مئة عام على الميلاد

خاص| تسجيلات وصور تُنشر لأول مرة عن "طوبار"

على مدار عقود، ظلَّ الشيخ “نصر الدين طوبار” يمثل حالةً فريدةً في عالم الإنشاد الديني، بأسلوبه الخاص، وأدائه الضارع، ولا ريب أنَّ مرور 100 عام على ميلاده يمنحنا فرصةً؛ للتأمل في مسيرة الرجل والطريقة التي اختارها لنفسه، فلا أحد يُنكر أنَّ الشيخ “طوبار” كان من أكثر المنشدين تأثيرًا في الجماهير، وأنّه حظِيَ بشعبية لم  يحظَ بها منشد غيره، وتلك حالة تحتاج إلى وقفة لفهم أسبابها، لا سيما مع الإقرار بأنَّ الرجل لم يكن صاحب إمكانات صوتية غير اعتيادية؛ لكنه– رغم ذلك- استطاع أنّ يُصبح أحد أهم رموز فن الإنشاد الديني في مصر والعالم الإسلامي كله.

صورة أصلية للشيخ "طوبار" في شبابه.

في الـ7 من يونيو عام 1920، ولِد الشيخ “نصر الدين شلبي طوبار”، بحي الحمزاوي في مدينة المنزلة بمحافظة “الدقهلية”، وهذا التاريخ الذي تؤكده أسرة الشيخ ينفي كل التواريخ التي انتشرت خلال الأشهر الماضية، ممن أرادوا احتفالًا مُعجلًا بمئوية ميلاد “طوبار” في أشهر يناير، أو فبراير، أو مارس، الـ7 من يونيو هو التاريخ الذي تؤكده بطاقة “طوبار” الشخصية وجواز سفره، الذين تنشر “ذات مصر” صورتهما للمرة الأولى.

صور جواز سفر الشيخ
صورة البطاقة الشخصية للشيخ "طوبار" تُثبت تاريخ ميلاده الصحيح

في مدينة المنزلة، نشأ الفتى “نصر الدين” والده قارئ، وجَدُّه قارئ كبير، يدعى إلى القدس واستانبول، حفظ الفتى القرآن في كتاب الشيخ “محمد أبو سلطان”، وهو رجل صالح، وَهَبَ حياته كلها لتحفيظ القرآن الكريم، وعُمر طويلًا، فقد توفي عام 1990، أي بعد رحيل تلميذه الأشهر “نصر الدين طوبار” بـ4 سنوات.. بعد حفظ القرآن، تعلم الطفل “نصر الدين” أحكام التجويد على يد الشيخ “محمد مسعد صقر”، وهو من علماء القراءة في المنزلة.

والمنزلة مدينة عريقة، يعمل جُل أهلها بالتجارة، واعتادت العائلات الكبيرة فيها على إحياء ليالي شهر رمضان والمناسبات الدينية بتلاوة القرآن، وإنشاد القصائد والتواشيح، وفي هذه الأجواء تَفَتح وعي طوبار، لا سيما بعد أنّ رأى بعينه حفاوة الجماهير بكبار المشايخ، ومشاهير المنشدين الذين كانوا يَدعون لإحياء الليالي، أو مآتم العائلات الغنيّة في المنزلة، رأى بعينه التجاوب الجماهيري مع الشيخ “مصطفى الجمل”، الذي كان يُدعى لإحياء بعض الليالي، وفي ليلة المولد النبوي، حضر إلى المنزلة الشيخ “إبراهيم الفران”، مصطحبًا بطانته، واستمع “طوبار” إلى الأداء الفذ للمنشد المشتهر، وكان من نتيجة ذلك أنّ قرر الفتى “نصر الدين” تكوين بطانة من أصدقائه المشايخ، ومارس مبكرًا عملية التلحين للقصائد والموشحات، التي دَوَّنَ كلماتها في كراس، بعد أن أخذها مباشرةً من كبار الشيوخ الذين أحيوا الليالي في المنزلة.

بدأ طوبار خطواته الأولى في عالم التلاوة والإنشاد، واشتهر في المدينة والقرى المجاورة لها، لكن طموحه كان كبيرًا، وفي محاولاته لإثبات وجوده، ونيل الشهرة التي يرى أنّه يستحقها تعرض “طوبار” لمرات متوالية من الإحباط، بما يكفي لتحطيم أي أمل، ونسيان كل تفكير في الصعود إلى مرتبة الكبار.

إلى القاهرة

شهرة “طوبار” في منطقة المنزلة، واستحسان الجماهير لتلاوته، شجعه على قرار صعب، هو الانتقال للإقامة في القاهرة، ومحاولة طرق باب الإذاعة، والتقدم لاختبار القراء، وهي محاولة لم تلقَ نجاحًا، وخلال 6 سنوات، أقام فيها الرجل بحي السيدة زينب لم يشعر به أحد، فدبَ الإحباط إلى قلبه، فحمل أمتعته واصطحب أسرته، عائدًا إلى بلدته؛ ليمكث عامين كاملين، قبل أن يشتعل بداخله بركان الطموح، الذي خمد بصفة مؤقتة؛ ليحزم أمتعته مجددًا قاصدًا القاهرة، وليتقدم مرة أخرى إلى الإذاعة.

 عرف الشيخ طريق النجاح، يوم أنّ عرف إمكاناته الصوتية، وما يمكن أنّ يرضي به الجماهير، فتوقف عن محاولات الالتحاق بالإذاعة قارئًا للقرآن الكريم، بعد أنّ حدَّث نفسه بأن الساحة تمتلئ بأعلام يصعب معهم ظهور نجم جديد، فالجيل كله جيل عمالقة، ولن يجد الشيخ موطئ قدم في ظلِّ كبارٍ من أمثال “مصطفى إسماعيل”، و”عبدالفتاح الشعشاعي”، و”أبو العينين شعيشع”؛ لذا قرر “طوبار” أن يطرح نفسه على المستمعين منشدًا يحاول تقديم لون جديد.

في لندن.. وسط حفاوة ممثلو الدول الإسلامية

وبالفعل وعام 1956، قُبل الشيخ طوبار منشدًا للتواشيح والابتهالات في الإذاعة المصرية، التي كانت تعيش في هذه الفترة عهدًا صارمًا لا يعرف مجاملةً ولا محاباةً، ولا يقبل بأنصاف المواهب، فقد كان على رأس لجان الاستماع في هذه الحقبة الموسيقار “محمد حسن الشجاعي”، ومعه مدير عام البرامج الدينية الشاعر الكبير “محمود حسن إسماعيل”،  كان الشجاعي مسؤولًا عن كل ما يخص الأداء الصوتي والموسيقى من مطربين، وعازفين، وقراء، ومنشدين، كان مؤتمنًا على ذوق المصريين، الذين كانوا يعتبرون الإذاعة ولجانها عنوانًا للجودة ودقة الاختيار، كان اسمه كافيًّا لبث الرعب في قلب كلٍّ من تُسوَّل له نفسه أنّ يتصدر دون أنّ يكون أهلًا للتصدر، وقد روى الشيخ “طوبار” نفسه في حديث إذاعي أنَّ “الشجاعي” لم يكن يكتفي بالتشدد في اختبارات القبول فقط، بل كان متشددًا فيما بعد النجاح والقبول، إلى حد أنه إذا ضبط قارئًا غير مهندم المظهر حذفه من البرنامج، ولم يسمح بمرور صوته عبر الأثير، فالقارئ الإذاعي في نظر الشجاعي، يجب أن يكون عنوانًا للانضباط في الأداء، والمظهر، والسلوك، ولا ريب أنَّ التوقيت والظروف والقواعد والمعايير، التي اعتمد الشيخ “طوبار” على أساسها تُمثل جانبًا مهمًا؛ لفهم موقع الرجل ومكانته في صَرح الإنشاد الديني المصري.

كانت دولة الإنشاد لا تزال قوية، وتزدحم ساحتها بعددٍ من العمالقة، على رأسهم صاحب الصوت المُقتدر الشيخ “طه الفشني”، وإلى جواره كبار كالشيخ “محمد الفيومي”، و”عبدالسميع بيومي”، ولم يكن سهلا أنّ يُثبت “طوبار” وجوده بأداء يُميزه وسط هؤلاء الفطاحل، فاختار أنّ يهتم كثيرًا بالابتهالات، والأداء الفردي الضارع الخاشع، أكثر من اهتمامه بالتواشيح والأداء مع بطانة، وإنشاد المولد، فرغم إجادته لهذه الألوان، فإن مستواه فيها لم يكن ليضعه في طبقة أئمة الصف الأول.

يرفع الأذان بإحدى الوحدات العسكرية.. وخلفه القارئ الشيخ "محمود علي البنا"

ولا نكون مبالغين إذا قلنا: إنَّ “نصر الدين طوبار” هو مؤسس فن الابتهال، ومُقعِد قواعده، ورافع رايته من بين المنشدين جميعًا، فقد اتكأ الشيخ في أدائه على الضراعة الخاشعة، والمناجاة الباكية، ودخل صوته إلى قلوب الجماهير، التي تلهفت للاستماع إلى كلمات طوبار المختارة بعناية، وإلى أدائه الممتلئ بالشجن والحزن.

ولا تتضح هذه الحقيقة إلا بإدراك الفرق بين أقسام الإنشاد الديني، لا سيما بعد أن رسَّخَت الإذاعة في وعي جمهور المستمعين معنى خاطئًا، بإطلاقها لفظة “ابتهال” على كل أشكال الإنشاد الديني، حتى لو كانت القطعة المقدمة قصيدة، أو موشح، أو قصة المولد، ومن يبحث في تاريخ الإنشاد المُسجل ومساراته الزمنية، سيدرك أن لون “الابتهال” لم يتبلور في مصر بصورة كاملة وواضحة إلا مع ظهور الشيخ “طوبار”، فما قبله لم يكن إلا تسابيح وأدعية، تمهد غالبًا لأذان الفجر، وإذا أخذنا تسجيلات الشيخ “علي محمود” مثالًا، فإننا لا نكاد نجد فيها لون “الابتهال”، فهي بين ألوان ثلاثة: قصيدة مثل “أدخل على قلبي المسرة والفرح”، أو موشح مثل “اقرأ اللوح البياني الأتم” أو مولد مثل البرزنجي أو المناوي.

في باريس.. وبجواره الشيخ "راغب مصطفى غلوش"

وقد غابت هذه الحقيقة عن كثيرين من المهتمين بفنون التلاوة والإنشاد في مصر، ومن أشهر هؤلاء الأستاذ “محمود السعدني”، الذي زعم في كتابه الشهير “ألحان السماء” أنَّ فن الإنشاد الديني تدهور على يد الشيخ “نصر الدين طوبار”، واعتبر أنَّ الشيخ أعاد فن التواشيح إلى حلقات الدراويش والمجاذيب، وهذا الموقف من “السعدني” ليس إلا خلطًا بين ألوان الإنشاد الديني، واختزالها في “التواشيح”، التي مثلت دائمًا جانبًا هامشيًّا في مسيرة الشيخ “طوبار”، بالرغم من أن تسجيلات الرجل للتواشيح بمصاحبة البطانة، تثبت أنّه لم يخرج بأي شكل عن النمط التقليدي الموروث، وبالطبع لا يصل أداؤه فيها إلى مستوى “الفشني” أو “الفيومي”؛ لكنه قطعًا لم ينحدر بمستواها، ولم يحولها إلى طريقة “مجاذيب الصوفية”، كما يقول السعدني، وإذًا يجب على من يتصدى لوزن تجربة الشيخ “طوبار” أنّ يظلّ منتبهًا لتلك الفروق بين ألوان الإنشاد، وأنّ يتذكر دائمًا أنَّ “طوبار” حاز شعبيته الواسعة، وجماهيريته الكبيرة الممتدة إلى اليوم من اهتمامه بالابتهالات لا التواشيح، وبالأدعية لا بالقصائد، وبالأداء الضارع لا البطانة المتمرسة.

في قاعة ألبرت بـ"لندن".. ينشد في المؤتمر الإسلامي العالمي عام 1975

عند دراسة تراث الشيخ طوبار، نرى شخصيتين للمنشد الكبير، أو بالأحرى نرى أسلوبين مختلفين في الأداء، فالابتهالات الإذاعية، المُسجلة داخل أستوديو، تتسم بالخشوع، والتمسك بمقام موسيقي واحد، بل ويغلب عليها ترك التطريب، وما زالت هذه الابتهالات تلقى قبولًا واسعًا بين المستمعين، بينما يختلف الشيخ تمامًا في أدائه وسط جماهيره، لا سيما في الليالي الاحتفالية، والسرادقات الكبيرة؛ حيث يستخدم “طوبار” إمكاناته كلها، ويُوظف درايته الموسيقية، متنقلًا بين المقامات المختلفة، ومقدمًا جرعات من الطرب، الذي يُرضي الباحثين عن “السلطنة”.

ابتهالات طوبار في الإذاعة

كان الشيخ “نصر الدين طوبار” من أحرص المنشدين على انتقاء الكلمات المؤثرة الرقيقة، ذات الوقع المباشر على المستمع، ونذكر منها على سبيل التمثيل تلك الكلمات التي كتبها له الشاعر الإسلامي الكبير الشيخ “الصاوي شعلان”، واشتهرت للغاية في أرجاء العالم الإسلامي: “بالله إيماني.. وفيه رجائي.. وإلى علاه ضراعتي وبكائي.. يا مؤنسي.. في وحدتي.. يا منقذي.. في شدتي.. يا سامعًا لندائي.. فإذا دجى ليلي.. وطال ظلامه.. ناديت يارب.. فكنت ضيائي”.

جهاز شرائط البكر الخاص بالشيخ "طوبار"

حرص الشيخ طوبار على التنويع المقامي في ابتهالاته المُسجلة للإذاعة، ومن أشهرها: “يا إله العالمين حنيني دائم- مقام بياتي-، ومجيب السائلين حملت ذنبي- مقام راست-، وطال في ساحة الرجاء دعائي- مقام هزام-، يا من ملكت قلوبنا- مقام نهاوند-، وهو الله رب الوجود ولا معبود إلا هو- مقام جهاركاه-، كما سجل بعض التواشيح مع البطانة، لعلّ من أشهرها “يا من رضيت لنا دين الهدى دينا”- مقام صبا-، ويا من له في يثرب روضات- مقام حجاز-.

يا إله العالمين حنيني دائم.. من أشهر ابتهالات "طوبار" الإذاعية

ولا شك أنَّ هذا التنويع لم يكن مصادفةً، وإنّما كان بخطةً واضحةً في ذهن الشيخ، ومن الضروري هنا أنّ ننتبه إلى أنَّ هذه الابتهالات الإذاعية، تُمثل لونًا من ألوان الارتجال، لكن أثر الإعداد المسبق واضح فيها، وهي من دلائل القدرات التلحينية للشيخ “نصر الدين”، ورغم اختلافها المقامي، فإنَّ الرجل استطاع أنّ يُطبعها بطابعٍ جامع، وأنّ يؤطرها بإطارٍ مميزٍ، فتتكون كلها من أجزاء رئيسية هي: استهلال تتضح منه شخصية المقام، ثم تصعيد بجمل رشيقة تتسم بالرقة والخشوع والضراعة، ثم قفلة أنيقة ومؤثرة.

لقاء مُنتظر مع طوبار

وكان فجر الجمعة من كل أسبوع، موعدًا ينتظره محبو الشيخ في أرجاء مصر والعالم الإسلامي، كي تصافح آذانهم صوت “طوبار” في ابتهالات الفجر، التي جعلها الشيخ حيّةً نابضةً، تسمع فيها صيحات الاستحسان من آلاف المتوافدين على مسجد الحُسين؛ لأجل لقاءٍ مباشر مع منشدهم الأثير، كان الفجر الأسبوعي المُنتظر مختلفًا، في روحانيته وصفائه، بل وازدحامه؛ حيث كانت الشُرطة تضطر أحيانًا لزيادة الخدمات الأمنيّة حول المسجد؛ لمواكبة الإقبال الجماهيري الكبير.

يا مؤنسي في وحدتي.. ابتهالات الفجر

وفي ابتهالات الفجر، كان الشيخ طوبار يُقدم اللون الذي تَمَيّز به، الخشوع والحزن والضراعة والبكاء، لم يكن في لقاءات الفجر يهتم كثيرًا بمعايير الجودة الفنيّة، ولا بأفانين الطرب والقفلات الحراقة، وكان التجاوب الجماهيري معه غير مسبوق؛ لأن صوته الضارع واكب الشعور الديني المتزايد عقب هزيمة يونيو عام 1967، واستمر الشيخ في طريقته، مع اختيار الكلمات التي تُناسب هذه الحالة، وجدت الجماهير في ابتهالات “طوبار” سلوى وعزاء لمعاناتهم، سواء كانت تلك المعاناة تخص الأمة كلها، في طلبها للنصر على الأعداء، وتجاوز هوان الهزيمة، أم كانت معاناةً شخصيةً، تختلف باختلاف هموم كل محزون.

ليالي طوبار مع الجماهير

والمستمع الخبير، يعرف أن “طوبار” يتحسس جمهوره في الدقائق الأولى، ويختبر رغبة المستمعين المحتشدين، ومدى وعيهم بفنون التلوين النغمي، والأداء الطربي، وبقدر تجاوب الجمهور مع هذا الأداء يكون عطاء “طوبار”، طربًا، وثراءً، وإشباعًا؛ للمتعطشين إلى فن يتسم بالتركيب، ويبتعد عن الاستسهال، وبعبارة أوضح، فإن الشيخ “نصر الدين”، وخلال الوقت القصير الذي يقضيه مع بعض جمهوره قبل بدء الحفل، يُكوِّن رؤيةً عامةً عن طبيعة هذا الجمهور وميوله الفنية، أهو من النوع الذي يميل للابتهال والخشوع والضراعة والتباكي؟ أم من محبي الطرب، والسلطنة، والانتقالات المقامية، والإجادة التلحينية؟ ومع الدقائق الأولى للوصلة الطوبارية، يتأكد الشيخ تمامًا من تقديراته الأوليّة، ويُعطي الجمهور ما يريد، ولعلَّ هذا ما يفسر حالة التجاوب الجماهيري الدائم مع الشيخ “نصر الدين طوبار”، سواء في الفجر أو في الاحتفالات الرسمية بالمساجد الكبرى، أو في الليالي التي يُحييها في أنحاء القطر المصري.

طوبار في الجلسات الخاصة

كان الشيخ طوبار يُحب أجواء الطرب والسلطنة، وكان يجد نفسه في تللك اللقاءات الضيقة، التي تجمع قلة من السميعة المرهفين معًا في مكان صغير، وهنا، يُطلق طوبار كل إمكاناته الفنيّة، وخبراته النغميّة المختزنة، لا سيما إذا كان المستمعون من الشيوخ القراء أو المنشدين المعروفين؛ لأن درايتهم الموسيقية تُمثل حافزًا يستفز كل طاقاته الفنية.

وبمناسبة مئوية ميلاده، تُقدم “ذات مصر” نموذجًا، لهذه اللقاءات، التي كان “طوبار” يتألق فيها ويبدع؛ حيث نستمع إلى جزء من تسجيل شديد الندرة، لجلسة بمنزل القارئ الشيخ “إبراهيم الشعشاعي” صديق “طوبار” المقرب، وبحضور عددٍ من مشاهير المنشدين، ومن أبرزهم “محمد عمران”، و”ممدوح عبدالجليل”، الذين تظهر أصواتهم وهم يتجاوبون مع “طوبار” ويستعيدونه.

مقطع نادر جدًا للشيخ "طوبار" من جلسة خاصة بمنزل الشيخ "إبراهيم الشعشاعي"

ومن الألوان التي تميز فيها الشيخ “نصر الدين”، الأناشيد الدينية، بمصاحبة الآلات الموسيقية؛ حيث سَجَل للإذاعة عددًا منها، ونتذكر من هذه الأناشيد، يا خالق الكون ورب السماء، والله رب الوجود، وقطرة من نداك.

نشيد أشرق النور علينا.. من تسجيلات التلفزيون

كان الشيخ “نصر الدين طوبار” متطلعًا لتعلم الموسيقي، وفي زيارة لمنزل الموسيقار “محمد عبدالوهاب”، قال له موسيقار الأجيال: أنا استمعت إليك في الراديو، وأنت تنشد من مسجد الحُسين توشيح “أضاء النور وانقشع الظلام” للشيخ “علي محمود”، فلم لا تدرس الموسيقى؛ لتكون واعيًّا بما تؤديه؟ وبالفعل، التحق “طوبار” بالقسم الحر بمعهد الموسيقى العربية، ولمدة 3 سنوات، درس الأدوار والموشحات على يد الأستاذ “عبده قطر”، ودرس “الصولفيج” على يد الأستاذ “أمين فهمي” وتلقى أصول العزف على العود على يد أحد أعلامه، وهو الأستاذ “جورج ميشيل”، وظلَّ الشيخ لآخر حياته وثيق الصلة بآلة العود، ويكاد يعزف عليها بصفة يومية، كما اقتنى الشيخ عددًا من الأعواد، وكان يغير أطقم أوتارها بنفسه، ويدوزنها بدقة، وفي حقبة السبعينيات، أبدى الرئيس الراحل “محمد أنور السادات” رغبته في إنشاء فرقة للإنشاد الديني، تكون تابعة لأكاديمية الفنون، كما أبدى رغبته في أن يترأس الشيخ “طوبار” هذه الفرقة، وأن يقودها في الحفلات الدينية، ولا سيما الرسمي منها وبالفعل، تكونت الفرقة وترأسها الشيخ “نصر الدين” حتى وفاته.

أحد أعواد الشيخ "نصر الدين".. صناعة عام 1969

ظلَّ الشيخ “طوبار” طوال حياته يجمع بين تلاوة القرآن والإنشاد الديني، رغم اعتماده إذاعيًّا وتليفزيونيًّا في الإنشاد لا التلاوة؛ لكنه استمر في قراءة القرآن، وقبول الدعوة لإحياء الليالي والمآتم، وكانت تلاوته مؤثرةً جدًا، يبكي لها المستمعون؛ لكن شخصية المنشد كانت تطغى أحيانًا على شخصية القارئ، وحتى في التسجيلات الأخيرة، التي صدرت لـ”طوبار” بعد موافقة الأزهر، وتميزت بدقة أحكام التجويد، فإننا نجد الشيخ يبدأها بطريقة وقورة، وعلى السمت الموروث في التلاوة المصرية؛ لكنه وبالتدريج يذهب إلى أسلوبه الإنشادي الغنائي.

وبالرغم من أنَّ كثيرين يحبون طريقة “طوبار” في التلاوة، ويعتبرونها مثالًا للخشوع والتأثر، فإن هذه الطريقة كانت الحاجز الوحيد بينه وبين الاعتماد قارئًا للقرآن بالإذاعة، وهو ما يُوضح بجلاء مدى دقة الفرز عند لجان الاستماع في خمسينيات القرن الماضي؛ إذ لم يكن الحفظ وسلامة أحكام التجويد وحسن الصوت مسوغات كافية للاعتماد الإذاعي، إذا كان القارئ يتلو بطريقة تخالف ما توارثه شيوخ هذا الفن كابرًا عن كابر، وكان محبو قراءة الشيخ طوبار، يحتشدون مبكرًا كل يوم جمعة بمسجد الخازندار بمنطقة شبرا؛ حيث عُيّن الشيخ قارئًا للسورة.

نموذج لتلاوة "طوبار".. وفي الدقيقة 4 يلاحظ طغيان شخصية المنشد على تلاوته

انتشر صوت “طوبار” في ربوع مصر، ومنها إلى أنحاء العالم الإسلامي، وتعددت زياراته للدول العربية والإسلامية، بل ودُعيّ إلى عدد من الدول الغربية من أهمها، الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وكندا وبريطانيا؛ حيث أنشد على مسرح قاعة ألبرت في لندن، وبلغ أثر صوت الشيخ على القلوب إلى درجة أن يُسلم لسماعه من لا يفهم اللغة العربية.

الشيخ مع حفيده عمرو الخولي
طوبار لم يرافق السادات في رحلة القدس

وإذا كانت مئوية ميلاد الشيخ وفرت فرصة لتصويب تاريخ استقباله الدنيا، فهي فرصة أيضًا لتصويب الخطأ المنتشر عن تاريخ وفاته؛ حيث جعله أحدهم على موسوعة ويكيبيديا يوم 6 نوفمبر، وانتقل بالخطأ إلى كثير من الصحف والمواقع ومعدي البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وفي التصويبات أيضًا، من المهم أنّ ننفي كل الإشاعات المنتشرة حولَّ اصطحاب الرئيس “السادات” الشيخ “طوبار” معه في رحلته إلى القدس عام 1977، وقد زادت هذه الإشاعة انتشارًا بعد أنّ ركّبَ أحدهم تسجيلًا لتكبيرات العيد بصوت الشيخ “نصر الدين” على فيديو للرئيس “السادات” وهو يؤدي صلاة العيد بالمسجد الأقصى، ثم ترسخت أكثر بعدما بثها أحد مذيعي إذاعة القرآن، في حلقة خاصة عن الشيخ، تضمنت من الأخطاء المنقولة من مواقع الإنترنت أكثر مما تضمنت من الصواب.

مع وزير الداخلية الأسبق "زكي بدر"

في يوم 16 نوفمبر عام 1986، توفي الشيخ “نصر الدين طوبار”، عن 66 عامًا، قضى منها 30 عامًا منشدًا شهيرًا بالإذاعة والتلفزيون، ويوم وفاته بكاه الملايين من محبي صوته في ربوع مصر وقراها، وفي المساء أُقيم سرادق ضخم للعزاء بجوار منزل الشيخ بمنطقة شبرا، واحتشد كبار القراء والمنشدين لوداع الرجل، الذي صار جزءًا من الوجدان الشعبي، وفي العزاء تناوب كبار القراء أدوارهم في التلاوة، وعلى رأسهم الشيخ “عبدالباسط عبدالصمد”، وتطلعت الأنظار إلى صديق العمر ورفيق الرحلة، الشيخ “إبراهيم الشعشاعي”، الذي اقترن اسمه باسم الشيخ “نصر الدين” في كل المحافل ولعقود الطويلة؛ لكن الشيخ “إبراهيم” كان في حالة عميقة من الحزن، لم يستطع معها أن يعتلي دكة التلاوة، فاختار أن يقف مع أفراد الأسرة لتلقي العزاء والمواساة.

وبعد مرور نحو 5 سنوات على وفاة الشيخ، وتحديدًا في ليلة القدر عام 1991، كرمته الدولة المصرية، بمنحه نوط الامتياز من الطبقة الأولى.

نوط الامتياز.. منحه الرئيس الأسبق "محمد حسني مبارك" لاسم الشيخ "طوبار" بعد وفاته

ورغم مرور عقود على رحيل طوبار، فإنه ترك فراغًا لم يملؤه أحد، وما زالت الجماهير تحن لصوته الرقيق، وأدائه الخاشع، ويشعرون مع ابتهالاته بالرحمة والسكينة، وتنساب دموعهم مع مناجاته، وترق قلوبهم لتوسلاته: إنّ لم ينل منك العليل شفاءه منا وفضلًا لم يفز بشفاء.. إنّ لم تكن بك للغريب هداية طال الطريق على الغريب النائي.. إنّ لم تكن منك المعونة لم يفز أحد من الدنيا بنيل رجاء.. سبحت باسم علاك يارب.. فإذا سكت اللسان لسبحت أعضائي.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram