ثقافة وفنحواراتمختارات

خاص| إنذار من داوود عبد السيد: منصة نتفليكس ستقضي على السينما التجارية

كان لا بد لنا أن نلجأ إلى المخرج داوود عبد السيد، لنعرف رأيه فيما وصلت إليه صناعة السينما خلال الفترة من 2010 حتى 2020.

خلال العقد الماضي شهدت مصر الكثير من الأحداث الهامة، التي بدأت بثورة 25 يناير وانتهت بجائحة كورونا، التي أثرت على مصر مثلما أثرت على كل دول العالم.. ولم تكن السياسة أو الطب هما المجالين الوحيدين اللذين تأثرا بالتغيرات العاصفة، بل شهدت السينما أيضا العديد من الكبوات والانتصارات أحيانا.

في سياقٍ مثل هذا كان لا بد لنا أن نلجأ إلى المخرج داوود عبد السيد، لنعرف رأيه فيما وصلت إليه صناعة السينما خلال الفترة من 2010 حتى 2020.

دائما ما تمتع “داوود” بالبصيرة التي كان يملكها “الشيخ حسني”، بطل فيلمه “الكيت كات”، ليميز الصواب من الخطأ.. المخرج الذي صنع تسعة أفلام فقط في فترة تقترب من أربعين عاما، نالت منه الكبوات والحظ العثر كبقية المخرجين الكبار في مصر.. لم يصنع فيلمًا منذ 2015، عام عرض فيلمه “قدرات غير عادية”، الذي يقول عنه إنه “كان هدية من المنتج تقديرا لمشواره الفني لا أكثر”.

داوود عبد السيد مع المخرج محمد خان أثناء عرض فيلم “قدرات غير عادية”

ينتمي داوود عبد السيد إلى جيل الواقعية الجديدة، الذي يتضمن أسماء المخرجين خيري بشارة وعاطف الطيب ومحمد خان ورأفت الميهي والسيناريست بشير الديك.

وهو التيار الذي حاول أن يقدم أفلاما في منطقة وسط بين السينما التجارية والفنية البحتة، عبر استخدام سمات السينما التجارية من نجوم شباك وحدوتة مسلية وأغانٍ وكوميديا، بالإضافة إلى سمات السينما الفنية من اهتمام شديد بالسيناريو والتكوينات البصرية والتمثيل الواقعي غير الانفعالي والاهتمام بواقعية أماكن التصوير.

هذا التيار، الذي استفاد وتأثر به المخرجون الجدد الذين ينتمون إلى السينما المستقلة، لم يستمر بعد مخرجي الثمانينيات الذي يعتبر “داوود” واحدا من مؤسسيه الكبار.

داوود عبد السيد

مولات السينما النظيفة

في مقابلته مع “ذات مصر” أشار صاحب “مواطن ومخبر وحرامي” إلى أن أزمة السينما الحالية بدأت منذ مطلع الألفية الجديدة، أي عام 2000، حينما انتشر ما يسمى “السينما النظيفة”: “بدأت أفلام السينما النظيفة في دور عرض المولات التي كانت تنتشر وقتها، والتي ساعدت على إرساء الجو المحافظ في المجتمع قبل وأثناء هذه الفترة.. بدأت المولات في اجتذاب الأسر والمجموعات لشراء احتياجاتهم وقضاء وقت لطيف، بالإضافة إلى دخول السينما.. كانت أجيال مختلفة تدخل السينما معا.. أحيانا الأجداد والآباء والأحفاد من نفس الأسرة”.. يحكي “داوود”، موضحا أنه رغم المميزات التي قد تبدو على السطح من هذا النظام الجديد، والتي تتمحور في ذهاب الأسرة كاملة إلى دور العرض وبناء دور عرض جديدة، فإن العيوب تغلبت على هذه المميزات.

يضيف: “مثلما نعرف جميعا، فالقافلة تسير بسرعة أبطأ جمل فيها، وبالتالي كانت الأفلام المعروضة تُطمئن الأسر المحافظة إلى أنه لا شيء سوف يضايقك أو يضايق أولادك أو يغوي المراهقين.. كانت فترة السينما النظيفة ضد سمات كثيرة في السينما المصرية، مثل القبلات ومشاهد الحب، ومن ناحية أخرى، كنا نجد السينما التجارية التي نرى فيها كل شيء ممنوع في السينما النظيفة”.

استمر هذا الوضع، بحسب صانع “أرض الخوف”، فزادت سينمات المولات بالإضافة إلى إغلاق وأفول سينمات الدرجة الأولى، التي كانت تقع في نطاق وسط القاهرة، والتي كان يدخلها المشاهدون من الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة، بخلاف سينما المولات، التي كانت تتجه إليها شرائح معينة من الطبقى الوسطى، وهي الشرائح الأعلى دخلا، بسبب سعر تذاكرها.. ومع ارتفاع أسعار التذاكر، طُردت الطبقة الوسطى من السينمات.. وهي الطبقة التي لديها هموم اجتماعية، وأصبح من يشاهد السينما الآن بلا أي هموم”.

يقول “داوود”: “تُصنع حاليا أفلامٌ لا تناقش أي شيء، مثل أفلام الحركة الأمريكية، التي تكلف الفيلم 70-80 مليون جنيه، معتمدا على تكنيك أمريكي وتكنولوجيا حديثة، والأمثلة كثيرة على ذلك مما تنتجه السينما خلال السنوات الثلاث الأخيرة.. لا يوجد همٌّ الآن في الأفلام لأن مرتادي دور العرض السينمائي صاروا بلا أزمات تستحق النقاش”.

الهمّ هو العنصر الأساسي الذي يراه داوود عبد السيد واجب الوجود لنصنع فيلما سينمائيا.. هو نفسه يحاول دائما في أفلامه أن يتناول الهموم التي تواجه المجتمع المصري، مثل عواقب الانفتاح وضياع الأرض من البسطاء، والأحلام والمستقبل من الشباب، والبحث عن الذات والهوية، والهجرة المستمرة هربا من تردي الأحوال، وإنذاره باستفحال العشوائية وتأثيرها على المجتمع، وتهاوي المثقف نفسه، وغياب التعددية وهيمنة الصوت الأوحد في مجتمع يتحول رويدا رويدا إلى كاره للحب ومحب للكراهية”.

هذه الهموم وغيرها، هي التي حاول “داوود” أن يقدمها في أعماله التي كانت تتّبع -حتى آخر فيلم منها- الطريقة التقليدية في صناعة الفيلم، إذ إن صناعة السينما حاليا شهدت تغيرا كبيرا من دخول تكنولوجيا الديجيتال في التصوير والمونتاج وغزو المنصات الفضائية سوق عرض الأفلام.

مشاهدة نتفيلكس

المنصات: عدو السينما

يضيف داوود عبد السيد في هذا السياق: “يؤثر على صناعة السينما الحاليين أمران: فيروس كورونا ومنصة نتفليكس”.. الآن تجلس في بيتك وتشاهد أفلاما ومسلسلات كثيرة جدا.. مصنوعة كلها بطريقة جيدة جدا.. بعضها ممتاز والبعض الآخر ليس له أي قيمة.. لكن كتسلية فهي أعمال عظيمة.. وأنا بالمناسبة أحد مشاهدي نتفليكس”.

يتساءل “عبد السيد” في مقابلته مع “ذات مصر”: “بعد أزمة كورونا التي خفضت عدد المشاهدين في دور العرض السينمائي، فهل يذهب مَن يريد قضاء وقت للتسلية إلى دار عرض سينمائي أم يجلس في بيته ليختار ما تعرضه نتفليكس؟ وما المبلغ الذي سيدفعه للذهاب إلى السينما مقابل المبلغ الذي سيدفعه لمشاهدة الأعمال التي تعرضها (نيتفليكس)؟ وهل الأسر التي كانت تذهب إلى دور العرض لمشاهدة الأفلام المسلية، مثل أفلام محمد هنيدي، هل ستذهب الآن بعد توفر (شاهد نت) و(نتفليكس) وغيرهما من منصات؟…

الآن، وبسعر تذكرة فيلم واحدة في السينما، تستطيع أن تشترك شهرا كاملا في إحدى هذه المنصات مع جودة وتسلية أفضل كثيرا مما يُعرض في السينمات!”، بحسب “داوود”.

“ذات مصر” وجّه للمخرج المخضرم سؤالا مطروحا بقوة على أذهان المشتغلين بالسينما هذه الأيام: هل ستقضي هذه المنصات على السينما؟ والمقصود بالتأكيد، السينما بمعناها التقليدي، أي ذهاب المشاهد إلى دار العرض وحجز تذكرة من شباك التذاكر ثم الدخول لقاعة المشاهدة في وقت تتخلله استراحة؟

يجيب صاحب “أرض الأحلام”: “أتوقع أن تقضي المنصات على السينما التجارية”.. هكذا رد “داوود” بحسم استدعى سؤالا آخر عن سبب توقعه ذاك، ليجيب: “السينما التجارية المصرية لا علاقة لها بهموم المجتمع، رغم أن وظيفتها الأساسية هي مناقشة ما يؤثر من أحداث وأفكار على حياة الناس، بما فيها مثلا ثورة يناير!، وبما أن التسلية موجودة بالفعل في المنصات وبشكل أكبر وأكثر جودة، فالسينما التجارية المصرية مهددة لأنها لا تستطيع أن تنافس المنصات التي تجد فيها أعمالاً أمريكية وإنجليزية وإيطالية وإسبانية وسويدية وغيرها وبصورة حرة تماما في مناقشة موضوعات السياسية والجنس، حتى وصلت إلى حد طرح المثلية الجنسية.. في رأيي، هذه أزمة ستؤثر على صناعة السينما المصرية”.

المخرج أحمد عبد الله

السينما المستقلة: لِمَن تصنع؟

يقول “داوود” إن السينما المصرية عليها أن “تعيد حساباتها” مرة أخرى، مضيفا: “لا أستثني السينما المستقلة من ذلك، بل لدي تحفظات على تمويل هذه الأفلام، فيجب أن تحصل على تمويلك من جمهورك حتى تناقش همومهم وتتناول ما يمثلهم، لكن حينما تحصل على تمويلك من جهات أخرى، فإن ما يحدد اهتمام أفلامك هم أصحاب المال، وبالتالي نجد صناع الأفلام الشباب، الذين لديهم مواهب جيدة ومهمة جدا، يصنعون أعمالا بعيدة كل البعد عن الجمهور.. هناك بعض هذه الأفلام يشاهدها عدد جيد من الجمهور.. هذه هي أزمة صناعة السينما من الناحيتين، التجارية والمستقلة”.

يقارن داوود عبد السيد بين حال اليوم والأمس، منتقدا السينما المستقلة المصرية المعاصرة فيقول: “في مرحلة الخمسينيات والستينيات، التي كان يعمل فيها صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وهنري بركات وتوفيق صالح وعاطف سالم وغيرهم، كانوا يصنعون أفلاما من أجل جمهور معين، لكن لمن تُصنع الأفلام المستقلة حاليا؟ من أجل الأنتليجنسيا (النخبة المثقفة) فقط، بينما لا تستطيع هذه الأفلام الوصول إلى الجمهور العريض لأن هذا الجمهور ليس من ضمن أهداف صُنّاع هذه الأفلام”.

مخرج “قدرات غير عادية” يقول: “ما حاولنا صنعه كجيل هو أفلام على هامش السينما التجارية، ولم تعد هذه التجربة موجودة الآن.. ربما تجد فيلما أو اثنين مثل (ليل خارجي) 2018 للمخرج أحمد عبد الله السيد، وهو فيلم مُسلٍ وظريف، لكن مثل هذه الأفلام، التي تحاول أن توفق بين التجاري والمستقل ليس لها جمهور.. توجد أفلام مستقلة وتعجبني للغاية، ولكن أنا فقط المعجب بها وليس الجمهور! أنا كبني آدم يعني.. الفكرة أنه يجب أن يمول الجمهور الفيلم، فالمنتج مجرد وسيط بين الجمهور وصانع العمل”.

خرجنا من العام لندخل إلى الخاص، فسألنا عن أفلام داوود عبد السيد في العقد الأخير، فقال: “لدي تجربتان منذ عام 2010، فيلم (رسائل البحر) 2010، و(قدرات غير عادية) 2015.. استغرق صنع (رسائل البحر) 8 سنوات”.

ويضيف: “ذهبت إلى عماد أديب، رئيس شركة (جود نيوز جروب)، لينتج الفيلم.. كنت في البداية قد رشحت المغنية اللبنانية نانسي عجرم لدور البطولة، لكنها رفضت، فهي لا تريد التمثيل، حينها رشح لي عماد أديب المغنية اللبنانية هيفاء وهبي.. ذهبت مع مهندس الديكور أنسي أبو سيف وقابلناها في مكتب عماد أديب، ولكني لم أجدها مناسبة.. قال لي عماد أديب حينها إنه يحتاجها في الفيلم، فرددت بأنها غير مناسبة للدور.. فتوقف إنتاج الفيلم مع شركة عماد أديب”.

يتابع: “ذهبت إلى إسعاد يونس، رئيسة الشركة العربية للإنتاج والتوزيع السينمائي، ولكنها اعتذرت عن إنتاج الفيلم، ولم تنتجه إلا بعدما أخذ سيناريو الفيلم دعما من وزارة الثقافة.. كانت إسعاد ترى أن الفيلم لن يحصل على إيرادات جيدة.. هؤلاء هم المنتجون الموجودون الآن”.

فيلم (قدرات غير عادية)، بحسب “داوود”، فإن وليد كردي، رئيس شركة (دولار فيلم.. نيوسينشري للإنتاج الفني)، قد أنتجه هدية أو تقديرا لي.. هذا هو الوضع الآن.. بالتأكيد من حق المنتج أن يكسب، وأنا لا ألوم أي منتج على ذلك، بل ولو كنت مكانهم لفعلت ذلك، فالمصالح هي التي تتكلم هنا”.

“ذات مصر” سألت “عبد السيد” بتشاؤم: إذا كان هذا هو حال واحد من أهم مخرجي السينما المصريين في تاريخها كله، فكيف يكون حال الصناع الشباب؟..

هذا التشاؤم يقابله داوود عبد السيد بتفاؤل معتاد يجعله دائما لا يضع يده على المشكلات فقط ولكن أيضا يقدم بدائل وحلولا، فيقول: “الحل هو دعم من الدولة المصرية.. قدمت وزارة الثقافة دعما للأفلام مرتين.. اكتمل في أول مرة وكانت قيمته 20 مليون جنيه.. تصوَّر أن تقدم الدولة دعما للأفلام بـ50 مليون جنيه لصنع 10 أفلام!.. هذا مبلغ زهيد جدًّا حاليا.. حينئذ سيتسابق صناع السينما لكتابة مواضيع تهم الناس، لكن الدولة للأسف تضع شروطا لنوعية الأفلام التي ستدعمها.. لم تستمر هذه التجربة سوى مرة واحدة.. توجد أخطاء، لذا علينا أن نحددها لنصلحها”.

في نهاية المقابلة، حذر داوود عبد السيد من خطورة انهيار صناعة السينما، فيقول: “في عصر المنصات، يجب أن يوجد دعم مهم للأفلام.. يجب أن ندرس السوق والمنصات الجديدة ومعرفة الطريقة المثلى لدعم صنع الأفلام.. هذه هي شهادتي.. لا أهتم بأن أحدد (هذا فيلم جيد أو هذا غير جيد).. فهذه ليست مهمتي، لكن قضيتي هي صناعة السينما والمشاكل التي تواجهها اليوم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى