حواراتمختارات

خاص| عميد “دار علوم”: نقحنا مناهجنا من التطرف.. والنظرة للطالب المسيحي والمرأة صارت أفضل

  • كنا نفتخر بانتساب الكلية لعلي مبارك فنسبتها التيارات الإسلامية إلى حسن البنّا

  • علي مبارك قصد التقريب بين التراث والمعاصرة.. وسيطرة الإسلام السياسي أبعدتنا عن رسالتنا

  • تجديد الخطاب الديني لا يتعرض للنص المقدس.. والتفسيرات جهد بشري غير معصوم

  • الوعي هو السبيل الوحيد لمنع الإخوان من العودة وحماية الشباب من الخطابات المتشددة

ثمة شخصية تحتفظ بها الكليات الكلاسيكية المصرية، فبينما عُرفت كلية الحقوق كمفرخة للشخصيات السياسية المدافعة عن الدولة الوطنية، شاع عن “دار العلوم” وقوفها في الجهة المقابلة، لمن يتبنى مفهوم المحافظة وما يسمى “مشروع إحياء الخلافة”.. من بين هؤلاء كان حسن البنّا، مؤسس جماعة الإخوان، الذي قدم من بلدته المحمودية، غرب دلتا النيل، إلى معهد دار العلوم –آنذاك- في عمر السادسة عشرة، ليقضى أربعة أعوام بالقاهرة، متجولًا بين حجرات الدراسة وحضرات الصوفية ومجالس دعاة الفكر الإسلامي.

ورغم الطابع الديني، الذي غلب المناهج الدراسية بالمعهد، فإن “البنّا” يرصد شهادته على أيامه في مذكرات “الدعوة والداعية”، فيقول إن طلاب وأساتذة المعهد كانوا داخل فورة الحياة السياسية، يتناقشون في الخلاف بين الوفديين والأحرار الدستوريين وينقسمون عليه.

“البنّا” ومحيطه من الزملاء كانوا بعيدين عن ذلك، إذ انشغلوا -بحكم النشأة الدينية المحافظة- بمسألة سقوط الخلافة الإسلامية (1922) وآثار ما أسماه في مذكراته بـ”موجة الإلحاد والإباحية”، فراح يتصل بالجمعيات الإسلامية ويؤسس لحملات دعوية.

التجربة، التي يراها الإخوان “رائدة” لمؤسسهم في “دار العلوم”، كانت سببا في تحويل المزاج الثقافي للكلية، بحسب عميد الدار حاليا الدكتور عبد الراضي عبد المحسن، في حواره مع “ذات مصر”، إذ قال إن الإخوان أبرزوا مرحلة “البنّا” في “دار العلوم” وأضفوا عليها من الإبهار للتسلل إلى الطلاب وانحراف الكلية من مسار علمي أسسه علي مبارك عام 1872م، والذي قلص الفجوة بين دعاة الأصالة والمعاصرة،  إلى “كلية حسن البنّا”.

وبغرض إرجاع الرسالة التنويرية للكلية والقضاء على الفكر المتطرف بها، طرح العميد المتخصص في الفلسفة الإسلامية وعلم مقارنة الأديان، مشروعا لـ”استعادة وعي” الطلاب، متحدّثا لـ”ذات مصر” عنه باستفاضة.

كلية دار العلوم

“منذ التحقت بالكلية وأنا ألمس الإقصاء الذي يخلقه الإخوان في وعي الطلاب فيفرقون بين فئة الحق وفئة الضلال”.. يقول “عبد الراضي” إن العام الذي وصل فيه الإخوان إلى السلطة في مصر أبرز أن وعيًا صحيحًا غائبًا منذ عقود عديدة من الزمن، وأن آخر مزيفا قد حضر وفرض نفسه على الكلية، إذ كانت دائمًا المكان الذي تخرج منه المظاهرات بالجامعة للمطالبة بسقوط الدولة المصرية وهدم مؤسساتها من منطلق الكفر بالدولة الوطنية، فكان لا بد من وقفة جادة لإعادة الوعي لطلاب الدار بالانتماء للدولة الوطنية وتقديس قيمة المواطنة، بعيدًا عن المنهج الإقصائي.

يقول: “كنت أعمل على ذلك في المحاضرات عندما كنت وكيلًا للكلية، إلا أنه لم يسهل لي تنفيذه بهذا الشكل إلا عندما وُكلت لي مسؤولية الكلية كعميد، وأعتقد أن هذا المشروع لا تحتاجه الكلية فقط، بل مؤسسات مصر كافة”.

أبرز ملامح هذا المشروع تتمحور حول الرغبة في استعادة الكلية من قبضة الفكر المتطرف، بحسب “عبد الراضي”، الذي يضيف: “عملنا أولًا على تفكيك بنية الفكر المتطرف الذي يقوم على إقصاء الآخر عمليًا ونظريًا ونفسيًا، وقسمنا مراحل الإرهاب إلى ثلاث، تنفير ثم تكفير ثم تفجير، مهمتنا كانت محاصرة المرحلة الأولى، وهي إبعاد الطلاب عن السلوكيات المنفرة من الدين بالتشدد والتقوقع وعدم قبول الآخر، ومن ثم منع وصولهم للمرحلتين الثانية والثالثة”.

لا تزال هناك معوقات عنيفة في تنفيذ هذا المشروع، فعندما تحاول تفكيك بنية الفكر فقد اخترت أن تضع  نفسك في قمة المواجهة مع المتطرفين والمستفيدين منهم، باعتبار أن  أي انتشار للفكر المتطرف في مكان ما يصحبه مجموعة منتفعين مالًا ونفوذًا، بحسب “عبدالراضي”، وتابع: “بخلاف مهاجمة هؤلاء للمشروع  دفاعًا عن مكتسباتهم، فأبناء هذا التيار (طلاب وأساتذة) ممن يتمتعون بسيطرة تاريخية على الكلية تمتد لسبعين عاما، يناهضون كذلك المشروع”.

بعض أساتذة كلية دار العلوم لا يزالون يحملون فكر البنا وسيد قطب؟

يجيبنا “عبدالراضي” بـ”لم يتركوا مواقعهم”، مضيفا: “ما زالوا يعملون ويدافعون عن أفكارهم بشكل ضمني، ودليلًا على ذلك، فهم لم يقدموا الدعم لبرنامج استعادة الوعي، بل ذهبوا إلى السخرية منه لتحريض الطلاب على العزوف عنه، لكن رغم المعوقات تلك، فحين طلبنا مائة طالب كدفعة أولى للانخراط في برامج إعداد مائة قائد تقدم 500، ما كشف شدة احتياجهم للمشروع، لذا لم نردهم، بل قسمناهم إلى ثلاث فرق، عملنا معهم جميعًا”.

عميد كلية دار العلوم مع المحررة

مهرجانات ضد التعصب

نظمت دار العلوم مهرجانات توعوية، الأول منها حمل شعار “لا للتعصب”، وكان بمثابة مدخلا لتفكيك بنية الفكر المتطرف، وتضمن المهرجان محاضرات لرموز الفكر التنويري، مُنعت في السابق من دخول الكلية، ومسابقات وورش عمل جماعية، ولحق ذلك، بحسب العميد، مهرجانات مماثلة تناولت قضية الانتماء وقضايا ثقافية مختلفة، وحاضر بها رموز فكرية في الأدب والفن والثقافة، الذين عبَّروا عن انبهارهم بالتحول الذي تشهده الكلية، واليوم باتت المدرجات تمتلئ بطلابنا وبخريجي المشروعات التي نقيمها، اليوم لم تعد لهم الغلبة لأول مرة منذ وقت بعيد، وهذه كانت مهمة شاقة.

النسبة التي حددها “عبد الراضي” للطلاب المنتمين إلى التيارات الإخوانية من إجمالي طلبة الكلية، وصفها بقوله: “كانوا كثيرين للدرجة التي تشعرك بأنهم أغلبية، لكن اليوم الوضع تغير بالدفعات المتلاحقة التي خرجتها برامجنا الفكرية”.

وعلق “عبد الراضي” على شيوع أنباء عن وصول طلاب من دار العلوم إلى سوريا للانضمام للتنظيمات المتطرفة، بقوله: “نعم، فبعض الطلاب وصلوا إلى سوريا وأحدهم قُتل هناك، فأقام أبناء التيار الذي ينتمي له جنازة في بهو الكلية احتفاء به، لكن اهتمامنا حاليا منصب على المناهج، فقد تمت مراجعة كافة مناهج الفرق الدراسية وما يثبت جنوحه نحو التطرف كان يُحذف، فضلا حصد مكاسب نوعية مثل تمكن طالبة من الوصول إلى منصب رئيس اتحاد الطلاب في تحول ملحوظ في النظرة للمرأة داخل الكلية، ليس ذلك فحسب، بل تمكنت الطالبة من الحفاظ على منصبها دورتين متتاليتين، ما يعني ثبات درجة الوعي المكتسب، كذلك تمكن طالب مسيحي من خوض الدراسة بالكلية بعدما كان الطلاب المسيحيون يفضلون عدم الالتحاق بها خوفًا من سطوة التيارات الدينية”.

عميد كلية دار العلوم

تجديد الخطاب الديني

وباعتبارها قضية مطروحة منذ سنوات للنقاش والجدال، يرد “عبدالراضي” أمر التجديد إلى وعي ورغبة دارس الفلسفة الإسلامية، فهو يراه “الأقدر على إحداث التجديد”، لأن المهمة تحتاج لمعرفة تاريخ الفكر الديني، وتاريخ الفكر التشريعي وأصول بناء الحضارات وانهيارها، وهو ما يتوافر في هذا النوع من الدراسة” مُعرّفا مصطلح تجديد الخطاب الديني على أنه “تعديل لمنهج التفكير، يصاحبه تصحيح للقضايا الزائفة واستبعاد القضايا التي لا يحتاجها المجتمع، مع طرح أخرى ضرورية لإصلاحه”، مشددا على أن مصطلح التجديد لا يمس النصوص الدينية، بل يخص طريقة فهمها وقراءتها والاستنتاج منها، لذا فالخطاب الديني “شخصي لا عصمة له”، أما النص الديني من قرآن وسنة صحيحة فهو “معصوم”، وهذا كلام ضروري لنتخلص من نظرة ومشاعر الريبة التي تخرج من المواطنين العاديين حين يستمع إلى هذا المصطلح الذي ساءت سمعته، بفضل جهود التيارات المناوئة للفكرة، إذ استبقت كل محاولات التجديد وحاصرتها في مهدها، مُدعية أن هدفها “هدم الدين وتفريغه من محتواه، رغم وجود الأصل الشرعي للتجديد الذي تمثل في الحديث الشريف: “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا”، وكذلك ورود تجارب التجديد على يد كبار الفقهاء مثل الإمام الشافعي الذي حضر إلى مصر فأقام مذهبا جديدا غير الذي جاء به إليها، مضيفا: “بحكم اختلال الخطاب الديني لدينا، نعاني من تيار وصل في عدائه للدولة المصرية إلى التهجم عليها وسب الرموز والتقليل من المشاريع القومية، فضلًا عن تكفيره لغالبية المجتمع، وأنا أرى أن الإسلاميين ما أن يتدخلوا بسياسة أي دولة إلا ويحدث فيها أزمات، دخلوا في السودان قُسّمت، دخلوا بسوريا واليمن فحدث فيهما ما حدث، لذا ففشلهم في الحكم معلوم في الأغلب”.

وقيّم “عميد دار العلوم التجربة المصرية في الخطاب الديني بوصفه أننا لا زلنا في أول الطريق وأمامنا خطوات كثيرة”، وأوضح أن هناك قصورا وقع فيه بعض متبني القضية، تمثل في خلطهم بين التجديد وبين الدعوة، لكي يبتعدوا عن التدين ومهاجمته، وساعد هذا الخلط في تدعيم نظرة تيارات الإسلام السياسي، الذين زعموا أن تجديد الخطاب الديني “يُفرغ الدين من محتواه ويصمم دينا جديدا”، وهذا بالتأكيد كلام مسموم أو حق يراد به باطل، كما أن لدينا بعض رجال الدين، الذين لا يزالون غير مقتنعين بعد بحتمية التجديد، وستظل الفكرة حبيسة ما لم تكن الرغبة في التنوير جادة وتقف معها جهود منظمة جماعية وليست فردية، ومع ذلك تبقى مصر جاهزة لإحداث التجديد في الخطاب الديني، فلديها نخب ورموز تنوير، لا سيما إسهاماتها في تغيير خارطة الفكر الإسلامي.

لا يتفق “عبد الراضي” مع من يرون أن إعمال العقل منعدم لدى المصريين، بناء على الكم الضخم لتساؤلاتهم، التي ترد إلى دار الإفتاء، ومن ثم عدم جاهزية المصريين لتجديد خطابهم الديني، بل يقول إن نزوع المصريين إلى الدين يبرهن على تدينهم ولا يتناقض مع رغبتهم في تجديد دينهم، أما مهمة إعمال العقل، فمردها إلى رجال الإفتاء المسؤولين عن بنائه لدى جمهور المواطنين.

وفي إشارة منه إلى خطورة مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبارها وسيلة سهلة للمتطرفين لكي ينشروا أفكارهم، وسط عدم وجود ضوابط للفضاء الإلكتروني عموما، قال “عبد الراضي” إن هذه ساحة متاحة لكل متطرف لبث أفكاره كما يشاء، لكن قدرتهم على حفظ البقاء والتأثير من خلال هذا العالم الافتراضي يتوقف على المتلقي ومدى قدرتنا على بث الوعي بالمجتمع، فإذا تمكنا من توعية المواطن العادي فلن يتمكن أحد من التأثير عليه.

سارة الحارث

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى