خاص| سمير قسيمي:

الجوائز العربية مقصلة للأدب الجيد

روائي صادم في إبداء آرائه، يطلقها دون تنميق أو رتوش، يثير كثيرًا من الجدل حوله وحول اعتداده بما يكتب، غزير الإنتاج (أصدر 9 روايات في عقد واحد) لكنه أيضًا قليل الحضور في المحافل الأدبية، رغم الجودة العالية التي تتمتع بها أعماله، لعل تصريحاته الصحفية الصاخبة والمثيرة للجدل تقف حاجبًا أمام الكثير من النجاح المستحق، لكنه يبدو سعيدًا بهذا الواقع، إنه الروائي الجزائري سمير قسيمي.
قسيمي أديب وصحفي جزائري، ولد في الجزائر العاصمة عام 1974، حاصل على بكالوريوس الحقوق.. عمل محاميًا ومحررًا ثقافيًّا، وهو الأمر الذي أتاح له الاحتكاك بالوسط الثقافي.

غلاف رواية "يوم رائع للموت"

من أبرز مؤلفاته: “تصريح بالضياع”، “يوم رائع للموت”، “هلابيل”، “في عشق امرأة عاقر”، “الحالم”، “الحماقة كما لو يروها أحد”، “سلالم تروللر”، والرواية الأخيرة وصلت إلى قائمة “البوكر” عام 2019، كما وصلت روايته “الحالم” إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد في دورة 2014..

وإلى نص الحوار:

  • بعد إصدارك 9 روايات.. هل اقتربتَ مما أردت قوله روائيًّا؟

لا أعتقد، ليس لأنني أخطّط لأعمال أخرى فحسب، بل لأنني مستمر في الحياة، أو هكذا أعتقد على الأقل.. ترتبط الكتابة بالنسبة إليّ بالحياة بحدّ ذاتها، وما دمت آمل في العيش لسنوات أخرى فسيستمرّ أملي في كتابة رواية أخرى.

بعد 9 روايات، وهو عدد كبير بالنسبة إلى عمري الإبداعي، لا أشعر بأي نوع من الرضا.. صحيح أنني كنت محظوظًا بأني كتبت أعمالاً جعلتني مطلوبًا من أهم دور النشر العربية ذات الصيت، إلا أن ذلك لا يمنعني من التفكير في إمكانيات أخرى للكتابة.

وهنا لا أقصد البحث عن أسلوب معين في السرد، فبعد 9 أعمال، يمكنني الادعاء أن لدي أسلوبًا ولغة وسردًا خاصًّا، فلا يمكن أن تقرأ لي أيِّ عمل إلا وقلت إنه لسمير قسيمي دون الحاجة إلى البحث عن اسمي على الغلاف، بل أقصد نوعًا من الكتابة التي بمقدورها حمل كل هواجسي مرة واحدة في نص واحد.

أدرك أنني أطلب المستحيل، وأحمل في نفسي ربما حلمًا غير واقعي تمامًا، ولكن لمَ لا؟ ففي النهاية احترفت كتابة لا جمال فيها بغير بعض الجنون.

سمير قسيمي

• يُلاحظ كثيرًا اعتمادُك على العبث في مقاربة أوضاع سياسية واجتماعية في المجتمع الجزائري، لكنه عبث مدروس، ويصدق بعض نبوءاتك الروائيّة كما حدث مع رواية “سلالم تروللر”، التي تنبأت بالحراك الجزائري فيها قبل حدوثه.. كيف تقرأ ذلك؟

العبث ليس ما أكتبه في رواياتي، بل ما نعيشه في مجتمعاتنا العربية.. إنه ليس الحروف التي تُقرأ في أعمالي، بل ما يجري في واقعنا، الذي أيسر ما يوصف به أنه “واقع كاريكاتوري” بقدر ما يجعلنا نضحك يضطرنا إلى البكاء، لأننا في النهاية لم نكن نضحك إلا على أنفسنا.

كل ما فعلته “سلالم تروللر” أنها وصفت ما يحدث أو ما ينبغي أن يحدث، إنها رواية كتبت بتكنيك لم يعتد عليه الناقد العربي الذي أصفه دائمًا بـ”التأخر في استيعاب تقنيات السرد المختلفة”، فهي مأساتنا نحن الكتاب، أن نرسم لوحة ليقيّمها من لا يعرف من الألوان إلا أسماءها.
ومع ذلك لم يستطع التخلف النقدي العربي أن يمنعها من الظهور تمامًا، كما لم يستطع حجب أعمال عربية كبيرة نُشرت في ذات السنة، سبق أن نوهت بها سابقًا.

• يصفك بعض النقاد بأنَّك غزير الإنتاج وأن رواياتك المتتابعة متناسلة من بعضها؛ تفكك الرواية السابقة لتعيد بناءها في أخرى.. هل تتفق مع هذا الوصف؟

إنه وصف متحامل، ويكشف في الوقت نفسه عن أزمة النقدي العربي، أو على الأقل يظهر عدم قدرته على مرافقة الكتابة المختلفة، فأي قارئ قليل الثقافة سيؤكد لك بعد قراءة أعمالي، أن أكثر ما يميزني سعة الخيال والقدرة على كتابة اللا متوقع، حتى إٔنني أُثبت في “الحالم” على سبيل المثال القدرة على تخيل مسارات كثيرة ومختلفة لحدث واحد بسيط، ورواياتي على مستوى البناء والتقنية تُظهِر تحكمي في التقنيات السردية.
وأزعم أن بمقدوري جعلك متشبثًا بأي رواية من رواياتي من أول فقرة، وأدفعك لقراءة معظمها في نفس واحد، دون أن تتعثر بأي حبكة غير محكمة، أو شخصية زائدة أو ناقصة.
أدرك أن بعض من سيقرأ هذا سيرميني بالغرور والنرجسية، لكن ذلك لا يهمني في هذه المرحلة من مساري الإبداعي، لكنني أؤكد لك من الآن أن من سيصفني بذلك أحد الرجلين: رجل لم يقرأ لي مطلقًا، أو ناقد عربي كبير جدًّا يملك في النقد ما يملكه المواطن العربي في الحرية.

سمير قسيمي يقرأ بعضًا من كتاباته

• وصفتَ سابقًا أن روايتك الأخيرة “الحماقة كما لم يروِها أحد” بمثابة روايتين في رواية.. ماذا معنى ذلك؟

هي كذلك بالفعل، لا أقل ولا أكثر.. إنها هديتي لنقادنا “الكبار جدًّا”!

• لاقت روايتا “حب في خريف مائل” و”يوم رائع للموت” ترحيبًا نقديًّا كبيرًا في فرنسا بعد ترجمتهما.. كيف تلقيت الأمر؟

إنه أمر بقدر ما أسعدني، أحزنني أيضًا، لأنه يثير سؤالاً قديمًا جديدًا، كثيرًا ما أرقني: لماذا لا نملك منظومة نقدية وإعلامية في العالم العربي تقدّر الإبداع الجيّد بعيدًا عن الجوائز؟ 

لماذا يستمر النقد العربي في الإصرار على تخلفه، بل يُشعرك أيضًا أنه مستمتع بالهوة التي صنعها لأسباب أيديولوجية ومالية ومصالحية، بينه وبين الأدب المتميّز؟ 

ثم ما الذي دفع بإعلامنا الثقافي إلى تحييد دوره، ليصير مجرد إعلام فضائحي لا تثيره التجارب الأدبية والفكرية، بقدر سعيه لتحقيق “السبق الفضائحي”؟ إنها أسئلة تعود لتؤرقني مع صدور أي مقال يتناول أعمالي المترجمة، خاصة روايتي “يوم رائع للموت” التي كتبت بلا شك على غرار “الحالم” و”سلالم تروللر” و”هلابيل” و”الحماقة كما لم يروها أحد”، هل نحتاج دائمًا إلى فيزا الآخر لنعترف بالمتميز لدينا؟

• دومًا تكرر أن “النقد العربي متأخر عن قاطرة السرد” وغير مستوعب لحركتها، ويوجد من يتهمك بالتحامل على النقاد وحركة النقد العربي..

بل مُصِّر جدًّا على هذا الاعتقاد، فحين أقرأ ما يصدره بعض نقادنا من كتب وما ينشرونه من مقالات، وهم نقاد صُنفوا لأسباب لا أفهمها في مصاف النقاد الكبار، تدرك تمامًا اتساع الهوة بين ما يُكتب في الإبداع وما يكتبونه. 

مثلاً مؤخرا قرأت لأحدهم يصف أعمالي بالفنتازية والسحرية، بل يوجد من انتقد فصل “إيلاغين” في روايتي “سلالم تروللر” ويعتبره خارجًا عن سياق الرواية، رغم أن أي مبتدئ في النقد سيدرك بلا جهد سبب وجود هذا الفصل في العمل.. توجد أمثلة لا تحصى تجعلني وأنت تسألني عن النقد العربي، أتصور أنك تسأل عن كائن لم يُخلق بعد، ومع ذلك تصر على فكرة وجوده.

• الجوائز الأدبية العربية كثيرًا ما وقعت تحت نيران تصريحاتك، رغم مشاركتك كمرشح أكثر من مرة في سباق تلك الجوائز.. كيف تقارب المسألة؟ وكيف تفسر هذا الموقف الذي يبدو تناقضًا؟

بالنسبة إليّ، لا تمثل الجوائز العربية إلا فرصة مالية تسمح ببعض البحبوحة المؤقتة، أما أدبيًّا فهي أبعد ما تكون عن فكرة تكريس أدب حقيقي ذي قيمة، فكل تصريحاتي بخصوصها لا علاقة لها بأي نوع من الخيبة الأدبية، بل فقط الخيبة المالية، لأن الجميع يعرف الحقيقة التي لن يصرح لك بها أحد، فحتى الفائزون بهذه الجوائز يعرفون أنها لا تمنحهم وهجًا إبداعيًّا، يجعلهم على يقين أن إبداعهم جيّد، ومعظم سعادتهم ليس بالجائزة، بل فقط بنوع الشقة التي يشترونها، والسيارة التي سيركبونها بفضل الجانب المالي لهذه الجوائز.

بالطبع فلتت أسماء جميلة ونصوص أجمل من مقصلة هذه الجوائز، ولكنه استثناء لا يصنع القاعدة، فاليقين الوحيد أنها منظومة فاسدة تتداخل فيها المصالح والأيديولوجيا والسياسة والجنس والمال.. منظومة لأي شيء إلا الأدب.. أقول ذلك وسأستمر في قوله، ولكن دون أن أمنع نفسي من الترشح لها، فمن يدري فقد أكتب ذات يوم رواية رديئة، تسمح لي رداءتها بأن أفوز بتلك الجوائز العربية المهمة.

الروائي المصري الراحل جمال الغيطاني
  • الروائي المصري الراحل جمال الغيطاني قال إن الجوائز الأدبية العربية أفسدت النشر الأجنبي من خلال رصد مبالغ مالية باهظة لترجمة نصوص عربية ضعيفة حازت الجوائز.. ما رأيك في ذلك؟

هذه حقيقة مُرّة، وواقع لا شك فيه، فباستثناء عمل أو عملين، أعطني عنوان رواية عربية فازت بجائزة واشتهرت في العالم الغربي.. أنا على الأقل سأعطيك عناوين كثيرة لروايات عربية أقصيت من تلك الجوائز ولكنها لاقت رواجًا عظيمًا في لغات أخرى.

الأخطر مما قاله الكبير جمال الغيطاني، أن عددًا رهيبًا من كتابنا العرب ممن نصفهم بـ”الكبار”، يدفعون من أموالهم لتترجم أعمالهم، يدفعون للمترجم ولدار النشر، وبعدها يضعون الجملة الشهيرة في أغلفة أعمالهم “مترجم إلى أكثر من لغة”… إنه أمر مضحك ومن باب اللباقة فقط نصفه بأنه “أمر مثير للشفقة”.

  • علاقتك بالوسط الأدبي الجزائري (الروائي خصوصًا) ملتبسة، فكثيرًا ما تهاجم أسماء شهيرة وتنتقد بشدة بعض النصوص لأسماء مكرسة روائيًّا.. كيف تقيم تلك العلاقة؟ 

أبدًا، لم يحدث أن هاجمت أي اسم، كل ما هنالك أنني أقدم رأيًا صريحًا في بعض الأعمال، ليس لأنني صُدمت منها، بل فقط لأنني في العادة لا أحب أن تهدى إليّ الكتب، فأنا أعمل دائمًا على اقتنائها احترامًا لنفسي أولاً ولصاحبها الذي بذل في سبيلها جهدًا، ولأنني أقتنيها فأنا أدفع من أجلها مالاً أنتزعه من بطن أولادي، وأسخر لقراءتها وقتًا أختلسه من الوقت المفترض أن يكون لكتابتي أو لعائلتي.

وحين أكتشف بعد قراءة أعمال رديئة بذلت فيها مالي ووقتي أنني تعرضت للاحتيال تثور ثائرتي، ما أريد قوله أن بين أي قارئ وكاتب عقدًا أخلاقيًّا غير مكتوب، يلتزم فيه القارئ بدفع مقابل ما يقرأ، ويقابله التزام الكاتب أن نصه يستحق على الأقل ما يدفعه له القارئ من مال ووقت، ولأن العقد شريعة المتعاقدين، فليس من حقك ككاتب أن تغضب أو تحتقر من انتقد كتبك الرديئة.

وفي هذا لا يهمني شخصيًّا اسم صاحب الكتاب أو مدى شهرته، لأنني لا أخرج عن حقي التعاقدي، إذا اعتبرت الآن هذه العلاقة ملتبسة وفيها الكثير من الجدل، فمن الأفضل أن نشطب كلمة المنطق من قواميسنا أولاً.

  • في العام الجديد الذي بدأ.. ما مشاريعك الأدبية؟

الكثير.. الكثير، هناك مجموعة قصصية مكتملة لم أجد الوقت الكافي لمراجعتها ونقلها على الحاسوب، وفي رأسي روايتان جاهزتان تنتظران بعض الإرادة لأنقلهما إلى الورق، لكنني أفكر بجدية في ألا أكتب شيئًا هذه السنة وأكرس وقتي لتعلم أشياء جديدة، فمن يدري؟ قد أتعلم قيادة السيارات، تلك الحرفة التي أجهلها رغم تقدمي في العمر، وقد أجد الشجاعة وأخوض تعلم اللغة الإسبانية التي تفتنني أو أي شيء غير ذلك.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

حوار

محمود أبو بكر

صحفي إريتري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram