سياسة

حي الشيخ جراح.. أحدث صيحات إسرائيل في التهجير القسري

لليوم الـ11 على التوالي، يشهد حي الشيخ جراح بمدينة القدس المحتلة، اضطرابات جراء مواجهات بين مستوطنين يهود وفلسطينيون يواجهون خطر الإجلاء من منازلهم المقامة على أراض يطالب بها المستوطنون الذين يتحركون تحت حماية قوات جيش الاحتلال.

وخلال الاشتباكات أصيب أكثر من 200 فلسطيني في المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، بعد أن استخدمت قوات الاحتلال الرصاص المطاطي والقنابل الصاعقة. وجراء ذلك أقامت منظمة الهلال الأحمر مستشفى ميداني بعد امتلاء المستشفيات المحلية بالمصابين.

اقرأ أيضًا: خاص| رئيس “الاستقلال الفلسطيني”: اتفاقات “التطبيع” لا تعوق ترتيب علاقاتنا العربية

أصل حكاية حي الشيخ جراح

يقع حي الشيخ جراح خارج أسوار البلدة القديمة، بالقرب من باب العامود في منطقة تضم عدد من المنازل والفنادق والمطاعم والقنصليات.

وفي خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي عام 1967، احتلت إسرائيل القدس الشرقية التي كانت خاضعة لإدارة الحكم الأردني آنذاك.

ووضع مستوطنون يهود أيديهم على منازل في الحي استنادًا إلى أحكام قضائية إسرائيلية، بدعوى أن عائلات يهودية عاشت في المكان قبل حرب النكبة 1948، وفقًا لما نقتله وكالة فرانس برس.

وبحسب الوكالة الفرنسية، أقام الأردن في حي الشيخ جراح مساكن لإيواء الفلسطينيين المهجرين عام 1948. وبحسب وثائق نشرتها وزارة الخارجية الأردنية، فهناك 28 عائلة في حي الشيخ جراح هُجرت بسبب النكبة.

حي الشيخ جراح
جدارية من حي الشيخ جراح

وبدأت معاناة سكان الشيخ جراح عام 1972 حينما زعمت لجنتين يهوديتين (لجنة اليهود السفارديم ولجنة كنيست إسرائيل التي تمثل الأشكنازيم)، أنهما كانتا تمتلكان أرض الحي.

وفي يوليو من نفس العام، طلبتا من القضاء الإسرائيلي إجلاء أربع عائلات من منازلها في الحي، بزعم “الاعتداء على أملاك الغير دون وجه حق”.

حدث ذلك بعد أن سنت السلطات الإسرائيلية قوانين تنص على أن اليهود الذين فقدوا ممتلكاتهم في القدس الشرقية بعيد عام 1948، يمكنهم استردادها مرة أخرى.

يذكر أن قانون “أملاك الغائبين” الإسرائيلي، الصادر عام 1950، لا يسمح للفلسطينيين الذين فقدوا ممتلكاتهم عام 1948 باستعادتها مرة أخرى، كما يسمح القانون بنقل الأصول إلى ملكية دولة الاحتلال الإسرائيلي.

حي الشيخ جراح

  • بلدة مقدسية – فلسطينية تتبع محافظة القدس.
  • تقع في الجانب الشرقي لمدينة القدس.
  • سميت على اسم حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي، طبيب صلاح الدين الأيوبي.
  • يُهدد الحي الآن بمخطط إسرائيلي يتضمن بناء 200 وحدة استيطانية يهودية.
  • أُنشئ الحي بصورته الحالية عام 1956 بموجب اتفاقية وقعت بين وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والحكومة الأردنية.
  • استوعب آنذاك 28 عائلة فلسطينية هُجّرت من أراضيها المحتلة عام 1948.

اشتعال الأوضاع في القدس

بدأت الأمور تتصاعد في حي الشيخ جراح قبل حوالي 10 أيام، عندما هتف مستوطنون في وجه الفلسطينيين: “عودوا إلى الأردن”، ليرد عليهم الفلسطينيون بهتاف “عنصريون” و”مافيا”.

على إثر ذلك، بدأت شرطة الاحتلال الإسرائيلي الانتشارَ في أرجاء الحي، واعتقال فلسطينيين، واستخدام العنف لتفريق حشود المتظاهرين المقدسيين باستخدام خراطيم المياه والرصاص المطاطي والقنابل الصاعقة.

وفي تطور لاحق، مساء أمس الجمعة، أصيب 205 من الفلسطينيين على الأقل، بسبب اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي في المسجد الأقصى والشيخ جراح وباب العامود. وأغلقت قوات الاحتلال المصلى القبلي بالسلاسل الحديدية بعد اقتحامه وإطلاق قنابل الصوت على المصلين.

ورفضت قوات الاحتلال الإسرائيلي إخراج المصابين من داخل المسجد، الذين كان من بينهم أطفال وكبار سن، بحسب ما ذكرت وكالة “معًا” الفلسطينية، التي قالت إن حالة من الذعر سادت نتيجة “القمع الوحشي” لقوات الاحتلال الإسرائيلي.

مواجهات بساحات المسجد الأقصى
مواجهات بساحات المسجد الأقصى

واقتحمت قوات الاحتلال غرفة الأذان في المسجد الأقصى، وقطعت أسلاك السماعات لمنع التواصل مع المصلين داخل باحات المسجد.

في نفس الوقت، ناشدت مساجد القدس المحتلة المواطنين بالتوجه إلى الأقصى للمشاركة في نقل الجرحى بعد منع الاحتلال الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف من الوصول.

كما اعتدت قوات الاحتلال على الصحفيين لمنعهم من نقل ما يحدث، وأصيب عدد منهم جراء ذلك. كما أجبر الاحتلال المصلين على الخروج من المسجد بالقوة، بعد اقتحام أكثر من 200 عنصر من شرطة الاحتلال باحات المسجد والمصليات المسقوفة، واحتجاز أعداد كبيرة من المصلين داخل المصلى القبلي.

اقرأ أيضًا: خاص| متحدث خارجية أمريكا: ندعم حل الدولتين لقضية فلسطين.. وسنتعامل مع الصين “من موقع قوة”

تخوفات إسرائيلية

تناولت صحف إسرائيلية “التخوفات” التي أصابت المنظومة الأمنية الإسرائيلية جراء ما يحدث، فنقلت صحيفة “معاريف” العبرية عن الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أنه في أعقاب تلك التوترات والاشتباكات التي وصفها بالعنيفة، أن رئيس الأركان أفيف كوخافي، أمر بإرسال تعزيزات أمنية خوفًا من التصعيد.

جاء ذلك بعد أن كشفت الصحيفة، مساء أمس الجمعة، عن مخاوف لدى جهاز الأمن العام الإسرائيلي من حدوث تصعيد في قطاع غزة على إثر ما يحدث في حي الشيخ جراح.

جريمة حرب

وتوالت ردود الأفعال الدولية “الشفهية”، التي أدانت الممارسات الإسرائيلية في القدس المحتلة، إذ أعلنت مفوضیة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أمس الجمعة، أن ما ممارسات إسرائيل بحق أهالي الشيخ جراح قد ترقى إلى “جرائم الحرب”.

وأكد روبرت كولفيل، المتحدث الإعلامي باسم مفوضية حقوق الإنسان أن القدس الشرقیة “لا تزال جزءًا من الأراضي الفلسطینیة المحتلة ویسري علیھا القانون الدولي الإنساني”.

وفي مؤتمر صحفي، شدد كولفيل على ضرورة احترام سلطات الاحتلال للممتلكات الخاصة في الأراضي المحتلة، لا سيّما وأنها “محمية من المصادرة”.

يعني ذلك أنه ليس بإمكان إسرائيل “فرض مجموعة قوانین خاصة بھا في الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس الشرقیة لطرد الفلسطینیین من منازلھم”، كما قال متحدث المفوضية السامية لحقوق الإنسان.

هجوم مستوطنين على فلسطينيين أثناء الإفطار في رمضان
هجوم مستوطنين على فلسطينيين أثناء الإفطار في رمضان

واعتبر كولفیل أن عملیات الإخلاء القسري التي تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، تعد “خرقًا وانتهاكًا خطيرًا” لاتفاقية جنيف الرابعة.

وتنص اتفاقية جنيف الرابعة على عدة بنود لحماية الأشخاص المدنيين في أوقات الحرب، من بينها عدم الترحيل القسري للمدنيين من مساكنهم “أيًا كانت دواعيه”.

لذلك، دعا الناطق باسم المفوضية السامية لحقوق الإنسان، الاحتلال الإسرائيلي، إلى “الوقف الفوري لجمیع عملیات الإخلاء القسري ومراجعة القانونین التي تستعملھما سلطات الاحتلال، كي تتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان”.

قلق أمريكي

من جانبها، أعربت وزارة الخارجية الأمريكية عن قلق بلادها “البالغ” جراء المواجهات الواقعة في القدس.

وفي بيان لها، قالت الخارجية الأمريكية إن “إراقة الدماء مقلق بشكل خاص الآن في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، ويشمل ذلك هجوم الجمعة على الجنود الإسرائيليين وهجمات دفع الثمن على الفلسطينيين في الضفة الغربية والتي ندينها بعبارات لا لبس فيها”.

فيما طالبت كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بتعليق بناء مستوطنات جديدة فى الضفة الغربية المحتلة، على خلفية استيلاء مستوطنين يهود على منازل فلسطينيين في حي الشيخ جراح.

3 سيناريوهات محتملة

من جانبه، طرح أحمد رفيق، أستاذ الإعلام والعلوم السياسية بجامعة القدس، ثلاث سيناريوهات لأحداث حي الشيخ جراح:

  1. تراجع إسرائيل عن ممارساتها الحالية من الإخلاء القسري لسكان الشيخ جراح، ومن منع الفلسطينيين عن أداء شعائرهم.
  2. التصعيد الشعبي، ليس في القدس فقط، لكن أيضًا في الضفة الغربية ومناطق 1948، وفي غزة كذلك، خاصة وأن فصائل فلسطينية في قطاع غزة، أطلقت تهديدات.
  3. قد يتحول الأمر إلى السيناريو الثالث المتمثل في الاشتباك المسلح.

وفي حديثه لـ”ذات مصر”، وصف أستاذ العلوم السياسية ما يحدث بـ”الاختبار للجميع”، موضحًا: “اختبار للنظام السياسي الفلسطيني وللفصائل وللعرب والمسلمين، لأن ما يجري غير طبيعي وغير إنساني”، معتبرًا أن نجاح الاحتلال الإسرائيلي في طرد الفلسطينيين من القدس بداية من الشيخ جراح، يعني أنه “سيطردهم في كل الأماكن الباقية رام الله ونابلس وكل مدينة”.

كما تطرق رفيق إلى التحركات الدولية، واصفًا إياها بـ”منخفضة الوتيرة”، وبأن هناك “نفاق سياسي ومساواة بين الضحية والجلاد”، على حد تعبيره، مشيرًا إلى أن إسرائيل “ما زالت قادرة على كبح بعض الانتقاد حتى لو كان قويًا”.

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى