فنمختارات

خارطة الخوف.. “ما رواء الطبيعة”.. رعبٌ يستجدي الشفقة

 

بدأ أدب الرعب في البزوغ في القرن الثامن عشر على يد الكاتب الإنجليزي هورس والبول، وروايته “قلعة أوترانتو” ذات الطابع القوطي، ثم تلاه عدد من الكتاب على نفس المنوال، منهم الكاتب الأمريكي إدجار ألان بو، الذي أضاف إلى قصصه المرعبة بعدًا نفسيًّا، ثم المؤسس الأول لشخصية “دراكولا” الكاتب الإيرلندي برام ستكور، وصولاً إلى القرن العشرين، إذ تربع ستيفن كينج على عرش أدب الرعب في أمريكا.

في أثناء ذلك لم يكن قد ظهر في عالمنا العربي عمل أدبي واحد في مجال أدب الرعب، حتى أصدر الدكتور أحمد خالد توفيق سلسلة “ما وراء الطبيعة” في تسعينات القرن الماضي، ليكون هو مؤسس أدب الرعب في مصر والعالم العربي.

وكانت للصورة تجربة أكثر حدة في تناول أدب الرعب، فمشاهدة أفلام الرعب لها وقع أكبر وتأثير أكثر فاعلية في إيصال المتلقي إلى حالة من الخوف والترقب لما هو آتٍ، ورغم ذلك لم تشهد السينما المصرية سوى أعمال قليلة في مجال الرعب.

حتى إن فكرة تحويل روايات الأب الروحي لأدب الرعب في الوطن العربي، جاءت متأخرة، كأنها كانت تنتظر موت العراب أولاً، ليصدر لنا مسلسل “ما وراء الطبيعة”، إنتاج نيتفليكس 2020، بطولة أحمد أمين، ومن إخراج عمرو سلامة وماجد الأنصاري، فظهر في صورة مبشرة، تمكننا من القول بثقة إنها بداية جديدة لظهور أعمال سينمائية وتليفزيونية في مجال الرعب على الطراز الحديث، بالضبط كما انبثق عشرات كتاب أدب الرعب من تحت عباءة العراب.

فيلم الرعب الأمريكي sinister

نمطان من الرعب.. نخاف أم نتأمل؟

هناك نوعان من الرعب: الأول رعب مزيف، غير حقيقي، قد يجعل المتلقي يقفز من مقعده من الفزع، ولكنه لن يجعله يشعر بغُصَّة حقيقية في قلبه، ولن ترتعد فرائصه. هذا النوع من الرعب يعتمد على المفاجآت المزيفة، التي تصدم البطل، فيتفاجأ لها المتلقي بدوره، وقد يقفز من مكانه بسبب المؤثرات الصوتية المرعبة المصاحبة للمشهد، ولكن كثيرًا ما تكون تلك المفاجآت مزيفة، ولا ينبغي أن نخاف منها في الحقيقة، بل أن نتأمل الموقف.

يعتبر فيلم “التعويذة”، بطولة محمود ياسين ويسرا، وإخراج محمد شبل، من أكثر الأفلام التي اعتمدت على الرعب المزيف، فعادة ما كانت تحدث أمور تبدو غير طبيعية، لا تدعو للخوف، بقدر ما كانت تدعو للوقوف والتأمل، فمشاهد مثل نزول الدماء من دش الاستحمام، أو أن هناك خطبًا ما في السيارة، أو أن النيران تشتعل في البيت من تلقاء نفسها، أو أن الكرة تتحرك دون أن يلمسها أحد، أو أن هناك بعض الأشياء التي تتحرك وتغير من مواضعها… الملاحظ هنا أن كل تلك الأحداث لا تضع أيًّا من الأبطال في خطر حقيقي.

والإنسان يُصاب بالرعب عندما تتعرض حياته للخطر؛ فالخوف يتعلق دائمًا بفكرة الموت، أو العذاب بدنيًّا كان أم نفسيًّا، ولكن حدوث مثل تلك الأمور لا ينبغي لها أن تجعل الإنسان يخاف، بل يتأمل، وبالفعل قد توجد شخصية ما في العمل دائمًا لديها تفسيرات منطقية لما يحدث، فلا يعقل أن هناك قوى غير طبيعية قررت أن تلعب وتلهو معنا، ولا تؤذينا مباشرة.

أما النوع الثاني، فهو الرعب الحقيقي الذي ينبغي أن يشعر به الأبطال والمتلقون معًا، لأن حياتهم في خطر مستمر. إنهم على الحافة، ويتخيل المتلقون أنفسهم لو كانوا مكانهم، فتصيبهم القشعريرة وتسري في أجسادهم، يقعدون متربصين، متوجسين خيفة مما هو آتٍ، ويتمنون من قلوبهم أن يستطيع الأبطال النجاة بأنفسهم.

قصة مُرعبة بكل المقاييس

من أقوى الأمثلة على هذا النوع من الرعب هو فيلم الرعب الأمريكي sinister إنتاج 2012 بطولة إيثان هوك وإخراج سكوت ديريكسون. يتناول الفيلم قضية مرعبة بكل المقاييس، تهدد حياة عائلات بكاملها، بل تقتلهم بالفعل بطرائق وحشية، ويحكي الفيلم عن كاتب قرر أن ينتقل إلى منزل حدثت فيه حادثة قتل جماعي للعائلة التي كانت تسكنه، فيستلهم من بيتهم القصة التي سيكتبها عنهم، ولكن هناك يكتشف الكاتب أمورًا في غاية الغرابة والرعب، تهدد حياته وعائلته، وقد لا يستطيع الهرب.

حصد فيلم sinister المركز الأول لأكثر الأفلام رعبًا على الإطلاق من الناحية العلمية، فقد أجرى موقع broadbandchoices تجربة علمية خلال سبتمبر/ أيلول 2020 على 50 شخصًا، ليشاهدوا 120 ساعة من الأفلام المرعبة، التي اعتمدها النقاد، سواء أكانت حديثة أم كلاسيكية، مع توصيلهم بأجهزة تقيس معدل ضربات القلب خلال المشاهدة، فكان لفيلم sinister أعلى نصيب من ضربات القلب بمتوسط 86 دقة في الدقيقة، وبذروة وصلت إلى 131 دقة في الدقيقة.

وبالنظر إلى مسلسل “ما وراء الطبيعة” من هذه الزاوية، فقد نجح إلى حد كبير في جعل الرعب منصبًّا دائمًا في الخوف من الموت المحقق، ليس هناك مجال لقوى خارقة تفعل الألاعيب، بل دائمًا ما تهدد شرورهم من النيل من الأبطال، فتجعلهم يقفزون من أعلى المنازل دون إرادة (حلقة البيت)، أو تتلبسهم وتنال منهم تمامًا (حلقة النداهة)، أو تقتلهم في الكابوس فيموتون في الواقع (حلقة الجاثوم)، أو تبيدهم مباشرة (حلقة الكهف)، أو تنال من البشرية كلها (حلقة لعنة الفرعون).

فيلم The Exorcist إنتاج 1973

رعب موجّه وآخر خالص

ثمة أفلام مرعبة، ولكنها لا تناقش قضية معينة، إنه رعب من أجل الرعب، رعب خالص، خالية من أي تأويلات أو إسقاطات أو رموز، ومن أشهر الأفلام الكلاسيكية ذات الرعب الخالص فيلم The Exorcist إنتاج 1973، الذي يناقش تلبس الشيطان لفتاة صغيرة، ومحاولة الراهب أن يطرد تلك الروح الشريرة من جسدها.

وأما عن الأفلام الحديثة، فيكمننا إضافة sinister لتلك الفئة، بجانب الأفلام التي حازت على المراكز الثاني والثالث والرابع والخامس على التوالي في التجربة العلمية سالفة الذكر، وهم:

2:Insidious – 3:The conjuring – 4:Herediatary – 5:Paranormal Activity

وهناك أفلام أخرى تحيل إلى قضية ما، تعبر بها بطريقة مرعبة، وهنا يأتي الفيلم الذي يحتل المركز السادس بالتجربة، وهو: It Follows إنتاج 2014. يتناول الفيلم فكرة مريبة، فعندما مارس أحدهم الجنس مع البطلة، بدأ يتابعها أشخاص مجاهيل لهم مظهر مريض وبائس، يتوجهون ناحيتها ببطء أينما ذهبت، وإن لحقوا بها سيأكلونها.

علمتْ لاحقًا أنه فعل معها هذا الأمر كي يتخلص من أزمته، لأنه مر بنفس التجربة، وعرف أن هؤلاء سيتركونه في حاله ولو مؤقتًا، إن مُرِرَ الخطر إلى آخرين، فباتت البطلة تفكر في ممارسة الجنس مع أي أحد كي يتركها الذين يتتبعونها في حالها، وهكذا… يحيل الفيلم إلى قضية الأمراض البيولوجية الناتجة عن كثرة استخدام الجنس بنحو غير صحي، والعواقب المجتمعية الوخيمة الناجمة عن ذلك.

أما “ما وراء الطبيعة”  فلم نجد فيه قضية ما، إنه رعب من أجل الرعب، وإثارة من أجل الإثارة، حتى وإن تخللت المسلسل أفكار درامية، تراجيدية، رومانسية، فهي مجرد قوالب تثري الحكاية، لا تشير إلى قضية معينة يمكننا أن نقول بثقة إن المسلسل يناقشها، ولكن هذا ليس بنقطة ضعف للمسلسل، فليس من الضروري أن يصاحب الرعب رمز أو معنى بعيد.

فيلم friday the 13th إنتاج 1980

أشرار بحاجة إلى الشفقة

هناك أفلام يكون الشخص الشرير فيها هو شرير في ذاته، إنه يفعل الشر ويتلذذ به، ويكون البطل مطالَبًا بمواجهته في النهاية والقضاء عليه. من هذه الأفلام: It – Get out – Orphan – scream وعلى العكس، فمن التيمات المشهورة في أفلام الرعب، أن يكون الشرير ليس شريرًا بذاته، ولكنه تعرض لقهر شديد أودى بحياته، فتقرر روحه الانتقام من أي شخص يقترب منه، ولكن حين يفطن البطل إلى تاريخ الشخص الشرير، فيشفق عليه، ويساعده، تهدأ الروح الشريرة، وتنام في سلام أبدي.

وأشهر نموذج كلاسيكي لهذه التيمة هو فيلم friday the 13th  إنتاج 1980، ومن الأفلام الحديثة المشهورة The Ring إنتاج 2002.

ومن الجلي أن “ما وراء الطبيعة” قد تأثر بتلك التيمة بقدر بالغ، وبخاصة فيلم The Ring الذي نجد تشابها قريبًا بينه وبين ما حدث مع “شيراز” إحدى الشخصيات الشريرة الرئيسة في المسلسل، التي نكتشف في النهاية أنها ضحية.

مشهد من مسلسل ما وراء الطبيعة

بل إن جميع شخصيات المسلسل الشريرة تقريبًا هي في الحقيقة ليست شريرة في ذاتها، ففي كل مرة يكتشف رفعت إسماعيل أن تلك الكائنات أو الأرواح هي بحاجة إلى المساعدة، كي تبعد عنا غضبها، فجثة الفرعون كانت بحاجة إلى الدفن في المكان الصحيح بجوار حبيبته، ووحش الكهف كان بحاجة إلى أن يفهم أن البشر لا يريدون أن يؤذوه، والنداهة تعرضت للاغتصاب وقتلها أبوها ورماها في الترعة، وشيراز ابنة غير شرعية محبوسة في القبو، تركوها حتى احترقت… كل الأشرار أبرياء، وربما كانت هذه هي رسالة المسلسل الأساسية إن أردنا القول: لا تتسرع في الحكم على الآخرين، ولكن فتش عن تواريخهم.

وعمومًا، فإن ظهور مسلسل رعب مصري، لأول سلسلة أدب رعب عربية، هو حدث مهم في حد ذاته. وبصرف النظر عن نجاح التجربة من عدمه، لاقت ما توقعه محبو كتابات أحمد خالد توفيق أو لم تلق، كانت ذاخرة بالفنيات أو مليئة بالثغرات؛ فالنجاح الحقيقي هو في خوض التجربة نفسها، وقد أتت بصورة مبشِّرة، ربما لم ترتق بعد لأعمال أيقونية غربية في مجال الرعب، لكنها ولا شك أفضل من تجارب مصرية قليلة أُنتِجَت في زمن غابر، وتنبئ ببدء عهد جديد مع سينما الرعب في مصر والعالم العربي.

 

أحمد الصادق

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى