوجه التحية لهذا الإمام الجليل الذى تنبه وبشكل جيد لضرورة معالجة بعض القضايا التى تبدو بسيطة فى نظر البعض، وربط هذه المقولة بمقاصد الشريعة بإسلوب غير مباشر إلى المصلين.

واستوقفتنى أيضا عبارة: وستموت الإنسانية على يد علماء الدين. فهذه الجملة كان لها أثر كبير على نفسى، فهى جملة تجعلنا نتدبر الواقع الدينى فى العالم الإسلامى!  هل سيأتى حقا اليوم الذى ستموت فيه الإنسانية على يد علماء الدين؟ ولكى لا يحدث ذلك، ما الذى يتعين على رجال الدين القيام به حتى يؤكدوا على دورهم الفاعل فى إحياء الإنسانية؟ وكيف تموت الإنسانية على يد رجال الدين الذى جاء لينظم العلاقات بين البشر بغض النظر عن معتقداتهم ليعيشوا فى سلام؟

تتطلب الإجابة عن هذه الأسئلة أن تقوم المؤسسات الدينية فى العالم الإسلامى بدراسة واقعية ميدانية تستهدف واقع المجتمعات الإسلامية واحتياجاتها من علماء الدين، وتتطلب أيضا التفكر مليا فى كيفية تطوير الأئمة وصقل مهاراتهم، ليس فقط فى مجال العلوم الدينية، ولكن أيضا فى مختلف المجالات الثقافية والحضارية والعلمية. وهذا أمر ليس بالهين، لأنه يستوجب دراسات علمية ترصد واقع المجتمعات الدينية وتقيس المستوى الفكرى لرجال الدين.

وتعد مثل هذه الدراسات التى يجب أن تكون مستمرة ضمانة للعالم الإسلامى للتصحيح المستمر للأفكار الغلط وتأمين الشباب من الوقوع فى براثن التطرف والمتطرفين وترسيخ الفكر الإنسانى فى أذهان البشر.

أ.د/ أسامة نبيل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنظر أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى