رياضة

حياة تحت الضغط.. لماذا لا يتوقف فرينكي دي يونج عن الابتسام؟

في عقلك الباطن، هناك صور نمطية حول الأشياء الإيجابية التي لا تتحقق إلا بالعناء، لذا لم تستطع منظمة الصحة العالمية إقناع العالم بأن غسل اليدين فقط هو السلاح الأهم في مواجهة فيروس كورونا

في السينما، معتاد أن يظهر مشهد يُصوّر لك البطل مضطربا: يضرب رأسه في الجدار.. يحاوطه الضجر.. يحاول لملمة الأوراق من حوله.. يسير في غرفته بخطوات مهتزة.. لا ينام ليلاً، وما حول عينيه استحال سوادا.. حياة عنوانها فقط المعاناة ولكن من أجل ماذا؟.. ستدرك دائما في نهاية المشهد بأنه من أجل تحقيق حلمٍ ما.

في عقلك الباطن، هناك صور نمطية حول الأشياء الإيجابية التي لا تتحقق إلا بالعناء، لذا لم تستطع منظمة الصحة العالمية إقناع العالم بأن غسل اليدين فقط هو السلاح الأهم في مواجهة فيروس كورونا، كونه فعلا في غاية السهولة، وكون الجائحة فتّاكة، فقد كان عليهم أن يخبروك بشيء أكثر صعوبة يشعرك بالمشقة التي ستعانيها لإنقاذ حياتك.

ولأن غسل اليدين يقي من فيروس كورونا، ومعزوفة موسيقية هادئة تمنحك طاقة أكبر لمواصلة يومك، تجد أن هناك مساحة مشتركة مُهملَة بين الاستمتاع والنجاح، وبين الأفعال المرغوبة وتحقيق الأحلام، تلك التي آمن بها “فرينكي دي يونج” فاستمتع بحياته منذ وُلد حتى حقق حلمه بالانتقال إلى برشلونة، أما ما بعده، فهو أيضا ما زال يستمتع.

عُطلة طفولية في برشلونة

عشرات اللاعبين تحدثوا من قبل عن أنهم كانوا يهربون من المدرسة لمشاهدة النادي الذي انضموا إليه، حتى أصبحت العبارة -رغم صدقها أحيانا- مثيرة للسخرية، كون التكرار والمبالغة كافيين لإفقاد الشيء معناه وجوهره، ولكن وسط هذه الادعاءات، هناك بالفعل من امتلكوا أحلاما منذ طفولتهم بارتداء قميص نادٍ دون غيره، والغريب أن هؤلاء لا يتحدثون طويلاً بتلك العبارات الغارقة في الرومانسية حين يحققون أحلامهم، بل يكتفون فقط بالتعبير عن مشاعرهم بكلمات بسيطة.

فرينكي دي يونج أحد هؤلاء، فالانضمام إلى صفوف برشلونة كان حلمه الأكبر، فحين لعب في مدرسته بهولندا، كان يوهان كرويف يحقق المجد في كتالونيا، الشيء الذي جعل أبناء جيله يتشاركون الرغبة ذاتها.

ربما اللقطة الأشهر له، والتي استخدمتها جماهير النادي الكتالوني إبان المفاوضات بين برشلونة وأياكس أمستردام، هي تلك التي ترجع لعام 2015، والتي يجلس فيها دي يونج بجوار صديقته في مدرجات الكامب نو، بابتسامة هادئة لا يعرف وجهه تعبيرا غيرها في كل الأوقات.

وقتها كان دي يونج 18 عاما، يحزم حقائبه من أجل الانتقال من نادي فيليم إلى أياكس، وفي عطلة نهاية الأسبوع قرر السفر رفقة صديقته لقضاء وقت لطيف، وحين علم أن ذلك الوقت يصادف مباراة يخوضها برشلونة على ملعبه، لم يجد مكانا لقضاء وقتٍ لطيف أفضل من الكامب نو.

القصة لم تبدأ هنا.. يحكي “دي يونج” أنه في طفولته كانت العطلة تعني الذهاب إلى كوستا برافا، وبرشلونة، وأخذ جولة في الملعب والمدينة: “أحبَّ كل شيء من هذه الجولات ومن حكايات أبناء بلدته الذين تألقوا بقميص البارسا، ولكن في 2015 كانت هذه هي المرة الأولى التي يشاهد فيها الفريق الكتالوني مباشرة.. الأمر تركه في لحظة تأمل، ولم يتخيل أن الأحلام تتحقق بهذه السرعة، وأنه في غضون أربع سنوات سيكون هنا كلاعب، وسيأتي أبناء بلدته في رحلات للاستمتاع بما يقدمه هو في كامب نو.

استمتع دائما

في عُرف كرة القدم، غالبا ما يكون اللاعب الذي يلتحم ويتعرق أكثر من غيره محبوبا أكثر من الجماهير، بل إن العديد من لاعبي هذه الفئة يتوه حجم موهبتهم بين تلك اللقطات، ويتم اختزالهم فقط في هذه الصور، كأرتورو فيدال مثلا، الذي نسي كثيرون أنه أحد أهم لاعبي الوسط وأكثرهم تكاملا في الألفية الجديدة، ولكن الجميع يتذكرونه دائما باللقطات العنيفة التي تُرضي غرور الجماهير وتشعرهم بأن اللاعب يشاركهم نفس المشاعر من كراهية للخسارة وانتماء مطلق للقميص الذي يرتديه.

“دي يونج” هادئ دائما، مبتسم، لا تحتاج إلى الكثير من الجهد لتدرك أنه يستمتع بما يفعل، كثير المخاطرة ولكنه ينظر إلى جانبها الإيجابي كمغامرة، يُمسك من حوله رؤوسهم من الترقب والقلق، ولكنه يظل يغامر طمعا في نتيجة يراها في خياله، ويؤمن أنها لو تحققت ستكون أكثر جمالا من أي شيء تقليدي يطالبه من حوله باللجوء إليه.

في أول مكالمة بينه وبين جوسيب بارتوميو، رئيس برشلونة السابق، أخبره دي يونج عن ماهية الحياة بالنسبة له، فقط أريد الاستمتاع بحياتي مع صديقتي، ولعب الكرة.

يحكي بيتر بوش، المدير الفني السابق لأياكس، أنه في واحدة من الحصص التدريبية الأولى لدي يونج، لعب فرينكي في قلب الدفاع للفريق الاحتياطي في مواجهة الفريق الأساسي، وبعدما تسلم الكرة من حارس مرمى فريقه عند منطقة الجزاء قام بخدعة راوغ بها 3 أو 4 لاعبين، حينها صرخ عليه “بوش” وطالبه بأن يكون أكثر جدية، موجها إليه سؤالا: هل كنت ستفعل ذلك إن كنت في مباراة رسمية؟ وقتها أجابه دي يونج: لم لا؟.. عبارة غير منتظرة بتاتا من لاعب كإجابة عن هذا السؤال، فما بالك بمن يتحسس خطواته الأولى كمحترف؟

في فيليم وأياكس طالما حذره المدربون من المخاطرة، في كل مرة يهز رأسه بالموافقة ثم يفعل ما يحلو له، دي يونج ليس عنيدا، لكنه يرى متعة فيما يفعل.

في كرة القدم قد تكون أسطورة وأنت لا تحب اللعبة، تؤديها كوظيفة فقط حتى وإن كنت مجيدا لها، باتيستوتا مثلاً قال إنه يشبه الموظّف الذي أنهى مرحلة في حياته ولم يعد يتذكرها، مؤكدا أن كرة القدم لم تكن بالنسبة له أكثر من مجرد وظيفة، وأنه لم يعد يهتم بها أو يتحدث حتى عن إنجازاته التي حققها بمجرد اعتزاله.

أما دي يونج، فيجد كرة القدم ممتعة إلى أبعد حد، كلما التقى بأخوته وأصدقائه يلعبون الكرة، في المنزل وفي أي مكان، هو دائم التحدث عن كرة القدم في الأوقات التي لا يلعب فيها، كونه يرى في اللعب متعته الأولى، ولكن إذا لم يحضر اللعب فلا بأس، ستحضر الكرة حتى ولو على سبيل الحديث.

ما وراء الضغط 

اليوم باتت كرة القدم تدور حول الضغط بأنواعه، سواء كانت الكرة في قدميك أو مع زميل أو مع الخصم.. أنت عرضة للضغط وبمراقبة مناطق الخصم، وإذا كنت لاعب محور فإن الأمر يصبح وظيفتك الأساسية إن جاز التعبير، ويصبح الأهم من كيف تضغط؟ هو ماذا تفعل للخروج من تحت الضغط؟.. لكن حين واجه “جريزمان” دي يونج في أول مباراة دولية يمثل فيها المنتخب الهولندي، قال بعد المباراة إن دي يونج كأفضل لاعب واجهه على الإطلاق، مؤكدا أنه حاول مرارًا وضعه تحت الضغط، لكنه لم ينجح في ذلك قط.

للإجابة عن سؤال كيف تخرج من تحت الضغط؟.. يمنحك دي يونج خيارات عدة، كلها بالطبع تبدأ من مخاطرة اعتادها في مراهقته ولم تغب عنه كليا، هي فقط أصبحت أكثر نضجا، مثله تماما كلاعب.

الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط والخروج بها حتى مع غلق زوايا التمرير، التسلم في حالة حركة، اللعب من لمسة واحدة خيار متاح إضافة إلى المراوغة بسلاسة، إبقاء الكرة بين قدميه لفترة أطول تسمح له بخلق موقف أفضلية، المهم أن يتم الخروج بالكرة بالطريقة المثلى، حتى إن استدعى الأمر مراوغة للاعبين أو أكثر في منطقة متأخرة من الملعب، تماما كما فعل في الحصة التدريبية حين صرخ بيتر بوش فيه.

بالتدريج، تحسّن دي يونج دفاعيا، وباتت الرغبة في استعادة الاستحواذ تساوي بالنسبة إليه الرغبة في عدم خسارة الكرة، اللعب كقلب دفاع لفترات مع أياكس أكسبه القدرة على أداء دور المدافع في أماكن متقدمة من الملعب، ومع المزيد من الخبرة اكتسب المزيد من الشراسة، لقد اعتاد أداء الدور الدفاعي منذ بزوغ نجمه مع أياكس.

يكفي أن معدل استعادته الكرة والاعتراضات في موسمه الأخير مع أياكس وصل إلى 3.42 في المباراة الواحدة، وارتفع لنحو الضعف في موسمه الأول مع برشلونة ليصل إلى 6.02، وفي الموسم الحالي توقف عند 5.8 للمباراة الواحدة.

إمعان النظر في الإحصاءات، يجعلنا نجد أنفسنا أمام تراجع طفيف في بعض أرقام دي يونج الدفاعية خلال الموسم الحالي وارتفاع قليل في بعضها الآخر، الأمر الذي ظهر في معدل استعادة الكرات، أما نسبة فوزه بالثنائيات ارتفعت من 5.05 إلى 5.73 بالمباراة الواحدة، الأمر ذاته على مستوى اعتراض مسار تمرير الكرة “interception” من 1.03 إلى 1.35، كلها أرقام مجردة حتى الآن، ولكن بالانتقال إلى التغيير الذي حدث في مركزه بداية من هذا الموسم لن تصبح كذلك.

أمام الكرة وخلفها

اعتاد دي يونج اللعب خلف الكرة وأمام الدفاع، وأن يكون اللاعب رقم 6، ولكنه في الموسم الحالي لعب دورا جديدا، هو ليس جديدا عليه بنسبة 100%، حيث حاول كيكي سيتين تطويعه في مركز خط الوسط خلال النصف الثاني من موسم 2020، الأمر الذي قابله مدربه السابق في أياكس تين هاج بالهجوم معتبراً أن هذا الدور ليس هو المناسب لفرينكي، ولكنه تحت قيادة كومان وفي رسم تكتيكي مغاير أثبت العكس تماما.

كومان طبق الـ 4/2/3/1 التي اعتمدها مع هولندا بوضع دي يونج في مركز متقدم نسبيا كمحور وسط على اليمين، الأمر الذي منحه الفرصة للتقدم أكثر إلى الأمام، التمركز في الثلث الأخير من الملعب، الوجود في منتصف ملعب الخصم لفترات أطول من الوجود في منتصف ملعبه، دخول منطقة الجزاء كمهاجمٍ ثانٍ في كثير من الأحيان وتسجيل الأهداف، الأمر الذي لم يكن يمنحه الاهتمام الكافي في الماضي، ولكن على ما يبدو فإنه وجد فيه المتعة المنشودة وقرر وفقا للتكتيك والخطط أن يذوق منه من حين لآخر.

اللعب أمام الكرة بجودة مماثلة للعب خلفها، كانت تلك هي المعادلة التي ظن كثيرون أنها لن تأتي بنتائج إيجابية، فرينكي يمنحك انطباعا بأنه خُلق للعب خلف الكرة فقط، للبناء من الخلف والخروج بالكرة ومجابهة الضغط وإرسال الكرات الطولية وخلق المساحات، لكن أن يتحول في بعض الأحيان إلى متوسط ميدان متقدم فهذا كان يحتاج نظريا للاعبين بمواصفات مغايرة، يكفي أن تين هاج، الذي ظهر معه دي يونج بالنسخة الأفضل حتى قبل بداية الموسم الحالي، كان يرى ذلك.

لا يتقدم دي يونج إلى منتصف ملعب الخصم بالكرة فقط، بل يُلاحظ أنه بات يتقدم أكثر حتى والكرة ليست في حوزة فريقه، الاعتراضات وتكرار الضغط في منتصف ملعب الخصم بات أمرا لافتا، ولم يعد مقتصرا على ما يقوم به أمام خط دفاعه.. وأخيرًا، الميل إلى اليمين أو اليسار يجعل دي يونج قادرا على تشكيل ثنائية مميزة مع الظهير، يمنحه الأمان للتقدم والحل الإضافي للخروج بالكرة ومواجهة الضغط، مواصفات دي يونج تجعل الأمر مفيدا في الحالة الهجومية والدفاعية، الأمر الذي قد لا يأخذ حقه خلف الإشادات التي يأخذها الظهير الجديد سيرجينو جياني ديست.

تحقيق الأحلام يمر حتما بهذه التفاصيل المرهقة، تلك التي تخبئ بداخلها متعة المغامرة والتجربة والمقامرة عكس التيار أحيانا، لذا ليس شرطا أن تترك المتعة وتسير في الاتجاه المعاكس.

دي يونج لا يمكنه أن يعاني أو يفعل ما لا يحبه، وجهه يخبرك بذلك دائما. في كل مرة يبتسم فيها غير مبالٍ بأعباء الحياة، وفي كل مرة يتذكر فيها أنه خُلق ليستمتع بالحياة مع صديقته وكرة القدم. 

يوسف حمدي

كاتب رياضي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى