زوايامختارات

خارطة طريق.. واستحقاقات انتخابية.. هل تُضمّد “وثيقة قَمَرَت” جُرح ليبيا المفتوح؟

 

في ضاحية “قمرت” بالعاصمة التونسية، تعكف 75 شخصية ليبية على إعداد “وثيقة” جديدة، ستكون محاولة لسد ثغرات الاتفاق السياسي الذي توصل إليه الفرقاء الليبيون العام 2015 في مدينة الصخيرات المغربية، ولم ينجح في إنهاء الحالة الانتقالية “المزمنة” في البلاد.

أول التوافقات في الملتقى الليبي بتونس، حسب مصادر مطلعة، هو تسمية تلك الوثيقة باسم الضاحية الساحرة، المطلة على البحر المتوسط، كما أن التوجه الرئيس هو التوصل إلى خارطة طريق، مع جدول زمني لإنجاز الاستحقاق الانتخابي.

ولم تخل أروقة المنتدى من التجاذبات، إذ أثير جدل من ممثلي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول شرعية وجود أعضاء مستقلين، بحجة أنهم يمثلون شرعية الصندوق، في حين فرضت هؤلاء بعثة الأمم المتحدة للدعم داخل ليبيا، وفق المصادر.

ويخشى ممثلو “النواب” و”الأعلى للدولة” من تحول لجنة الـ75 إلى جسم تشريعي ثالث، بعد أن تردد أن هذه اللجنة ستكون هي مرجعية القرار إذا ما تجاوز المجلسان المدد القانونية المتعلقة بالتعيينات الحكومية، والسيادية.

جانب من المشاركين في ملتقى الحوار الليبي في تونس

اتجاهان للحل

ويقول الكاتب الصحفي الليبي بشير زعبية إن ما تسرّب من داخل ملتقى تونس، يظهر أن مسار الحوار  يمضي حتى الآن في الاتجاه الصحيح، وأن نقاط الاتفاق، أكثر من نقاط الخلاف، وربما للمرة الأولى “لم يشخصن الفرقاء النقاش الذي غابت عنه الأسماء المثيرة للخصومة”.

وأوضح أن “وثيقة قمرت” قاربت على الاكتمال،  متضمنة ما تمكن تسميته بخارطة طريق سياسية للمرحلة المقبلة، وجدولاً زمنيًّا لتنفيذ محطاتها وصولاً إلى الاستحقاق الانتخابي.

وربما سترتفع سخونة النقاش كلما اقترب موعد طرح الأسماء المرشحة لقيادة المرحلة: رئاسة وحكومة، وهنا نجد اتجاهين، والحديث لـ”زعبية”: “الأول يركز  على المعايير والقدرة على القيادة وتجنب المحاصصة، والثاني يدفع باتجاه المحاصصة الثلاثية التقليدية (لأقاليم برقة وفزان وطرابلس)، ولكل طريقته في حشد المؤيدين”.

ستيفاني وليامز

وليل الأربعاء 11 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، خرجت رئيسة بعثة الأمم المتّحدة للدعم في ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز لتعلن إن الممثلين في الملتقى “توصّلوا إلى خارطة طريق مبدئية لإنهاء الفترة الانتقالية وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية حرّة، نزيهة، شاملة، وذات مصداقية”، وذلك خلال فترة انتقالية مدتها 18 شهرًا.

وتوضح المصادر أنه خلال تلك المدة ستشكل سلطة تنفيذية “من مجلس رئاسي وحكومة وحدة وطنية”، وفي حالة تأخر إنجاز القواعد الدستورية اللازمة لتدشين المرحلة الدائمة، تُجدَّد تلك الولاية تلقائيًّا لمدة 6 أشهر إضافية فقط، ما لم يعترض أعضاء الملتقى، وفي جميع الأحوال تنتهي ولاية السلطة التنفيذية مباشرة فور تشكيل أخرى منتخبة بموج القواعد الدستورية المتفق عليها، أو انقضاء المدة المحددة أيهما أقرب.

توحيد الجيش

وحسب الوثيقة المقترحة حاليًّا، تكون أول أولوية أمام “الحكومة الجديدة” هي إنهاء حالة الصراع المسلح، وتنفيذ ما يتفق عليه من صيغ عملية لوقف إطلاق النار وتوحيد جميع مؤسسات الدولة بما في ذلك الأمنية والعسكرية.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة طرابلس مالك أبو شهيوة أن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمعون هو قدرتهم في التوصل إلى صيغة لأجل تشكيل جيش وطني موحد وأمن وطني موحد، لتحتكر الدولة قوة الإجبار العام ووسائل تحقيقه على الأرض.

جانب من لقاء الحوار في تونس

ويؤكد أبو شهيوة ضرورة التوصل إلى دولة ترفض الميليشيات والمجالس العسكرية الإقليمية أو الجهوية أو الكيانات الموازية، وترفض كذلك إقامة قواعد عسكرية أجنبية فوق الاراضي الليبية، مشيرًا إلى ضرورة حل الميليشيات المسلحة كافة ونزع سلاحها وإعادة تأهيل أفرادها بما يضمن انخراطهم في الحياة المدنية.

كما لا يغفل أهمية نشر الثقافة عبر “القيم والمبادئ والأفكار”، التي تشجع الإبداع، بما يكرس قيم التسامح ونبذ العنف والكراهية والانفتاح على مختلف الثقافات العالمية، وخطابًا دينيًّا وسطيًّا، وترفض دعوات التكفير والتخوين والتطرف والفتاوي من الداخل أو الخارج، التي تؤجج الصراع و الفتنة، وتؤكد محاربة الإرهاب عسكريًّا وفكريًّا.

وفي هذا السياق، يتساءل المحلل السياسي عبد الستار حتيتة: هل ستُدمَج الميليشيات ككتل قائمة بذاتها داخل مؤسسة الجيش الليبي، المزمع توحيدها، أم يُقتَصر على دخول العسكريين بينهم فقط؟

ويجيب حتيتة على التساؤل نفسه: “الموضوع مطروح منذ سنوات، ومن الصعب للغاية أن يتحقق، لأن الميليشيات بها عناصر مدنية وآمراءها مدنيون، وبعضهم كان محكومًا عليه في جرائم سرقة وفساد”.

وكانت هناك محاولات لحكومة الإنقاذ ثم المجلس الرئاسي منذ سنوات بشأن هذا الأمر، كما يروي “حتيتة”، حين فتح ضباط كبار المعسكرات أمام عناصر الميليشيات من أجل الخضوع للكشف الطبي والأمني للالتحاق بالمؤسسة العسكرية، على أنه حال الموافقة عليهم، يدخلون كأفرد وليس كمجموعات، وعقَّبَ: “لكن الأمراء ومجموعاتهم أفشلوا تلك المحاولات، ورضخت لهم حكومة الإنقاذ ومن بعدها حكومة الوفاق”.

ولكي يتحقق اختراق في هذا الملف، يجب إبعاد الأدوار الإقليمية الضارة، كما يشرح حتيتة، إذ يؤكد أن استمرار أزمة الميليشيات مرتبط بـ”التدخلات السافرة” لبعض الدول في الغرب الليبي، مشددًا على أن الأمر لو ترك لليبيين وحدهم لتمكنوا من لمّ الشمل، لكن البعض “يعمل على إبقاء الجرح مفتوحًا؛ ليستمر في تحقيق المكاسب على حساب الليبيين”.

تهديد الميليشيات

وبالعودة إلى الحديث عن ملتقى الفرقاء في تونس، كشف أحد المشاركين به عن تنبيه المبعوثة الأممية ستيفاني وليامز، إلى أن ليبيا لا تزال تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ما اعتُبِر ردًّا استباقيًّا لأي محاولة لعرقلة “ملتقى قمرت”، حيث يبدو أن البعض لا يعجبه أن يصل المجتمعين إلى توافق.

ووفقًا لهذا البند، يمكن أن يتخذ مجلس الأمن الدولي إجراءات لمواجهة محاولة زعزعة الاستقرار أو تهديده في ليبيا، بدءًا من العقوبات وحتى التدخل المباشر، كما أن القرار الأممي بحظر توريد الأسلحة إلى البلاد مستمر منذ العام 2011.

ويأتي هذا بالتزامن مع الإعلانات الأخيرة التي خرجت من الميليشات في الغرب، والتي قالت إنها في حل من تنفيذ التوافقات التي قد يتوصل إليها الفرقاء.

صلاح بادي

على رأس تلك الأصوات زعيم ميليشيا “لواء الصمود” صلاح بادي، الذي ظهر في مقطع  فيديو بين أنصاره في العاصمة طرابلس، هدّد من خلاله “بنسف” أي اتفاق ينبثق عن الحوارات التي تديرها البعثة الأممية التي وصفها بـ”المشؤومة” و”بعثة الشر”، كما نعت وليامز بـ”الخبيثة”.

كما انتقد بادي، المُدرج على قائمة عقوبات مجلس الأمن الدولي منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 بتهمة زعزعة استقرار ليبيا، أعضاء ملتقى تونس، ووصفهم بـ”عبيد الكراسي” و”المنبطحين”.

ولم يخف نيته رد مقترحات تفكيك الميليشيات ونزع سلاحها، قائلاً إن السلاح “سيبقى حتى تصبح ليبيا دولة حرة ذات سيادة، ويأتي شخص يتولى المهمة، ويعرف قيمة هذه البلاد”، مكملاً: “يجتمعون في تونس أو في جهنم، لن نقبل ولن نخشى العقوبات الدولية”.

أما مفتي ليبيا المعزول، والمقيم في تركيا، الصادق الغرياني، فقد هاجم ملتقى الحوار بشدة، محرضًا عناصر المجموعات المسلحة التي واجهت الجيش الليبي في حرب تحرير العاصمة تحت اسم “بركان الغضب”، على ألا يسمحوا بمرحلة انتقالية جديدة في ليبيا.

الصادق الغرياني

وقال في رسالة ملتفزة: “إذا وافقوا على ذلك، فمعناه أنهم يجهزون أنفسهم لحروب قادمة تأكل الأخضر واليابس”، مكملاً: “للأسف قادة الكتائب كلهم مستسلمون في الزاوية ومصراتة وغريان ويتفرجون، لا تدري ما السبب.. في الحرب يموتون وفي السلم يتركون ليبيا لمن لا يريد لها أن تنهض”.

ويعلق الصحفي الليبي عبد الباسط بن هامل بأن “بادي وغيره هددوا بأنهم سينسفون هذه الجهود إذا لم يصعد إلى السلطة من يحقق لهم بقاءهم بقوة السلاح ويوفر لهم دخولاً كبيرة جدًّا”.

وتابع: “هم يتحدثون عن الذهاب إلى سرت والجفرة، واستعادة الموانئ النفطية، بل والسيطرة على بنغازي”، مردفًا أنه “لا توجد مناقشة حقيقية عن آلية إخراج الميليشيات من طرابلس أو حلها، كما لم يجرِ الحديث عنهم في المفاوضات باللجنة العسكرية المشتركة”.

ويوضح أن “الكلام فقط جرى عن إخراج بعض الميليشيات إلى مصراتة، دون آلية تفكيك أو نزع السلاح”، مكملاً: “الحديث فقط عن إخراج المرتزقة الذين استقدمتهم تركيا، ولم يتناول أحد كتائب البقرة وغنيوة، بل بالعكس، هؤلاء تتعامل معهم البعثة الأممية كأنهم قوة حقيقية تحت إدارة حكومة الوفاق، ولهم ممثلون تحت الطاولة ينسقون مع المسؤول الأمني في البعثة، سليم رعد”.

 

السيد نجم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى