ثقافة وفنمختارات

خافيير بارديم.. أيقونة الأشرار الخالدين

 

يحصل روبرت دي نيرو على رخصة لقيادة سيارة أجرة، ليمضي أسبوعين يدور بها في ليل نيويورك بحثًا عن “ترافيس بيكل”، بطل فيلمه (Taxi driver).

المخرج هيكتور بابينكو كان يضطر ليمسك بذراع ميريل ستريب برفق، هامسًا بتوجيهاته في أذنها خلال تصوير فيلم (Ironweed) لأنها بدت له في حالة ذهنية يبدو كل شيء آخر بالنسبة لها كانتهاك.

يحرم داستن هوفمان نفسه من النوم ثلاثة أيام ليكون قريبًا من الحالة الذهنية للشخصية التي يجسدها في فيلم (Marathon Man).

في غرفته بفندق تشيلسيا بنيويورك يجلس الإسباني خافيير بارديم في ضوء خافت يخط رسائل وقصائد موجهة للروائي والشاعر الكوبي المنتحر رينالدو أريناس، والذي على وشك تجسيد حياته على الشاشة، مفتتحًا كل رسالة بهذه الكلمة: ساعدني.

ما التمثيل على أي حال؟

يعتقد الكثير من منظري فن التمثيل أنه يقع في منطقة ما غامضة  بين التعبير عن الذات والهروب منها، أو كما يرى بارديم، الذي يعد أحد أكثر المواهب التمثيلية الحاضرة الآن على الساحة العالمية نضجًا وخصوصية: كأنك تحدق في مرآة أمامك مبصرًا كل ما لا تود أن تراه في داخلك، كل ما يخيفك مع القدرة على تجاوز ذاتك تمامًا لتكون في جلد شخص آخر.

ينحدر خافيير من عائلة سينمائية إسبانية يمتهن أغلب أفرادها الإخراج والكتابة والتمثيل.. والدته بيلار بارديم تعمل كممثلة منذ الستينيات.. تنقلت بين السينما والتليفزيون والمسرح لتضمن معيشة أطفالها بعد أن تركهم الأب بينما كان خافيير في عمر عامين.

رغم ذلك، كان فن الرسم هو حب بارديم الأول، كان يرغب في أن يكون رسامًا حتى أنه قبل بأدواره الأولى كممثل لتدبير دخل يضمن له استمرار شغفه بالرسم. لم يستمر خافيير في ذلك طويلًا قبل أن يدرك في عمر العشرين أن التمثيل هو نداؤه الحقيقي.

من فيلم jamon jamon

يمنحه المخرج بيجاس لونا دورا في فيلمه (The Ages of lulu) ثم دور البطولة في التالي (jamon jamon)، الفيلم الذي سيطلق نجوميته في إسبانيا.

يؤسس لونا بفيلميه السابقين والفيلم التالي أيضًا (golden balls) لتلك الهالة الجنسية للفحل اللاتيني التي سترافق خافيير خلال أغلب أعماله في عقد التسعينات، محوّلة إياه إلى (sex symbol).

يحاول خافيير الخروج على هذا التنميط، مؤديًا أدوارًا أقل اعتمادًا على الجسد والحسية التي وسمت أعماله الأولى، وأكثر تركيبًا من الناحية النفسية.

يأتي في هذا السياق فيلمه مع الإسباني الكبير بيدرو ألمودفار المعنون (live flesh) والذي يعاني فيه من شلل نصفي، جراء حادثة ما تجعله غير قادر على ممارسة الجنس مع زوجته الجميلة.

تمنحه الشخصية فرصة لتجسيد الإعاقة الجسدية مع فسحة للتعبير عن مشاعر مضطربة كالإحباط والغيرة في صورةٍ قصوى.. إنه هنا الماتشو الإسباني مجروحًا في ذكورته، غير أن خافيير لن يتخلص تماما من هذا التنميط سوى مع العقد الأول من الألفية الجديدة والذي سيشهد صعوده إلى العالمية.

منذ صعود خافيير إلى النجومية في السينما الإسبانية وهو يتم مقارنته بنجم إسباني آخر، هو أنطونيو بانديراس، كان قد وجد طريقه للنجومية في هوليوود. في عام ١٩٩٤ يسأل عن طموحه في العالمية على غرار بانديراس فيجيب بأن بانديراس هو نموذج مثالي للجمال اللاتيني بينما ملامحه من الصعب دخولها إلى السوق الأمريكية، بالإضافة إلى فقر لغته الإنجليزية.

لاحقًا سيحقق بارديم شهرة عالمية وسيمثل في سينما هوليوود ذات الميزانيات الضخمة، لكن سيظل الفارق الكبير بين تجربته وتجربة بانديراس يكمن في تلك الموازنة بين العمل في السينما التجارية/ سينما هوليوود السائدة وبين مشاريع أخرى ترضي طموحه كممثل، فيعمل مع أصغر فرهادي، أليخاندرو جونزاليس إيناريتو وتيرانس ماليك، على عكس بانديراس الذي استسلم تمامًا لمتطلبات السينما السائدة.

أريناس من before the night falls

الطريق إلى الأوسكار

تأتى أول خطواته نحو العالمية، حين يختاره الرسام والمخرج الأمريكي جوليان شنابل لأداء شخصية الروائي والشاعر الكوبي رينالدو أريناس في فيلم (Before the night falls) المقتبس عن مذكراته التي تحمل نفس عنوان الفيلم.

يسرد الفيلم وقائع حياته المأساوية ومعاناته في ظل دكتاتورية نظام كاسترو ككاتب مثلي الجنس، ثم معاناته لاحقًا في أمريكا بعد هربه إليها وإصابته بفيروس نقص المناعة المكتسبة (إيدز) وصولًا إلى انتحاره.

منحه هذا الدور انعتاقًا من “البرسونا” الخاصة به كنجم ذي هالة جنسية ذكورية، هنا يكشف عن جانب أنثوي بداخله، عن هشاشة داخلية لم يُتح له التعبير عنها من قبل.. يؤدي هنا شخصية مثلي الجنس دون أن يقع في التنميط أو الكاريكاتورية.

منحه هذا الدور أيضا جائزة أفضل ممثل في مهرجان فينيسيا ثم حصل على ترشيح من الأوسكار كأفضل ممثل ليكون بذلك أول ممثل إسباني يرشح للأوسكار.

من فيلم the sea inside

هذا النجاح العالمي الذي حققه خافيير من خلال هذا الفيلم لم يفتح له بعد أبواب هوليوود، إذ يشارك بعده في العمل الإخراجي الوحيد الممثل الأمريكي جون مالكوفيتش (the dancer upstairs ) ثم يقدم خافيير أحد أفضل أداءاته كممثل في فيلم أليخاندرو أمينابار (the sea inside).

في هذا الفيلم السير- ذاتي، الذي يجسد فيه خافيير شخصية رامون سامبيدرو، نجد اختبارا صعبا لإمكاناته كممثل.. يناضل رامون لعدة عقود ضد القانون الذي يمنعه حقه في الموت الرحيم، حيث يعاني من شلل رباعي، ورغم المحبة والرعاية التي تغدقها عليه عائلته، فإنه يرى أن الحياة التي يعيشها الآن أو ما تبقى منها محرومة من أي كرامة، وهو ما يرفضه باستماتة.

هنا خافيير وأداؤه يبدوان كروح للفيلم.. كيف يستطيع أن يعبر بوجهه وعينيه بكل ما يعتمل في داخله.. مهمة صعبة لأي ممثل حقيقي، لكن خافيير نجح فيها باقتدار.

بعد النجاح العالمي للفيلم والمديح المستحق لأداء خافيير، شارك لأول مرة في أحد أفلام الميزانيات الضخمة في فيلم مايكل مان (collateral ) إلى جانب توم كروز وجيمي فوكس.

يأتي النجاح الأهم في مسيرة خافيير حتى الآن حين اختاره الأخوان كوين لتجسيد شخصية أنطون شيجور في فيلمهما (No country for old men ) المقتبس عن رواية كورماك مكارثي التي تحمل نفس الاسم.

أسهمت كتابة وأداء خافيير في أيقنة شخصية هذا القاتل السيكوباتي، الذي يجسد مجاز العنف والشر الإنساني بكل غشامته وعبثيته.

لم يمنح هذا الفيلم فقط خافيير فوزه الوحيد حتى الآن بأوسكار كأفضل ممثل مساعد، بل أدخله إلى بانثيون هوليوود للأشرار الخالدين.

من الصعب جدًا لأي قائمة تستعرض أكثر أشرار الشاشة الكبير أيقونية أن تتجاهل “أنطون شيجور”.

يختتم خافيير بارديم هذا العقد الاستثنائي في مسيرته بأداء ملهم في فيلم المكسيكي أليخاندرو إيناريتو المعنون بـ(Buitiful) ليمنحه هذا الدور جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان وكذلك ترشيحه للأوسكار الثالث.

من فيلم buitiful

الخيال بأقصى واقعية ممكنة

في مقال صادر عن الأكاديمية الأمريكية لعلوم الطب الشرعي عام 2014 اختاره عدد من الأطباء النفسيين ونقاد السينما كأكثر الشخصيات السيكوباتية واقعية وتصديقًا على شاشة السينما.

يمكننا أن نعتبر أن كلمة الواقعية هي كلمة السر في أداء خافيير، فمهما كانت غرابة أطوار الشخصيات التي يجسدها فإنه يسعى إلى جلب أقصى قدر ممكن من الواقعية والصدق لهذه الشخصيات.

والواقعية هي جوهر ما يسمى بالتمثيل المنهجي (method acting) المستوحى من مبادئ العلامة الروسي ستانسلافسكي، والذي كان يسعى إلى بناء الشخصية من الداخل عبر الذاكرة والمخيلة.

يتحدث خافيير عن دوره في فيلم (Biutiful) الذي يمكن اعتباره ذروة إبداعه، قائلًا: “من المستحيل أن تجسد شخصية ما لعدة أشهر وتظل تؤدي من الخارج، إنك لا تعود أنت بل هو”.

التحق خافيير مبكرًا بمدرسة خوان كارلوس كوراتزا للتمثيل في مدريد، وكوراتزا أحد معلمى التمثيل المنهجي في أمريكا اللاتينية، ولا يزال خافيير يعود إلى هذه المدرسة كل عام إذا سمحت ظروف عمله، كما أنه يدرس كل شخصياته مع معلمه وصديقه كوراتزا قبل الشروع في التصوير.

يستغرق خافيير في الإعداد لشخصياته من أجل معايشتها على أكمل وجه زمنًا يساوى زمن تصوير الفيلم، قبل بدء تصوير (Before the night falls) ذهب إلى كوبا ليقابل أصدقاء أريناس، ليغمر نفسه في الأجواء التى عاش بها ومن أجل اكتساب اللكنة الكوبية، بعدها سافر إلى نيويورك ليقيم في فندق تشيلسيا الشهير، حيث يقرأ كل ما كتب أريناس ويمضى أيامه ولياليه في تعلم الإنجليزية وكتابة خطابات وقصائد موجهة للشاعر المنتحر تطلب منه المساعدة في استحضار روحه.

تجربة تحوّل مُعذبة، كان جوليان شنابل خلالها قلقا على السلامة النفسية لخافيير من جراء معايشته للحالة الذهنية التى كان عليها أريناس.

خافيير مهووس بلغة الجسد، يعرف كيف يعبر جسديا عن طبيعة شخصياته.. فقط عبر لغة الجسد يوحى بأكبر مما تتيحه الكلمات.

في شخصية مثل أنطون شيجور يوحي عبر سكونية جسده وحركاته التي يختزلها إلى حده الأدنى بسلطته الرمزية.

تأمل الخفة والانسيابية التي يتحرك بها كما لو كان شبحًا يتجول على نحو غير مرئي في أروقة الفنادق التي يجتازها بحثًا عن ضحيته، أما وجهه وعيناه فلا يعكسان أي شئ عن داخله أو أي انفعال كما لو كان آلة قتل، فقط تلك الابتسامة الغريبة التي تعكس متعته السادية بالقتل وممارسة سلطته على الآخرين.

في (Biutiful)، حيث يحمل وحده الثقل الدرامي للفيلم كله نشاهده يتحرك دائمًا بهذه الانحناءة نحو الأمام كتعبير عن الثقل العاطفي الذي تنحنى تحته الشخصية.

أشياء كهذه لا توجد في السيناريو، بل تولد بتلقائية من الفهم العميق للشخصية المجسدة.

يبرع خافيير في أداء الشخصيات الشريرة، ودائمًا ما يترك بصمة مميزة على شخصياته عبر عمله على تفاصيل الشخصية وإيجاد ما هو إنساني خلف أقنعتها و ماهية الدوافع التى خلقت هذا الوحش بحيث يبدو مختلفًا في كل مرة.

يحلم خافيير أنه بعد موته ستسير جميع الشخصيات التي جسدها في جنازته ثم تلتقي بعد ذلك داخل غرفة واحدة دون أن يدور بينهم أي حديث، وذلك لأنه لا شئ يجمع بينها.

 

 

أحمد عزت

كاتب سينمائي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى