حيرة "الجبرتي"

ولع بالغزاة وعقاب من الوالي

استبقى الشيخ “المرتضى الزبيدي” تلميذه “عبدالرحمن الجبرتي”، بعد انتهاء درس الحديث، وما أن انصرف الحضور، حتى فاتح “الزبيدي” تلميذه النجيب في أمر أراد أن يساعده فيه، وهو إعداد كتاب يترجم لأعلام العصر.

على الفور وافق التلميذ المحبّ لأستاذه، وأقبل “الجبرتي” يجمع الأخبار مع شيخه، إلى أن توفي “الزبيدي”، فأهمل “عبدالرحمن” الأمر، وانشغل بإدارة أملاك ورثها عن والده، لكن القدر لم يعفه من مهمة كلفه بها أستاذه فاستعاده لها ثانية، ليصبح أهم مؤرخ في تاريخنا الحديث.

دخول الفرنسيين مصر حفّز “الجبرتي” للعودة إلى جمع الأخبار ورصد الوقائع، وإن طاف قبلها البلاد يتعرف على أحوال أهلها ويتصل بعلمائها وأعيانها، ويسجّل ما عنّ له أن يسجله، ثم فاجأته الحملة الفرنسية، وهو على هذه الحال.

لم يُخفِ “الجبرتي” إعجابه بالفرنسيين منذ مواجهتهم الأولى مع المماليك في معركة الأهرام، مسجلًا أحداثها في تدوينات أفاض فيها بمشاهداته عن الجيش الفرنسي وخططه ومعداته العسكرية، وعن أساليب إدارته للبلاد، وما أحضره الفرنسيون معهم من علوم ومعارف وآلات وأجهزة حديثة.

أدرك “الجبرتي” كما دوّن أنه بإزاء “حضارة أرقى من حضارة الترك والمماليك، لا في مقوماتها المادية فحسب؛ بل في قيمها ونظمها السياسية أيضا”، فصرف نفسه إلى تسجيل حوادث الحملة، وجمع أخبارها، والاتصال برجالها وعلمائها، مُنحّيًا عاطفته الوطنية جانبًا، مستغرقًا بكليته في هذا العالم الجديد.

في البداية، هرب “عبدالرحمن” مع العلماء الفارين من وجه الجيش الفرنسي عند دخوله القاهرة، وتتباين الروايات بعدها، فمنها ما يشير إلى أن “نابليون” عينه في الديوان مع كبار العلماء العائدين بعد تطمينه لهم، ومنها ما يؤكد أنه لم يعين في الديوان إلا بعد تولي الجنرال “مينو” قيادة الحملة، وإن كانت الرواية الثانية الأقرب للصحة.

بعد عودته للقاهرة، سارع “الجبرتي” إلى أبواب هذا العالم الجديد يطرقها، فأجابه الفرنسيون عن كل ما رغب في معرفته وفق شهادته، حيث تكررت زياراته للمجمع العلمي الذي أنشأه الفرنسيون فور استقرارهم، واصفًا أقسامه وقاعاته وأروقته، وما احتواه من أجهزة وآلات ومكتبة عامرة بالمؤلفات في شتى المجالات.

ولم يكتفِ “الجبرتي” بالتنقل بين أقسام وقاعات المجمع العلمي فحسب، بل دلف إلى أروقة السلطة مدوِّنًا أساليب إدارة الفرنسيين للبلاد وسياستهم المالية ونظامهم القضائي، إلى جانب رصده مختلفَ جوانب حياتهم الاجتماعية، ليطبع كل هذا بطابع التقدير والإعجاب، وليجري مقارنات بين مشاهداته تلك وما ألف عليه الترك والمماليك، فرجحت كفة الفرنسيين.

لهذا السبب لم يتحمس مؤرخنا إلى ثورة القاهرة الأولى (20 أكتوبر 1798)، ولا للثانية (20 مارس 1800)، لما عاينه من تفوق الفرنسيين، وما ارتآه من كون مقاومتهم لا طائل منها، وإن لم يمنعه ذلك من رصد شناعات ارتكبها الجيش النابولويني ضد أهالي القاهرة الثائرة.

سجّل “الجبرتي” حوادث الحملة بموضوعية ودقة ميزت كامل كتابه الخالد “عجائب الآثار في التراجم والأخبار”، لكن بعد جمعه لكل ما دونه في تلك الحقبة المفصلية من تاريخ مصر الحديث، وبعيد رحيل الفرنسيين عن مصر وعودة العثمانيين؛ أخرج “الجبرتي” كتابًا صغيرًا أسماه “مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس”.

الراجح أن “الجبرتي” اجتزأه من “عجائب الآثار..”، وشحنه بكثير من الشتائم والسباب للفرنسيين، وضم فقرات في مدح الوزير العثماني “يوسف باشا” ورجال دولته، مستبعدًا كثيرًا من يومياته عن هذه الفترة.

وتحوي اليوميات فقرات تتحدث عن الفرنسيين ونظمهم، وعلومهم، وقوانينهم، وأخرى خاصة بتصرفات الجند العثمانيين وأفعالهم الهمجية، كان أوردها بــ”عجائب الآثار”، ليهدي الكتاب الصغير “المُنقّح” إلى الوزير العثماني اتقاءً لشر قد يُصيبه، ولحق غيره، بتهمة التعاون مع الجيش الأوروبي.

رحل الفرنسيون، ورحل العثمانيون، وبقي “محمد علي”، أو استبقاه الشعب، ليستمر “الجبرتي” في كتابة يومياته عن عصر جديد يسيره رجل اكتسب مؤرخنا عداوته حينما رفض وضع كتاب يُمجّد أعمال الحاكم العثماني، مدونًا حوادث ووقائع عهده مصحوبة بالنقد العنيف، وإن لم يمنعه ذلك من الاعتراف بما كان لمؤسس مصر الحديثة من مواهب.

فذكر “الجبرتي” في “عجائب الآثار” أن “محمد علي”: “له مندوحة لم تكن لغيره من ملوك هذه الأزمان، فلو وفقه الله لشيء من العدالة على ما فيه من العزم والرياسة والشهامة والتدبير والمطاولة، لكان أعجوبة زمانه وفريد أوانه”.

وكما اعترف “الجبرتي” لـ”محمد علي” بمواهبه، اعترف “محمد علي” للجبرتي بقيمته، فلم يهمل الوالي شأن مؤرخنا ليتركه وما يكتب؛ إذ خشي من آراء نقدية حملها “عجائب الآثار” وتداولها العلماء فيما بينهم.

ولم يعفِ الجبرتي أنه لم يجاهر يومًا بمعارضة الحكم الجديد، وما هي إلا بضعة أسطر يسجلها في يومياته، لهذا فقبل أن يجيب “محمد علي” نداء حقده حاول استمالة المؤرخ الكبير مرارًا، فلما لم يوفق، دبّر الوالي مع صهره “محمد بك الدفتردار” مقتل ابن الجبرتي “خليل”. 

وبفقدانه تحقق لـ”محمد علي” ما أراد؛ ففقد شيخ المؤرخين كل رغبة في الكتابة، وظل يبكي ابنه حتى فقد البصر، ليرحل عن الحياة عام (1822) بعد وفاة الابن بثلاث سنوات مخلفًا أهم سِفر للتاريخ في العصر الحديث “عجائب الآثار في التراجم والأخبار”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

Mohamed.altanawy1@gmail.com

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search