لقاء خاص| حسن البنا.. حكاية الأب الروحي لــ”السلفية” في مصر

بينما أسس حسن أحمد عبد الرحمن محمد البنا الساعاتي، جماعة الإخوان التي سرعان ما انخرطت في العمل السياسي والعسكري المسلح في عدد من الأقطار العربية، آثر الشيخ “حسن البنا” الابتعاد عن الإعلام، رغم أنه شيخ السلفيين وأحد مؤسسي هذا التيار العريض بمصر، والممثل الرسمي للمدرسة الدعوية الخاصة بجمعية “أنصار السنة المحمدية”، اعتقادا منه – لفترة طويلة – بحرمة التصوير.

حاول “ذات مصر” كسر صمته وإقناعه بالحديث عن التاريخ الطويل الذي عاصره وكان شاهدا عليه داخل الجمعية وخارجها، وذكرياته مع جماعة الإخوان الذي التقى بمؤسسها “حسن البنا” الذى يحمل هو الآخر نفس اسمه ودار بينهما حوار طويل يكشف تفاصيله لنا.

بعد صلاة الظهر توجهنا إلى مسجد الإخلاص الذي يعتبر المركز الرئيس لجمعية أنصار السنة المحمدية فرع عابدين، وبعد أداء الصلاة في هذا المسجد العريق كان الشيخ حسن البنا بلحيته البيضاء وجسده النحيل يسير مُتعكزا على أحد تلاميذه ويدعى “فراس”، ليتوجه إلى غرفته الخاصة التي تبعد 10 أمتار فقط عن المسجد ولها باب من داخله.

داخل غرفة كبيرة بها مكتب صغير يجلس الرجل، وخلفه مكتبة كبيرة بها أمهات الكتب لكبار أئمة السلفية، وأمام المكتب منضدة طويلة يجلس عليها تلاميذه الذين يأتون لسؤاله والحصول على إجازته في العلوم الدينية، وأمام المنضدة يوجد 4 مقاعد لأعضاء الجمعية الكبار وقادة “أنصار السُنة المُحمدية” بمختلف المحافظات، وبجوار مكتبه كرسي يجلس عليه الشيخ عادل السيد، الذى شاركنا في الحوار، وهو أحد أبرز رموز الدعوة في أنصار السُنة المحمدية وكبار مشايخها.

بدأ الشيخ “حسن البنا” قبل حوارنا معه متعبا وشاحب الوجه، لكنه – كما شاهدناه قبل وأثناء الحوار – يسترد حيويته ونشاطه عندما يهم بالإجابة على سؤال أو يشتبك في الحديث، خاصةً عندما يناقش تلاميذه بانتباه ويحرص على سؤالهم عن اقتناعهم بما يقول والتعرف على ملاحظاتهم عن رأيه.

وبعد نحو 30 دقيقة، هيأ الشيخ عادل السيد، الشيخ حسن البنا للحوار، لنوثق معه لأول مرة شهادته عن عصر بأكمله.

 

البداية مع الدعوة

عرّف الشيخ حسن البنا نفسه قائلا: اسمي حسن بن عبد الوهاب البنا، درست الثانوية العامة بعد حصولى على دبلوم التجارة المتوسطة، ثم التحقت بكلية التجارة في جامعة القاهرة وتخرجت منها متخصصًا في العلوم المالية والاقتصادية، وتوظّفت في جامعة القاهرة في كلية الصيدلة ثم كلية الهندسة، وتدرجّت في الوظائف حتى مراقب عام للشئون التعليمية في كليات الجامعة، وفي هذه الأثناء كنت أتعلم “الدين” مع شقيقي الشيخ محمد بن عبد الوهاب البنا، الذي كان مطلعًا اطلاعًا تامًا على صحيح البخاري وكتب الفقه والتوحيد، وكان عضوا في جمعية أنصار السنة المحمدية.

توقف الشيخ لثوان، ثم أكمل حديثه: بدأ الأمر بصلاتي الجمعة مع الشيخ محمد حامد الفقي، ثم حضور محاضراته بجمعية أنصار السنة المحمدية، وظللت على ذلك لسنوات، وبدأت أتفقه في الدين وأتحدث مع الناس من الفرق الأخرى بمنهج جمعية أنصار السنة، ففوجئت بأنهم يهاجمونني ويرفضون كلامي، خاصة في مجال التوحيد، وردوا علىّ وقتها بأن هذا “ليس من السنة” ولم يقل به الرسول، لكن بعد عودتي لمشايخي أكدوا لي أن علماء المسلمين أخذوا هذا المنهج  بالاستقراء من الأدلة في الكتاب والسنة، وظللت على حالي هذا حتى جاء لي صديق في جماعة الإخوان يدعوني للانضمام لها ومبايعة مرشدها، وكنت أذهب معه باعتبار أن هذه الجماعة أو الجمعية كيانا إسلاميا، قبل أن أعرف خبايا قادتها ونواياهم، فقد كان عددهم كبيرا، ولديهم حماس، فشجعوني على الالتحاق بهم، وبالفعل انضممت والتقيت الشيخ “حسن البنا” مؤسس جماعة الجماعة.

لقاء مرشد الإخوان

يروي الشيخ حسن البنا “السلفي” تفاصيل لقائه بمؤسس جماعة الإخوان ومرشدها، فيقول: كنت أواظب على حضور دروس الشيخ محمد حامد الفقي التي فضحت لي منهج وفكر حسن البنا مؤسس الإخوان عندما استمعت له، واكتشفت أن كل كلام حسن البنا من رأسه، ومبني على العاطفة، وليس له دليل شرعي واحد عليه.. وأعجبني الشيخ الفقي، وبدأت أنتقد صديقي الإخواني الذى دعاني للانضمام للجماعة، وأعارضه في إيمانه المطلق بفكر “حسن البنا”، وكان صديقي يُصر على أن أحضر معه اجتماع “أسرته الإخوانية” لأستمع إلى فكر ومنهج الإخوان، وذهبت معه فوجدتهم يرددون ما يردده البنا، وكان من ضمن كلامه الدائم في الغرف المغلقة مع أعضاء الجماعة أن “الحُكّام لا يحكمون بما أنزل الله ويجب علينا أن نطيح بهم، ثم نأخذ الحُكم منهم كى نحكم بالإسلام”، وقلت لصديقي وقتها إن الكلام الذي يقوله حسن البنا غير متيسر ويجب أن نعرف التوحيد أولا، فرفض كلامي وابتعد عني.

هنا بدا أن الشيخ السلفي حسن البنا لا يوافق على أقوال البنا الإخواني سوى لأنه غير متدرج فقط في المراحل، وأن المسألة لا تعدو ذلك.

يتابع: ابتعدت بعدها عن الإخوان رغم لقائي بحسن البنا وحضور أكثر من محاضرة له دون أن يدور بيننا أية أحاديث شخصية طويلة، ومن هذه اللقاءات المتكررة اقتنعت أن جماعة الإخوان “ليست إسلامية” كما تدّعي، فقرّرت أن أذهب مع أخي الشيخ محمد البنا إلى مسجد جمعية أنصار السنة المحمدية لأحضر محاضرات شيوخها مثل محمد حامد الفقي، وعبد الرازق عفيفي، ومحمد خليل، ومحمد عبد الحليم الرمالي، وتتلمذت على أيديهم.

يذكر الشيخ البنا السلفي محاولات من وصفهم بـ”البدعيين” (أصحاب البدع) اختراق جمعية أنصار السنة المحمدية، في أوقات ضعفها، لا سيما بعد وفاة الشيخ حامد الفقي الذي كان حائط صد لكل هذه المحاولات، يقول: أتذكر هنا مواقف بين مرشد الإخوان والشيخ الفقي، فحسن البنا كان يريد من جمعية أنصار السنة أن تنضم إليه، فقال للشيخ محمد: “نحن نريد أن نجمع الناس”، فرد عليه الشيخ حامد: لا، بل نجمع الناس على التوحيد.. ومن هنا كان الخلاف، وأتذكر أن حسن البنا دعا إلى اجتماع شامل يفتح فيه الباب لكل الجماعات، ووجه الدعوة إلى “أنصا السنة” فاقترح أعضاء ومشايخ الجمعية آنذاك حضور هذا الاجتماع لسماع ما سيقوله حسن البنا فقال لهم الشيخ محمد حامد الفقي إن “كلام البنا لن يبسطهم ولا يوافق دعوتهم” فأصروا على الذهاب وطلبوا من الشيخ أن يسمح لهم فسمح، لكنهم لم يعجبهم كلامه.

ذكريات الشيخ عن الإخوان ومرشدهم استدعت الحديث عن سيد قطب، الذي رآه الرجل مرة واحدة لما جاء إلى جمعية أنصار السنة المحمدية قبل سجنه، يضيف: سأل عن الشيخ حامد الفقي لما سمع محاضراته ولم يجده، وبعد ذلك لم يأت عندنا ولم نسمع منه شيئا.

رحلة دعوية إلى السعودية

توقف الشيخ لثوان ليرتشف النعناع الدافئ، ثم عاد لينظر إلى عدسة الكاميرا ويتحدث عن رحلته الأهم في مسيرته الدعوية: انتدبت للعمل في المملكة العربية السعودية مُدرسا في الجامعة الإسلامية، ودرست على يد الشيخ بن باز والشيخ الألباني، وكان هؤلاء المشايخ يقدموننا في المجالس والصلوات بعكس بقية المصريين، وكان لنا وضع خاص، وكان الشيخ ابن باز يميزنا، ويخصص لنا أشياء، وقد كنت أدعو إلى الله في السعودية مع الشباب هناك وأعطيت دروسا في الحرمين المكي والمدني بتصريح من وزارة الأوقاف وإمام الحرمين وظللت في الكتابة والدراسة هناك حتى عدت إلى مصر، ولم أتوقف مطلقا حتى الآن.

الموقف من الثورات

سألنا الشيخ حسن البنا عن موقف جماعته من الثورة الشعبية وذكرنا له أسماء معينة ليعلق على علاقته بأصحابها ويخبرنا برأيه فيهم فقال:

لما حصلت ثورة 25 يناير دعاني الشيخ محمد حسان أنا ومشايخ أنصار السنة المحمدبة إلى الذهاب لميدان التحرير فرفضنا، وطلبنا منه أن يأتي لنا، وقلنا له لا نجلس مع من يؤيدون الانتخابات، فلم يوافقني. ورأيي في الشيخ محمد حسان والشيخ محمد حسين يعقوب والشيخ محمد عبد الخالق أنهم جميعا يميلون إلى الإخوان.

سلفية الإسكندرية

وعن رأيه في الدعوة السلفية بالإسكندرية يقول الشيخ حسن البنا: “سلفية الإسكندرية هم في الأصل إخوان أو استقطبهم الإخوان، ففي بدايتهم تعلموا في الحديث وبدأوا يعلموا الناس حتى عبث الإخوان بعقولهم وجعلوهم يتخذون نفس منهج الجماعة، وأقول لهم: هل السلفيون يقيمون حزبا؟ هل فيه حزب في الإسلام غير حزب الله  المكون من المؤمنين والمؤمنات وليس (حزب الله) الخاص بالشيعة؟”.

الغريب أن حسن البنا السلفي يرى أن الدخول في حزب حرام، وجلّ حرمته هو أن هناك أقباطاً داخله، فيقول: إن سلفيي الإسكندرية عملوا حزبا ودخلوا مع النصاري الانتخابات، فكيف يكون هؤلاء سلفيون؟.. هذا ليس حزبا يمثل السلفيين لكنهم يربطون أنفسهم بالسلفية حتى يزعموا أنهم يعرفون الدين كله، وحقيقتهم ليست كذلك ولم يظهر منهم دعوة سلفية خالصة إلى الآن ويجمعوا عليها، وانقسموا وخرج منهم أناس آخرين وقاموا بعمل حزب آخر وبدأوا يتناحروا، وأنا أقول إننا لسنا معهم ونرفض أن نتعاون معهم حتى يعودوا إلى السلفية الصحيحة.

 

الرد على وصف “المدخلية”

بهدوء تام استقبل الشيخ حسن البنا سؤالنا عن رده بشأن وصف “أنصار السنة المحمدية” بأنها تتبع المدرسة المدخلية وهو زعيم مداخلة مصر فقال: السلفيون لا يتبعون شيخا لأن هذا خطأ، هم من يتهمونا بأننا مداخلة تعودوا على الفرق الصوفية التي تنسب نفسها إلى مشايخهم ونحن ليس كذلك.. والشيخ ربيع بن هادي المدخلي أخ لنا وشيخنا، لكننا قد نختلف معه في الدين إذا فاته شيء نقوله عليه.. الشيخ لدينا يخطئ ويصيب ونحن نرجع إلى الأصل وهو الذي تعلمناه من مشايخ كبار ماتوا وعرفوا بالحق واتخاذهم منهجهم من القرآن والسنة.

ومرة ثانية تدخل الشيخ عادل السيد رئيس جمعية أنصار السنة للحديث عن ملامح منهج مدرسة أنصار السنة المحمدية:

وصفنا بالمداخلة فرية مكذوبة علينا، والشيخ ربيع بن هادي المدخلي الذي ينسبنا مخالفينا له هو تلميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب البنا شقيق شيخنا حسن عبد الوهاب البنا وأستاذه، وقد كان الشيخ محمد البنا يأخذ الشيخ ربيع المدخلي معه ومجموعة من التلاميذ الآخرين إلى إفريقيا للدعوة إلى الله، ومن هنا أريد أن أقول لو من الواجب أن ننسب أنفسنا إلى شيخ فلننسب إلى الشيخ محمد البنا أو الشيخ الألباني أو الشيخ أحمد شاكر أو الشيخ حامد الفقي.

وعن موقفنا من جماعة الإخوان فهو ثابت، ونحن نراها جمعية ماسونية أرادت تحطيم المسلمين وكانوا ولا يزالون خنجرا مسموما في ظهر الأمة الإسلامية، كما نؤكد أننا لا ننتمي إلى جماعات الإسلام السياسي التي نراها تتحدث في السياسة الشرعية دون علم، وأعطوا لأنفسهم سلطة أهل الحل والعقد فجاء خراب الأمة.

وقت العصر.. ختام للحوار

اقترب موعد أذان العصر وكان ختام الحوار، الذي خلصنا منه إلا أن الشيخ هو قائد لجماعة أنصار السنة المحمدية، وأن شقيقه هو أستاذ لربيع بن هادي المدخلي، شيخ التيار السلفي المدخلي، حيث أكد أن القواعد الفكرية الأساسية مع الإخوان واحدة ما عدا في مسألة العمل الحزبي التي يختلفون فيها مع الجماعة وجميع جماعات تيار الإسلام السياسي، على اعتبار أن ذلك ليس من السياسة الشرعية، وأنهم يؤمنون بالدعوة إلى التوحيد، وفق المنهج السلفي المعروف وهو (الربوبية والألوهية والأسماء والصفات) ويرون أنها المرحلة الأولى في تطبيق الإسلام- بحسب قوله !.

بمشاركة

رسوم وجرافيك

أحمد بيكا

مونتاج

طه حسين

قصــة

أحمد الجُدي

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search